نعوت القرآن الكريم - 16 - حكيم - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (16)

حكيم

قد تَلتمس الحكمة عند آحاد النّاس في بعض أوقاتِ سكونهم، وهدوء بالهم، أو تلتمسها عند أولي الأحلام والنُّهى، أُولي الخبرات المتراكمة، والمعارف المتجذّرة، أو تلتمسها في كتب الماضين، أو تتطلّبها عند المجرِّبين، أو لدى أصحاب الذوق والمعرفة، أو أصحاب العلم والتحقيق؛ فجميع ذلك ممكن متيسّر، ولكن الذي يعسر بل لا يوجد: أنْ تجد الحكمة المطلقة، الكاملة التامّة، غير المشوبة بكدر الهوى، وشوب الغفلة، والخطأ بوضع الشيء في غير محله، أو الأمر في غير نصابه، وما إلى ذلك من عوارض النقص التي لا ينفكّ منها بشر؛ مجموعة في إنسان، أو مصفوفة في كتاب بشريّ لا ينطق إلّا بها؛ هذا لا يكون، ومَن تطلَّب شيئًا في غير معدنه لم يجده.

لذا كان استفتاح جملة مِن السُّوَر بنعت القرآن الكريم بكونه “حكيمًا“؛ كما في قوله تعالى في مطلع سورة “يس”: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1، 2]، ومطلع سورتَي يونس ولقمان: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: 1، لقمان:  2]، كاستفتاحه بكونه {لا ريب فيه}، ونحو ذلك من النعوت المجيء بها على وجه الكمال المطلق؛ مِن آيات كَون هذا الكتاب العظيم مِن لدن حكيم خبير، موصوف بصفات الكمال والجلال والجمال التي يعجز عن إدراكها كل مخلوق، أو بلوغها أي بشر. وفي الإشارة بـ: {تلك} تنبيه على تعظيم قدْر تلك الآيات بما دلّ عليه اسم الإشارة مِن البُعْدِ المستعمَل في رفعة القدْر، و”الحكيم“؛ يعني: المشتمل على الحكمة، ويجوز أن يكون بمعنى “المُحْكَم“، بصيغة اسم المفعول وصفًا على غير قياس، كقولهم: عسل عقيد؛ لأنه أحكم وأتقن، فليس فيه فضول ولا ما لا يفيد كمالًا نفسانًّيا.([1])

وقد تواضَع اللسان العربيّ على أنّ مادّة “حَكَم” تدلّ على المنع لإصلاح، ومِن ذلك تسمية “حَكَمَة الدّابّة“، وهي الحديدة التي تمنعها مِن الجموح والمخالفة وتردّها إلى مقصد الراكب، ومِنه: إحكام السفيه، وهو منعه مِن التعرُّض للغير بالجموح والجهل، وفي ذلك قول جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه:

أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا

ومِن ذلك تسمية القضاء بين الناس حُكمًا وتسمية القاضي حاكمًا: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95]؛ وذلك لأنّه يمنع من الظلم، ويُنفِذ ما يمنع جموحَ أو جهل بعض المتخاصمين على الآخَر، ومِنه إطلاق “الحكَمَين” على اللَّذَين يسعيان بين الزوجين بالصلح وإزالة أسباب الخلاف بينهما: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35].

و”الحكمة” هذا قياسها؛ لأنّها تمنع من الجهل ونحوه، وهي: “إصابة الحقّ بالعلم والعقل”، وكذلك“المُحْكَم”؛ فإنّه لإحكامه يمتنع عليه عوارض النقص أو الخلل، أو الجهل أو الغفلة، فهو مُتْقَنٌ لا تفاوتَ فيه ولا اضطراب ولا اختلال.

وإذا كان أصل هذه المادة موضوع لمعنى المنع، فليس المراد المنع المحض الذي ليس وراءه غاية، وإنما هو المنع الذي يقصد من ورائه الإصلاح؛ ولذلك ترد “الحكمة” في القرآن الكريم على معانٍ يُراد منها تحصيل هذه الغاية؛ فمن ذلك:

أولا: إطلاق الحكمة على النبوّة؛ لأنّ بها صلاح أديان العباد وقلوبهم وعقولهم، كما في قوله تعالى في نبيّه داود عليه السلام: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} السلطان {وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 251] النبوة.

ثانيا: إطلاقها على القرآن الكريم؛ كما في قوله تعالى: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} [القمر: 5] يَعْنِي: هَذَا الْقُرْآنَ. وقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ[النحل: 125]، يعني: بوحي الله الذي يُوحيه إليك، وكتابه الذي يُنزِله عليك.

ثالثا: إطلاقها على السُّنّة النبوية؛ كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [النساء: 113]، وقوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الجمعة: 2]، وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِوَالْحِكْمَةِ} [البقرة: 231]، وقوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]، قال الإمام الشافعيُّ في “الرسالة”: “فذكر الله الكتاب، وهو القُرَآن، وذكر الحِكْمَة، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول: الحكمة سنة رسول الله، وهذا يشبه ما قال والله أعلم؛ لأن القُرَآن ذُكر وأُتْبِعَتْه الحكمة، وذكرَ الله منَّه على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يَجُزْ – والله أعلم – أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنةُ رسول الله؛ وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله”.

رابعا: إطلاقها على الفَهْم لكتاب الله، وعقْل الأمور والإصابة فيها، خاصّة الإصابة في فَهْم كتاب الله وعقْله على وجهه، كما في قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]، وقوله: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]، يعني: وَأَعْطَيْنَاهُ الْفَهْمَ لِكِتَابِ اللَّهِ فِي حَالِ صِبَاهُ. وفي صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: “اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ“، وفي رواية له: “عَلِّمْهُ الكِتَابَ“، وَالحِكْمَةُ: الإِصَابَةُ فِي غَيْرِ النُّبُوَّةِ.اهـ. وقال تعالى في لقمان: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}، يعني: الفقهَ في الدِّين، والعقل، والإصابة في القول.

وأنت إذا تأمّلتَ القرآن الكريم وجدته أحق شيء بوصف “الحكمة”، ونذكر لك طرفا من ذلك لتستدل به على الباقي؛ فمنه:

1] أنّه جاء بأجلّ الألفاظ وأفصحها وأبينها، الدالّة على أجلّ المعاني وأحسنها وأحكمها؛ قال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1]، يعني: “نُظِمَت نَظْمًا رصينًا مُحْكَمًا، لا يقع فيه نقض ولا خلل، كالبناء المحكَم المرصف”، وقال: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} [الرعد: 37]، “أي: مُحكمًا مُتقنًا، بأوضح الألسنة، وأفصح اللغات؛ لئلّا يقع فيه شكٍّ واشتباه”. وهذا الوصف ثابتٌ لكتاب الله بغير لفظ الحكمة، كما في قوله تعالى {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]، وقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: 23].
 
2] أنّه كتاب ممتنع عن الجهل والباطل؛ كما في قوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ  تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]، وقال قتادة في قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1]: “أَحْكَمَهَا اللَّهُ مِنَ الْبَاطِلِ”.
 
3] أنّه كتابٌ ممتنع عن المعارَضة، أو الإتيان بمثله، كما في قوله عز وجل: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
 
4] أنّ أوامر هذا الكتاب العظيم ونواهيه كلّها على ميزان الحكمة؛ هادية إلى الصواب، مانعة مِن الفساد، جالبة للمصالح؛ كما في قوله تعالى في شأن كتابه الكريم: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4]، “أي: لعليّ في قدْره وشرفه ومحلّه، حكيم فيما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي والأخبار؛ فليس فيه حُكم مخالف للحِكمة والعدل والميزان”.([2]) وكثيرا ما يأتي الشيء المأمور به أو المنهي عنه مقرونا بحكمته وفائدته، كما في تشريع الصيام: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وقوله في الجهاد: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، وكقوله سبحانه في الخمر والميسر: {إِنَّمَايُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91].
 
5] أنّه كتاب متوازن في معانيه، لا يعتريه فيها اضطراب أو اختلال؛ ولذلك أمثلة كثيرة في موضوعات شتّى، منها التوازن في الترغيب والترهيب، والتوازن في تقرير العفو عن الذنب أو العقوبة عليه: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50]؛ فإنّ العفو يتيح مجالًا للتائبين للعودة إلى حياض الحقّ، أمّا العقوبة؛ فإنّها تزجر عن مقارفة الذنب، وتردع عن معاودته.
 
6] ومن مظاهر حكمته ختام الآيات بما يدل على الغايات؛ فبين ختام الآية وموضوعها اتصال وثيق، وانظر لذلك آية قطع يد السارق بقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]. وقد تغمض بعض الخواتيم على البعض نظرًا لخفاء المناسبة، مثال ذلك ختام قوله تعالى على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]؛ فهذه الآية غمضت على كثير، حتّى إنّه ممّا روي في ذلك أنّ مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان فيه في ختام هذه الآية: “إنك أنت الغفور الرحيم“، وهذا إنْ صحّ؛ فإنّه معدول عنه؛ لمخالفته ما أجمعت عليه الأُمّة وتواترت عليه مِن ختم الآية بما تقدَّم. ثم إنّ أهل العلم ذهبوا كل مذهب في إيجاد المناسبة، حتّى قال قائلهم – وهو قول صحيح – إنّ الختام بقوله: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، أوفق وأكثر مناسبة من الختام بقوله: “الغفور الرحيم“؛ ذلك أنّ المقام مِن عيسى عليه السّلام في الذين قالوا إنّه وأُمّه إلهين مِن دون الله فافتروا على الله الكذب، ليس مقام شفاعة لهؤلاء، وإنّما مقام تفويض الأمر إلى الله فيهم؛ ليفعل فيهم ما يشاء بقدرته وحكمته؛ إنْ شاء عذّبهم على ما فرط منهم مِن القول الشنيع، وإنْ شاء غفر لهم ذلك؛ لا رادّ لحُكمه، ولا مُعقّب لأمره؛ ولذلك قدّم عيسى في دعائه العذاب على المغفرة، فقال: {إنْ تعذّبهم…}؛ وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يقرأ هذه الآية {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، ويبكي، ويقول: “أُمّتي أُمّتي..”([3]) وهذا يعني أنّ جانب الرجاء في خطاب عيسى عليه السلام أقلّ مِن جانب العقوبة.([4]) كما ذهب بعضُهم إلى أنّ هناك تقديما وتأخيرا في الآية، تقديره: إنْ تغفر لهم فإنّهم عباد، وإن تعذّبهم فإنّك أنت العزيز الحكيم. ولكنّ الأوّل أَوْلَى لسببينأوّلهما: أنّ فيه مراعاة للنَّظْم القرآني. وثانيهما: أنّ فيه مراعاة لسياق المعنى القرآني الذي جاءت فيه هذه الآية، على ما تقدّم بيانه. والله أعلم.
 
7] ومِن آيات حكمة القرآن الكريم، مراعاته لحال المخاطَبين، وما يحتاجون إليه مِن المعاني بالألفاظ المناسبة لحالهم وطاقتهم؛ ولذلك نجد الخطاب القرآني المكّي والمدني، يتميَّز كل واحد منهما بسمات خاصّة تلائم ظرف زمان تنزُّل الوحي وما كانت عليه القلوب والعقول حينها؛ ولذلك نجد أنّ “القرآن المكّيّ” تتميَّز آياته بالقِصَر حتّى تكون قوارع متوالية متسارعة تسارع الحجج والمعاني التي كانت تدور عليها هذه الآيات مِن تقرير قضايا الإيمان والتوحيد، نعم لم تخل آيات العهد المكي من بعض التشريع ولكنه التشريع الذي لا بد منه لغرس العقيدة في النفس وتعليق القلب بالخلاق العليم.
أمّا “القرآن المدني” حيث ثاب الناس إلى الإسلام، وتهيّأت القلوب العقول لاستقبال تعاليمه؛ نجد أنّ آياته تتميَّز بالطول، ومعانيه تدور على التشريع وما يتّصل به مِن معانٍ وقضايا؛ وفي هذا المعنى عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّها قالت: “إِنَّما نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ“.([5])
وهكذا انتقل القرآن بالقلوب والعقول من طور إلى طور؛ ليهذِّب، ثم يبذر، ثم يقطف الثمرة؛ في أطوار إيمانيّة إصلاحيّة يأخذ بعضها برقاب بعض.

اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علما وعملا، برحمتك يا أرحم الراحمين

وصلّ اللهمّ على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

***

([1]) التحرير والتنوير (21/140).

([2]) تفسير السعدي (ص762).

([3]) رواه مسلم (202).

([4]) جاء في تفسير الرازي (12/468): “سمعت شيخي ووالدي رحمه الله يقول: {العزيز الحكيم} هاهنا أَوْلَى مِن “الغفور الرحيم“؛ لأنّ كونه غفورا رحيما يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج، وأما العزة والحكمة فهما لا يوجبان المغفرة؛ فإنّ كونه عزيزا يقتضي أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه لا اعتراض عليه لأحد، فإذا كان عزيزا متعاليا عن جميع جهات الاستحقاق، ثم حكم بالمغفرة كان الكرم هاهنا أتم مما إذا كان كونه غفورا رحيما يوجب المغفرة والرحمة، فكانت عبارته رحمه الله أن يقول: عز عن الكل، ثم حكم بالرحمة فكان هذا أكمل”.

([5]) رواه البخاري (4993).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل