الفرق بين التدبر والتفسير - فريد الأنصاري

الفرق بين التدبر والتفسير - فريد الأنصاري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
 
حول مفهوم التدبر للقرآن
كتب أخونا سعد كلمات قيمة، ترجم فيها إشكالاً مهمًا، أو شبهة تعرض لكثير من الناس، حول تدبر كتاب الله ومدارسة آياته. وكان فيما قال أسعده الله: "لا شك أنه من اللافت فعلاً شدة إعراض الناس عن القرآن الكريم! فأغلب الناس لا يُقبلون عليه إلا مرة في السنة أو في سنوات!" ثم قال: "يبدو لي أن أحد الأسباب التي تكمن وراء هذا الإعراض هو (تهيب) الإقبال على القرآن مباشرة ودون واسطة. صحيح أن من الناس من يتفادى التدبر؛ لأنه لا يعرف قيمة القرآن! ولكن هنالك أيضاً صنف من المسلمين يخافون أن يُعْمِلُوا فكرهم في آيات الله -وإن كان بحضور التفسير!- لأنه "شيء جديد وغير مألوف!" ولأنه (اجتراء) على الله! فما هي الضوابط التي ينبغي الالتزام بها أثناء تدارس القرآن أو تدبره؟ ما الذي يضمن أن العبد لن ينجرف وراء خواطر شيطانية، وهو يظنها رحمانية؟ وإلى أي حد يمكن أن يقول (برأيه) في استخراج معاني القرآن وحقائقه الإيمانية؟
 
أعتقد أن توضيح هذه النقاط مهم للغاية، خاصة وأنني أعرف بعض الصالحين ممن يخافون فعلاً أن يتدبروا القرآن. ولقد سمعت بأذني أحدهم يقول لصديق لي حين سمعه يتدبر آية من سورة العلق: "هل تريد أن تكون مفسراً؟"!! فَوَضْعُ هذه الحدود كفيل إن شاء الله بتشجيع الناس على الإقبال على القرآن دون خوف أو وجل.. والسلام عليكم".
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
 
بارك الله فيك أخي سعداً!
تساؤل في غاية الأهمية، وملحوظة في غاية الدقة! ولقد أشرتُ إلى بعض حقائق التدبر في كتيب (مجالس القرآن)، وكشفتُ هنالك عن طبيعة الإشكال. ولقد استقريت -بتوفيق الله- عشرين ضابطاً لمجلس التدارس والتدبر؛ ما يحفظه -بإذن الله- عن الشرود والانحراف. ولعل الأحبة يجدون في الطبعة الجديدة للكتاب –بزياداتها- ما يكفي لذلك، إن شاء الله، وبه الثقة. وإنما المحفوظ من حفظه الله!
 
وإنما الذي أفزعني ههنا هو ما حكاه سعدٌ عن بعض الإخوان، من الاستعظام لفعل التدبر، والإنكار على المتدبر بما يشبه السخرية! ولذلك فقد أحببت نزع ما يلقيه الشيطان في النفس -تحت ستار الورع وذريعة التقوى!- من الصد عن تدبر كتاب الله! وحرمان الأمة من أعظم أصل في منهاج التعامل مع رسالات الله!
 
ويمكن توضيح القول ههنا حول التدبر بطريقة أخرى، وبيان ذلك -بحول الله- هو كما يلي:
- أولًا: لا بد من بيان أن التدبر هو غير التفسير! هذا أمر مهم جدًا! ونحن نعلم أن بعض العلماء المعاصرين قد استعملهما على سبيل الترادف. وهو غير صحيح!
 
فالتفسير بيان وشرح للمعنى، بينما التدبر اتعاظ بالمعنى واعتبار به وتذكر! وبينهما فرق كبير! إن التفسير من الفَسْرِ، وهو: الكشف والبيان. ولذلك سمي بيان كتاب الله تفسيراً؛ لأنه يكشف اللثام عن معانيه اللغوية والسياقية والشرعية، باستعمال قواعد التفسير المعروفة عند أهله. وهذا هو علم التفسير.
 
وقد كنا -مع بعض إخواننا- نتدارس كتاب الشيخ العلامة عبد الرحمن حبنكة الميداني رحمه الله: (قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل)؛ فوجدنا أنما هو كتاب في قواعد التفسير! وهو كتاب من العمق والدقة بمكان! لكنه لا تدبر فيه بالمعنى القرآني للكلمة! وإنما هو قواعد منهجية تضبط عمل المفسر لكتاب الله.
 
أما التدبر -من التفعل- فهو: النظر إلى دُبُرِ الشيء، أي التأمل في دَوَابِرِ الأمور المتوقعة، بمعنى النظر إلى عاقبتها، وما يمكن أن تؤول إليه. كما يدخل فيه النظر في دوابر الأمور الواقعة من قبل؛ لمعرفة أسبابها ومقدماتها. وهذا لا يوجد في كتب التفسير إلا نادراً. لأنه -في الغالب- عمل قلبي شخصي، ونظر نفسي لا ينوب فيه أحد عن أحد. وهل يستطيع أحد أن ينوب عن غيره في الخوف والرجاء، أو في الكسل والنشاط؟ هذا ممتنع عقلاً وطبعاً وشرعاً! اللهم إلا ما تعلق بربط الأسباب بمسبباتها -على المستوى الخارجي- وما كان في معناه.
 
- ثانياً: إن التدبر هو مرحلة ما بعد التفسير! أي ما بعد الفهم للآية. لكن الفهم المطلوب لتحصيل التدبر إنما هو الفهم الكلي العام، أو بعبارة أخرى: الفهم البسيط. ولا يشترط في ذلك تحقيق أقوال المفسرين والغوص في دقائق كتب التفسير! وإلا صار القرآن موجهاً إلى طائفة محصورة فقط! ومن ثم يمكن لأي شخص أن يتدبر القرآن بعد التحقق من المعنى المشهور للآية، يقرؤها من أي تفسير أو يسمعها.
 
إن التدبر حركة نفسية باطنية! تنظر إلى صيرورة النفس في الزمان والمكان، بالنسبة إلى احتمالين: الأول احتمال متابعة القرآن والاستسلام لأحكامه وحكمه. والثاني: عكسه، وهو النكوص والتمرد والجحود والعصيان! ففي كلا الأمرين ينظر المتأمل إلى مآل الحال المحتمل! ذلك هو التدبر! ولذلك كان التدبر لغة -كما ذكرنا- نظراً إلى أدبار الحوادث ونتائجها، وربطاً للأسباب بمسبباتها، فيما وقع وفيما يحتمل أن يقع، على المستوى النفسي والاجتماعي. في الخير والشر سواء! إنه إذن ضرب من المحاسبة للنفس في ضوء القرآن، والمراقبة لأحولها، في صيرورتها الذاتية والاجتماعية.
 
إن التدبر إذن هو نظر في الآية باعتبارها مبصاراً، يكشف عن أمراض النفس وعللها، ويقوم في الوقت نفسه بتهذيبها وتشذيبها. أي بتزكيتها وتربيتها.
 
ومن ثم فإنه يكفي المتدبر للقرآن أن يعلم المعنى العام للآية أو السورة، مما أُثِرَ عن جمهور السلف؛ ليدخل في مسلك التدبر.
 
ولا شك أن علم العالم وخبرة المفسر تعطيه فرصةً أكبر بكثير؛ لتعميق التدبر في الآيات، والوصول بها إلى أرقى منازل الإيمان! ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن غير المختصين بالتفسير، أو حتى العوام محجوبون من التدبر! إن غير العالم لن يعجز عن تدبر آية {الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة، الآية: 2] مثلاً، والنظر في مآلات فعل الحمد في نفسه وفي المجتمع -على قدر طاقته طبعاً- وكذا مآلات نقيضه من النكران والجحود كيف يكون؟
 
وإن غير العالم إذا فسرتَ له أن {الفَلَقَ} هو الفجر؛ أمكنه آنئذ أن يتدبر قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [سورة الفلق، الآيات: 1-2] وكذلك إذا علم أن {الْجُدَدَ} هي: الطرق والمسالك الجبلية، وأن {الغَرَابِيبَ} هي: الصخور السوداء؛ أمكنه أن ينطلق في آفاق تدبر قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [سورة فاطر، الآية: 27]. ولقد تعمدت أن أمثل بهذه الكلمات القرآنية الغريبة إلى حد ما، وإلا فجمهور المعجم القرآني من الميسور المعلوم، بل إن كثيراً منه متداول في اللهجات العامية العربية!
 
ولم لا يتدبر؟ أليس يرى القارئ للآية المذكورة مثلاً، مشهدَ نزول الماء من السماء؟ أليس يرى بعينيه آثار الغيث كلَّ ربيع في الروابي، والجنات، والبساتين، وأشكال الفاكهة والثمار، والجداول، والأنهار، والأطيار، بل في الحياة كلها؟ أليس ينظر إلى الجبال الشاهقة المنتصبة بهيئتها العظيمة بين يديه؟ أليس يرى مسالكها من بعيد تتلوى حولها خطوطاً حمراء وبيضاء على حسب لون الصخور والتربة الناسجة لها؟ أليس يعجب من مشهد الحجارة الصماء السوداء، الراسية على قمم هذه الجبال أو تلك؟
 
فكل من أبصر عظمة الخالق في عظمة المخلوق، واتخذ آثار الصنعة مسلكًا يسير به إلى معرفة الله فهو متدبر وهو متفكر! وهذا أمر ليس حكراً على المفسرين ولا على الجيولوجيين، وإن كان لهؤلاء وأولئك من العلم ما يجعلهم يتفوقون ويسبقون به غيرهم، إذا أخلصوا النظر لله! نعم، ولكن الله قد أتاح لكل ذي عينين، وأذنين، وقلب حي، أن يسلك إلى ربه عبر ما يسر الله له من التدبر والتفكر.. ولربما سبق القنفذُ الفرس! وإنما ذلك على حسب صفاء القلب وإخلاص السير!
 
وإنني لأنسى كثيراً، لكنني ما نسيت قط حَدَّاداً شابًا في قريتي الصغيرة بجنوب المغرب، أواخرَ السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الميلادي الماضي.. وكانت الشيوعية آنئذ تنتشر في المغرب انتشار النار في الهشيم! وقد كان دعاتها عندنا من بعض رجال التعليم وطلبة الجامعات، مع الأسف! وكان أحدهم يجلس إلى ذلك الحداد البسيط يعلمه (حقوق العمال) و(ديكتاتورية البروليتاريا!) وكأن مطرقته الثقيلة، وما كان يصنعه للفلاحين الصغار من مناجلَ ومَزَابِرَ ومِحَشَّاتٍ، كانت تذكره بشعار الشيوعية الشهير: "المطرقة والمنجل"! فطمع الأحمق أن يضمه إلى صفوف الشيوعيين! حتى إنه سار معه بعيداً فجعل يشرح له عقيدة الإلحاد، وكيف أن "الدين أفيون الشعوب" على حد تعبير كارل ماركس! وكنتُ أنا أيضاً وأصحابي نجلس إلى هذا الحداد، فيحدثنا بحديث الشيوعي، ثم نتداول الكلام.. وإنني لا أنسى يومًا إذ أخرج من التنور حديدةً مُجَمَّرَةً، قد احْمَرَّ نصلها من النار حتى إنها لتكاد تذوب! ثم انهال عليها بالدق والطرق بقوة، وهو يقول دون أن يرفع رأسه: "يا أخي.. إنهم ينكرون وجود الله ووجود الآخرة! هكذا يقولون.. أما أنا فإنه لربما أصابتني أحيانا شرارةٌ طائشة من هذا الحديد المجمَّر بين يديَّ؛ فتثقب ثوبي ثم جلدي، فيكون لها من الألم الشديد ما الله به عليم! وإن ذلك ليكفيني ترهيباً وتحذيراً من نار جهنم! وإن صاحبنا الشيوعي كلما حدثني بحديثه قلت في نفسي: هذه مجرد ذرة من نار الدنيا، فترى كيف تكون نار الآخرة! وإنني لأرى بعينيَّ أن نار الدنيا هاته التي بين يديَّ لدليل كاف على وجود نار الآخرة!" كذا قال!
 
وإنني ما زلت إلى اليوم أعجب من عمق ملاحظة ذلك الحداد الفطري البسيط! وأتساءل في نفسي: أي تفكر هذا وأي تدبر؟ بل أي علم بالله هذا وأي إبصار! حَقّاً حَقّاً! {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج، الآية: 46].
 
هذا ضرب عجيب من التدبر لحقائق القرآن، ونوع من التفكر العميق في الوجود، وهو ممكن لكل الناس، خاصتهم وعامتهم على السواء.
 
وأنت ترى أن الله جل جلاله أمر الكفار بالتدبر لكتابه! كما في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [سورة النساء، الآية: 82] وقال سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [سورة محمد، الآية: 24] فإذا كان الكافر –وهو المجرد قطعًا من كل قواعد التفسير ومناهجه– مأموراً بالتدبر فالمسلم أولى وأحرى!
 
إن المسلم -أي مسلم– إنما عليه أن يصطحب مختصراً صغيراً من كتب التفسير، كتفسير الجلالين مثلاً، أو أحد مختصرات ابن كثير، أو غيرهما؛ وذلك فقط حتى يضبط بوصلة الاتجاه العام لمعنى الآيات، ثم يشرع آنئذ في التدبر للقرآن، ولا حرج. لأن التدبر لكتاب الله لا ينبني عليه حلال ولا حرام، ولا تصدر عنه فتوى ولا قضاء! وإنما هو مسلك روحي يقود القلب إلى التوبة والإنابة، وإلى مجاهدة النفس من أجل الترقي بمراتب العلم بالله!
 
أما صناعة التفسير والاستنباط فهذا هو الذي يخص فئة محصورة من الناس وهم أهل الاجتهاد من العلماء، ممن يفتون ويقررون في القضايا والنوازل. وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة النساء، الآية: 83] وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [سورة التوبة، الآية: 122]. فذاك علم الخاصة.
 
وأما التدبر -بما هو تذكر واعتبار- فهو لعامة المسلمين. قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [سورة القمر، الآية: 17].
 
وعليه؛ فالمفسر عالم وفقيه، يقوم ببيان الحقائق القرآنية والأحكام الشرعية، والتصدر للفتوى. بينما المتدبر مجرد متعظ وواعظ. وقد يجمع الله للمرء بين الخيرين. والعالم الحق لا يصح له إلا ذلك! ومن ثم جاز لنا أن نقول: "كُلُّ عالِمٍ أو كلُّ مفسِّرٍ متدبرٌ، وليس كل متدبرٍ مفسِّراً!" فتأمل!
 
إن الذي يمتنع عن تدبر القرآن أو ينهى غيره عن ذلك؛ بدعوى أن التدبر أمر خاص بعلماء التفسير، إنما هو جاهل بهذا الفرق الجوهري الكبير بين التفسير والتدبر.. وأخشى أن يكون الشيطان قد لبَّس عليه تلبيساً؛ ليحرمه هو في نفسه من نور القرآن! أو يجعله أداة لقطع الطريق أمام السائرين إلى الله!
 
إن التدبر للقرآن مطلوب من العالِم، ومن المهندس، والطبيب، والأستاذ، والفلاح، والحداد، والنجار، والتاجر... إلخ! بل إن التدبر مطلوب من الكافر الأعجمي، إنجليزياً كان أو فرنسياً أو صينياً، أو ما كان! نعم! نعم! لكن فقط بعد أن تترجم له المعاني العامة للآيات!
 
بينما التفسير إنما هو صناعة العلماء فقط.
 
ومصطلح (التدبر) في القرآن قريب من مصطلح (التفكر) وإن لم يكونا مترادفين. فكأن (التدبر) ينصرف استعماله غالبًا إلى تأمل القرآن، بينما (التفكر) ينصرف استعماله إلى تأمل الكون المنظور. قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [سورة آل عمران، الآيات: 190-191]. وإذا تأملت وجدت نتيجة كُلٍّ من التدبر والتفكر واحدة، ألاَ وهي: الاتعاظ والاعتبار! وهو ما حكاه الله عن الذاكرين المتفكرين: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
 
إن هذا معناه أيضا أن النظر (التفكري) في الكون ليس عملًا عقليًا معقدًا، خاصا بعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والبيولوجيا والطبيعيات... إلخ! نعم هم مشمولون بأمره، بل هم أولى به! لكن (التفكر) كالتدبر، مطلوب أيضًا من غير المتخصصين، بل حتى من العوام! كُلٌّ على قدر فكره!.. وما يدريك؟ لعل فلاحًا بسيطاً، يصل إلى عِبَرٍ للقلب لا يتحقق بها المتخصص الخبير! لأن نتائج كُلٍّ من التدبر والتفكر محض هبة من الرحمن، ومجرد هُدًى منه تعالى!
 
إن التدبر والتفكر يؤولان معاً إلى مصطلح قرآني مركزي ثالث، ألا وهو (التَّذَكُّرُ) بالذال المعجمة، أو (الاِدِّكَارُ) بالدال المهملة، ومشتقاتهما وهما سواء [1]. قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} [سورة ص، الآية: 29] وقال سبحانه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [سورة القمر، الآية: 17].
 
وإنما يختص (التدبر) بتحصيل الذكرى عن طريق النظر في الآيات القرآنية. بينما يختص (التفكر) بتحصيل الذكرى بالآيات الكونية. هذا هو الغالب، وربما وجدت هذا بمعنى ذاك. إذ بينهما علاقة جدلية؛ لأن أحدهما يؤدي إلى الآخر. فالتدبر للقرآن يقودك إلى التفكر في الوجود، والتفكر في الوجود يعود بك إلى القرآن. وهما معًا في جميع الأحوال يثمران تَذَكُّراً للقلب وذكرى.
 
ولا يقول عاقل بأن التذكر والذكر ى يحتاج فيها الإنسان إلى خبرة علمية وتخصص دقيق! سواء في الشرعيات أو في الكونيات. كلا! كلا! إنما هو عمل قلبي محض، مفتوح لكل ذي قلب! وبذلك قامت حجة الله على جميع الخلق عربهم وعجمهم، خاصتهم وعامتهم! قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [سورة ق، الآية: 37].
 
وبذلك يتبين ما لتعقيد الضوابط والشروط للتدبر أو للتفكر، من خروج عن منهاج القرآن! قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [سورة الجمعة، الآية: 2].
 
إن المتدبر أو المتفكر -كليهما- في حاجة إلى التحقق بأمرين اثنين:
- الأول: الفهم العام للآية قراءةً، أو سماعاً إن كان أميًا. ويحسن أن يكون ذلك بمجلس مدارسة، تعلما وتعليما، على منهاج رسول الله -معلم الأميين- صلى الله عليه وسلم.
 
- الثاني: إخلاص النظر لله! وكلاهما بمقدور جميع الناس، إلا من رُفِعَ عنه القلم!
 
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سورة سبأ، الآية: 46].
 
وهذا خطاب موجه في الأصل للكفار، فتأمل!
وأحب قبل ختام هذه الكلمات أن أعززها بإيراد أمثلة عن تدبر النبي صلى الله عليه وسلم وتفكره. فالسنة هي البيان الرئيس للقرآن الكريم ومفاهيمه. وأمثلة أخرى عن تدبر الصحابة رضي الله عنهم، وكذا بعض التابعين.
 
ففي مشهد من أَجَلِّ مَشَاهِدِ النبوة، لم يزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبكي في صلاته من تدبره وتفكره؛ إذْ أَرَاهُ اللهُ من أسرار مَلَكُوتِهِ ما أَرَاهُ؛ حتى بكت الأرض ببكائه عليه الصلاة والسلام! فقد سَأَلَ عُبَيْدٌ بْنُ عُمَيْرٍ عائشةَ رضي الله عنها، قَالَ: "أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم!" قالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ! ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي!» قُلْتُ: "وَاللهِ إنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ" قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ! قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ! قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأرْضَ! فَجَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟" قَالَ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟ لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا! {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ. رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}» [سورة آل عمران، الآيات: 190-191] [2].
 
وقد ورد التدبر والتفكر ههنا بمعنى واحد كما أشرنا إليه من قبل، لارتباطهما الجدلي. فقوله صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا!» هو بمعنى: لم "يتدبرها" لأن تدبرها مُفْضٍ بالضرورة إلى التفكر في خلق السماوات والأرض؛ ولذلك عبر هنا بالتفكر. وأما وعيده عليه الصلاة والسلام للممتنع عن التفكر بالويل؛ فهو دليل قوي على وجوب التفكر والتدبر -إجمالاً- على جميع الناس! سواء منهم العالم والعامي، كُلٌّ على ما يسر الله له.. فتأمل!
 
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل، قام فقال: «يا أيها الناس!.. اذكروا الله! جاءتِ {الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [سورة النازعات، الآيات: 6-7] جاء الموت بما فيه! جاء الموت بما فيه!» [3] ولا يخفى ما في الحديث من تضمين لآيتي النازعات: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [سورة النازعات، الآيات: 6-7]. وما في ذلك من تدبر عجيب لهذه الحقيقة الإيمان ية في جوف الليل؛ وذلك لِشَبَهِ الليل بظلمة القبر من جهة، ولأن الليل -من جهة أخرى- هو موتٌ لحركة النهار! وفي ذلك أيضًا إشارة إلى أن على المؤمن أن يجعل تفكره في الظواهر الكونية مرتبطًا بتدبره للآيات القرآنية؛ بسبب ما ينتج عن ذلك من التشمير والجد والعمل! حيث تقع الآيات بعد ذلك على النفس الكسولة الغافلة، موقع السوط اللاهب على ظهر الدابة الخاملة! فتقفز مسرعة بصاحبها في الطريق إلى الله!
 
وكذلك كان تدبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن التابعي العابد الزاهد ابن أبي مليكة رحمه الله، قال: "صَحِبْتُ ابنَ عباس رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شَطْرَ الليل! فَسُئِلَ: "كيف كانت قِرَاءَتُهُ؟" قال: "قرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [سورة ق، الآية: 19] فجَعلَ يُرَتِّلُ ويُكْثِرُ في ذلك النَّشِيجَ!" [4] والنَّشِيجُ: شدة البكاء، إذا هاج على صاحبه؛ فبكى بصوت مخنوق في صدره، فصار له أَزِيزٌ كأزيزِ القِدْرِ أو الْمِرْجَلِ!
 
وفي تفسير الطبري: "أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قرأ هذه الآية: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [سورة المؤمنون، الآية: 104]، قال: ألم تر إلى الرأس الْمُشَيَّطِ بالنار، وقد قَلُصَتْ شفتَاه وبدت أسنانُه!" [5] يقصد التمثيل التدبري للمعنى برأس الكبش الْمُشَيَّطِ، أي بعد تشويطه بالنار. تقول: شَوَّطَ وشَيَّطَ، سواء. وهذا تدبر عجيب؛ لما فيه من ربطٍ للآيات القرآنية بالمشاهَدَات اليومية في الحياة الدنيا -رغم عظم الفرق- ولكن الاتعاظ بالصغير الحقير أدعى إلى الاتعاظ بالكبير الخطير!
 
وفي ترجمة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الإصابة لابن حجر، أنه: "كان رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} [سورة الحديد، الآية: 16] يبكي حتى يغلبه البكاء..!" [6].
 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل