نعوت القرآن الكريم - 14 - قيّم - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (14)

قَيِّم

قَيِّم“، ومثله “قيَّام“، و”قيُّوم“؛ مِن أبنية المبالغة، وهي مِن صفات الله تعالى؛ كما في قول الحقِّ تبارك وتعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255، آل عمران: 2]، وفي دعاء صلاة الليل: “أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ“([1])، وفي رواية: “أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ“([2])، ومعناها: القائم بأمور الخَلق، ومُدَبِّر العالَم في جميع أحواله، حتى لا يُتصوَّر وجود شيء، ولا دوام وجوده إلّا به.([3])

والقيِّم هو المستقيم([4])، وهذا المعنى يجتمع مع المعنى الأوّل في أنّ القيام على الشيء لابُدّ أنْ يكون على وجه الاستقامة؛ فإنّ القيِّم هو الذي يسوس الأمور بما يصلحها، وإلَّا عُدَّ مُفسِدًا لا مُصلِحًا، ومنحرفًا لا مُستقيمًا.

وقد جاء نعت القرآن الكريم بكونًا “قَيِّمًا” بما يشتمل على هذين المعنيين السابقين، وذلك في قوله عزّ وجلّ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا} [الكهف: 1 – 2]؛ والعِوَج بالكسر يكون في المعاني؛ كالدِّين، أمّا العَوَج بالكسر، فيكون في المحسوسات؛ كالعُود.([5])

وتأمَّل كيف جعل الحقُّ تبارك وتعالى تنزُّلَ كتابه الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم على هذه الهيئة من الاستقامة ونفي العوج عنه، أمرا عظيم القدْر يستدعي استفتاح السورة كلها بحمد ذلك.

فإنْ قلتَ: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غِنًى عن الآخَر؟

والجواب: أنّ فائدته التأكيد؛ فرُبَّ مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو مِن أدنى عِوج عند السير، أو عند تصفُّح أحواله.([6])

كما جاء هذا النعت المبارَك في قوله تعالى:{رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً}؛ يعني: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يتلو ما تضمَّنته الصحف مِن المكتوب فيها وهو القرآن، ويدل على ذلك، أنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب؛ {فِيهَا كُتُبٌ} يعني الآيات والأحكام المكتوبة فيها {قَيِّمَةٌ} [البينة: 2- 3] عادلةٌ مستقيمة، غير ذات عوج، تُبيِّن الحقَّ مِن الباطل.([7])

كما نعَت سبحانه الدِّين كلّه بكونِه قَيِّمًا، فقال:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} [الروم: 43]؛ يعني: لطاعة ربّك، والملّة المستقيمة التي لا اعوجاج فيها. وأصل ذلك القرآن الكريم الذي هو منبع الاستقامة، ومُنطَلَق فَهم الرسالة.

ويمكن استخلاص وجوه كون القرآن “قيِّمًا” في المعاني التالية:

أوَّلهاأنّه قائم بذاته في البيان والإفادة([8])؛ فليست ألفاظه غامضة أو طلاسم معقودة تستعصي على المتلقِّي، وإنّما هو كتابٌ يسَّره الله للذِّكر، وجعله للنّاس كافّة؛ فمَن كان عربيًّا فإنّه يتلوه ويعي ما فيه، ومَن كان أعجميًّا؛ فإنه يترجَم له، حتّى يعي معانيه، ويفقه مراميه.

ثانيهاأنّه كتاب مستقيم ليس فيه عوج ولا خلل ولا زيغ، ولا تضادّ ولا اختلاف، سواء في ألفاظه أو في معانيه، كما قال: {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}[الزمر: ٢٨]، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]؛ فهو كتابُ قَصْدٍ ووسط؛ لا إفراط فيما اشتمل عليه مِن التكاليف المرصوفة على ميزان القصد بحيث لا تشقّ على المكلّف أو تجعله مسترخيًا كسلانًا، وكذلك لا تفريط في التنبيه وذِكْر كل ما يحتاج إليه، فلم يُهمِل مِنه شيئًا، وهو في سبيل ذلك لا يفتقر إلى كتاب آخَر يسدّ مسدّه أو يقوم عنه بحاجات العباد الروحية والماديّة، كما قال سبحانه: {مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38].([9])

ثالثها: أنَّ أجلّ وظائفه القيام على قلوب العباد بما يصلحها ويقوِّم عقائدها، ويهديها إلى أسباب سعادتها، وسياستها بما يُقيم أمور دِينها ومعاشها ومعادها؛ ومِن آيات ذلك قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [الروم: 42 – 45]، وقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30]، وقوله: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وقوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]؛ وقوله: {وَذلِكَ} إشارة إلى ما ذُكِرَ مِن عبادة الله تعالى بالإخلاص وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وما فيه مِن البُعد؛ للإشعار بعلو رتبته، وبُعْدِ منزلته في الشَّرف.([10]) وإنّما قال هنا {الْقَيِّمَةِ} بالتأنيث؛ لأنَّه سبحانه إمّا عنى بالدِّين الملَّة، المستقيمة التي لا عوج فيها، أو أنّ تاء التأنيث للمبالغة كعلَّامة.([11]) وفي هذه الآية دليل قاطع على أنّ الإسلامَ -الذي هو الدِّين القيِّم- قول وعمل.([12])

رابعها: أنّه كتابٌ قيِّم على ما يبتدعه النّاس من الأحكام والتشريعات، فيردّ مخترعاتهم التي تزايل أحكام الله، كما في قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة: 36]، يقول: واعلموا أيُّها النّاس أنّ عِدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله الذي كتب فيه كل ما هو كائن، وأن من هذه الاثني عشر شهرا أربعة أشهر حرما ذلك دين الله المستقيم، لا ما يفعله النسيء من تحليله ما يُحَلِّل مِن شهور السَّنة، وتحريمه ما يُحَرِّمه منها.([13])

خامسها: أنَّه كتابٌ قَيِّم على الكتب المتقدِّمة، مُصَدِّق لها، شاهدٌ على أنَّها مِن عند الله، ومُنَبِّه على ما طرأ عليها مِن الزيادة والنقصان، والتغيير والتحريف([14])، وفي ذلك مِن معنى الإصلاح والقيام على الشيء ما لا يخفى.

فهذا الكتاب العظيم قيِّمٌ مستقيمٌ، معتدلٌ لا عِوَج فيه ولا شطط، ولا خلل ولا دخل، يَهدي للتي هي أقوم، وإلى صراط مستقيم، وإلى سعادة الدُّنيا والآخرة؛ فحريّ بك أيها العبد أنْ تنضوي تحت سلطانه، وأنْ تنصاع لأوامره، وأنْ تستجيب لنداءاته؛ فإنّه نِعْمَ القيِّم على الإنسان بما يصلحه.

وليعلم العبد أنّه إذا انحرف عن هذا الكتاب العظيم؛ فلن يضرّ إلا نفسه، ولن يجني مِن وراء ذلك إلا الضلال وفساد الأمور وعدم انتظامها؛ ولعل هذا هو السِّرُّ في إتْباع هذا النعت {قَيِّمًا}، بقوله تعالى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ}، أَيْ: مِن خَالِقِه لِمَنْ خَالَفَهُ، وَكَذَّبَهُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ؛ يُنْذِرُهُ بَأْسًا شَدِيدًا، عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا وَآجِلَةً فِي الْآخِرَةِ. وفي المقابل؛ فإنّ مَن رضي بهذا الكتاب قَيِّمًا، وبه هادِيًا، ولم يتّخذ عن سبيله سبيلا مغايرا؛ فإنّه سيكون له بشرى في الدنيا والآخرة {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ: بِهَذَا الْقُرْآنِ الَّذِينَ صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} أَيْ: مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ جَمِيلَةً.

ومِن لطيف الجمع بين الآيات ووجوه معانيها، ما جاء عن ابن زيدٍ في قَوْلِهِ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] قَالَ: لِلَّتِي هِيَ أَصَوْبُ: هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الْحَقُّ، قَالَ: وَالْمُخَالِفُ هُوَ الْبَاطِلُ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: 3] قَالَ: فِيهَا الْحَقُّ لَيْسَ فِيهَا عِوَجٌ، وَقَرَأَ {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا} [الكهف: 1-2] يَقُولُ: قَيِّمًا مُسْتَقِيمًا.([15])

نفعني الله وإياكم بهذا القرآن العظيم

***

([1]) رواه البخاري (7385).

([2]) رواه مسلم (769).

([3]) النهاية لابن الأثير (4/134).

([4]) تاج العروس (33/319).

([5]) انظر: الصحاح (1/331). وقال الراغب في المفردات (ص592): “العَوَج، يقال: فيما يُدرَك بالبصر سهلا؛ كالخشب المنتصب ونحوه. والعِوَج، يقال: فيما يُدرَك بالفِكر والبصيرة”.

([6]) انظر: تفسير الزمخشري (2/702).

([7]) التفسير الوسيط للواحدي (4/539).

([8]) تفسير الرازي (2/263).

([9]) انظر: روح المعاني (8/192).

([10]) سابق (15/429).

([11]) انظر: الدر المصون (11/70).

([12]) إعراب القرآن للنحاس (5/273).

([13]) تفسير الطبري (11/443).

([14]) انظر: الزمخشري (2/702)، حاشية شيخ زادة على البيضاوي (5/444).

([15]) تفسير الطبري (14/511).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل