نعوت القرآن الكريم - 12 - صدق - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (12)

صِدْق

القرآن الكريم أصدق الكلام: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122]، وحديثه أصدق الحديث: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87]؛ ولئن احتاج أحدٌ مِن المخلوقين للكذب فنزل إليه؛ فإنّ الله تعالى منزه عنه؛ “وَذَلِكَ أَنَّ الْكَاذِبَ إِنَّمَا يَكْذِبُ لِيَجْتَلِبَ بِكَذِبِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، أَوْ يَدْفَعَ بِهِ عَنْهَا ضُرًّا، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَالِقُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ؛ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَذِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُوهُ إِلَى اجْتِلَابِ نَفْعٍ إِلَى نَفْسِهِ، أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهَا داع”.([1])

والصدق؛ مأخوذ مِن الصّلابة والقوّة في الشيء قولًا كان أو غيره؛ وسُمِّي الصِّدق به لِمَا له مِن قُوَّةٍ في نفسِه، بخلاف الكذب الذي لا قُوَّة له.([2])

والفرق بين الصِّدق والحقّ؛ “أنَّ الحقَّ أعمّ؛ لأنّه وقوع الشيء في موقعه الذي هو أَوْلَى به، والصِّدق: الإخبار عنِ الشيء على ما هو به، والحقّ يكون إخبارًا وغير إخبار”.([3])

وجاء نعْت القرآن الكريم بـ “الصدق” في قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115]، يعني صادقةً عادلةً. وأطلق على مجموع القرآن الكريم “كلمة”، على ما هو جارٍ في لسان العرب مِن تسمية اللفظة المُفْهِمَة كلمة، والقِصَّة كلمة، والقصيدة مِن الشِّعر كلمة.

وكذلك جاء هذا النعت المبارك في قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ} [الزمر: 32-33].

وفي إشارة إلى صدق القرآن الكريم، يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 87، 88]؛ أي: خبر صِدْق القرآن.([4])  والأخبار والشواهد والدلائل على صِدْق القرآن لا تحصى، وسيأتيك -بإذن الله- طرفٌ منها.

أمّا نعْت الصدق الذي تحلَّى به القرآن الكريم، فلم يقف عند كونه صادقًا في نفسه، بل امتدَّ إلى كونه مُصَدِّقًا لِما بين يديه، يعني لِما قبله مِن الكتب السماوية؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [يونس: 37]، وقوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 92]، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 48]، وقوله تعالى مخاطبا نبيّه r: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [آل عمران: 3]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [النساء: 47]، وقوله: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ} [الأحقاف: 12]، وقوله تعالى حاكيًا عن الجن: {قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأحقاف: 30]، إلى آخر هذه الآيات.

وممّا جرى مجرى هذه الآيات ما جاء عن النجاشي بعْد أنْ قُرِئَ عليه القرآن، فعَلِمَ صِدْقَه وتصديقه، فقال قولته السّائرة: “إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ”.([5])

وصفة التصديق تقتضي تصديق ما هو صادق بالفِعْل، وهذا يقتضي التمييز بين المقول الصادق والمقول المفترَى؛ لذا كان القرآن الكريم المعيار والأنموذج المطلق في الصدق الذي يمكن ردّ جميع المقولات الدينية إليه؛ لتتميَّز المقولات الصادقة مِن الكاذبة، ويُفْرَز الصحيح الثابت مِن الذي طرأ عليه الكذب أو التبديل والتغيير. وهذا كان شأن القرآن الكريم مع الكتب التي سبقته؛ حيث زيَّف الباطل منها، وبيَّن أنّ هذه الكتب اعتراها التبديل والتحريف، وأنه قد تناولها أتباعها بالكتابة بأيديهم فزادوا فيها ونقصوا، وأظهروا منها وكتموا؛ فكان القرآن الكريم هو آية الصدق التي يُرجَع إليها لامتحان الصادق مِن غيره؛ وفي ذلك:

قوله تعالى في يهود بني إسرائيل الذين حرّفوا كتابهم: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].

وقال في شأن أهل الكتاب وبيان ما كتموه وأخفوه مِن كتابهم: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: 15].

وقال عزَّ مِن قائل: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} [آل عمران: 93 – 95]؛ وهذا ردٌّ على اليهود بزعمهم الباطل: أنَّ النسخَ غير جائز، فكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة بالتحليل والتحريم، فمِن تمام الإنصاف في المجادلة: إلزامهم بما في كتابهم التوراة مِن أنّ جميع أنواع الأطعمة محلّلة لبني إسرائيل {إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ} وهو يعقوب عليه السلام {عَلَى نَفْسِهِ} أي: من غير تحريم من الله تعالى، بل حرمه على نفسه لما أصابه عرق النسا نذر لئن شفاه الله تعالى ليحرّمن أحبّ الأطعمة عليه، فحرّم فيما يذكرون لحوم الإبل وألبانها وتبعه بنوه على ذلك، وكان ذلك قبل نزول التوراة، ثم نزل في التوراة أشياء من المحرمات غير ما حرم إسرائيل مما كان حلالا لهم طيبا، كما قال تعالى {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] وأمر الله رسوله إن أنكروا ذلك أن يأمرهم بإحضار التوراة، فاستمروا بعد هذا على الظلم والعناد، فلهذا قال تعالى {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه، فيمتنع من ذلك عنادًا وتكبُّرًا وتجبُّرًا، وهذا مِن أعظم الأدلّة على صحّة نبوّة نبيّنا محمّدٍ صلَّى الله عليه وسلم وقيام الآيات البينات المتنوّعات على صدقه وصدق مَن نبّأه وأخبره بما أخبره به مِن الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له بها؛ فلهذا قال تعالى {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ} أي: فيما أخبر به وحكم، وهذا أمر مِن الله لرسوله ولمن يتبعه أنْ يقولوا بألسنتهم: {صَدَقَ الله}، معتقدين بذلك في قلوبهم عن أدلة يقينية، مقيمين هذه الشهادة على من أنكرها، ومن هنا تعلم أن أعظم الناس تصديقا لله أعظمهم علما ويقينا بالأدلة التفصيلية السمعية والعقلية.([6])

وشواهد صِدق القرآن الكريم أكثر مِن أنْ تُحصى، وأغزر مِن أن تحصر، كيف وكل آية شاهد مِن شواهد صدقه، وأنّه جارٍ في كل كلمة من كلماته، وحرف من حروفه، على سنن الائتلاف والانتظام الموجِبان والمقتضيان لصدقه؛ ومِن هذه الشواهد:

أولًا: الإخبار بغيب المستقبل مِن الحوادث:

ونضرب لذلك مثالَيْن:

المثال الأوّل: 

إخبار القرآن الكريم عن عجز العرب الفصحاء البلغاء أنْ يأتوا بمثل القرآن الذي نزل بلسانهم، أو يأتوا بشيء مِن مثله في نظمه وتراكيبه وصوره ومعانيه، وأخبر أنّهم لن يفعلوا، ولن يستطيعوا أنْ يأتوا بمثل ذلك، فبان عجزُهم شاهدًا إلى يوم القيامة على صدق القرآن، وإذا لم يستطع العرب الخُلَّص أصحاب اللسان والعارضة القيام بعبء هذا التحدي، فكيف بمَن أتى بعدهم، فإنّه أَوْلَى أنْ لا يقوم به، فظهر صِدْق القرآن الكريم مطلقًا: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23، 24].

المثال الثاني:

قوله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 1 – 5]، عَنْ نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: “لَمَّا نَزَلَتْ {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 2]  كَانَتْ فَارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَاهِرِينَ لِلرُّومِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ}، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فَارِس؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا إِيمَانٍ بِبَعْثٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ  فِي بِضْعِ سِنِينَ}، قَالَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَبِي بَكْرٍ: فَذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، زَعَمَ صَاحِبُكَ أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، أَفَلَا نُرَاهِنُكَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: بَلَى، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ، فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ وَالمُشْرِكُونَ وَتَوَاضَعُوا الرِّهَانَ، وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: كَمْ تَجْعَلُ البِضْعُ ثَلَاثُ سِنِينَ إِلَى تِسْعِ سِنِينَ، فَسَمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَسَطًا تَنْتَهِي إِلَيْهِ، قَالَ: فَسَمَّوْا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ، قَالَ: فَمَضَتِ السِّتُّ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرُوا، فَأَخَذَ المُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَعَابَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، قَالَ: وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ“.([7]) وهكذا كان الصِّدْق الذي تحلَّى به القرآن الكريم مِن أعظم أسباب استمالة غير المسلمين إلى الإسلام.

ثانيًا: الإخبار بغيب النفوس: 

وما انطوت عليه مِن أمور اجتهدت في إخفائها وكتمها، وفي ذلك قول الحقّ تبارك وتعالى في المنافقين: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [محمد: 29]؛ يعني ما في نفوسهم مِن الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره؛ يقول: أيعتقد المنافقون أنّ الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضِّح أمرهم ويجلِّيه حتى يفهمه ذوو البصائر، وقد أنزل تعالى في ذلك سورة “براءة“، فبيَّن فيها فضائحهم، وما يعتمدونه مِن الأفعال الدالّة على نفاقهم؛ ولهذا إنما كانت تسمَّى الفاضحة([8])؛ وممّا جاء فيها قول الحقّ سبحانه: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64]، “صرَّح في هذه الآية الكريمة بأنَّ المنافقين يحذرون أنْ يُنَزِّلَ اللهُ سورةً تفضحهم، وتُبيِّن ما تنطوي عليه ضمائرهم مِن الخبث، ثم بيَّن أنّه مُخْرِجٌ ما كانوا يحذرونه.. وبيَّن في موضع آخَر شِدَّة خوفهم، وهو قوله: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4]”.([9])، قال ابنُ جرير: أي يحسب هؤلاء المنافقون؛ مِن خُبثهم، وسُوء ظنِّهم، وقلَّة يقينهم، كلَّ صيحةٍ عليهم؛ لأنَّهم على وجَلٍ أنْ يُنَزِّلَ اللهُ فيهم أمرًا يهتكُ به أستارَهم، ويفضحُهم.([10])

والكتاب الذي لا يكذب على ما في بواطن النفوس ولا يقول إلا ما هي عليه في واقع أمرها، حريّ أنْ لا يكذب في ظواهر الأحوال البادية للعِيان؛ لذلك فإنّ القرآن عندما أخبر عن أهل الكتاب أنهم كانوا يعرفون نبيّنا صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، فهذه حقيقةٌ لا يستطيعون إنكارها، وصِدْقٌ لا يملكون ردّه إلا بجحده؛ لذلك قال تعالى في هذا: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُون} [الأنعام: 20، 21].

ثالثًا: ائتلاف النَّظم القرآنيّ، واتّساق معانيه ومقاصده وغاياته: 

بحيث لا يوجَد فيه تفاوت في جمال وبديع تراكيبه وصوره، كما لا يوجَد فيه شيء مِن التناقض أو الاختلاف في المعاني، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وإنْ شئت أنْ تتعرَّف على ذلك وتتأمّل فيه، وتستخرجه بقوّة البحث والنظر، فدونك القرآن الكريم، اقرأ ما بين دفّتيه، وتدبَّر في معانيه، وافهم ألفاظه، وما ترمي إليه، ثم خُذ قضيّة مِن قضاياه التي أثارها، وانظر وتأمّل في تفاصيلها ومقاصدها وأحكامها وغاياتها؛ هل ترى اختلافًا أو تناقضًا في هذه القضيّة، أم ترى توافقًا وانسجامًا؟ أمّا أهل العلم؛ فلا يرون اختلافًا البتّة؛ وأمّا أهل الجهالة والبغي، فأيسر شيء عندهم الدعوى العريّة عن البرهان، وردّ الصدق بمجرّد الأهواء والمفتريات.

رابعًا: كثرة الفنون والموضوعات القرآنية:

ممّا يدهش العقل تعدُّد الفنون التي تعرَّض لها القرآن الكريم، فضلًا عن تداخلها في سياقٍ تلتقي يُناوِلُ  بعضها لبعض، ويُوصِل بعضها ببعض؛ فينتقل مِن تقرير التوحيد إلى الاستدلال له بخلق السماوات والأرض وخَلق الإنسان؛ لينتقل بالتذكير بحقوق الخالق مِن توحيده وعدم إشراكه في العبادة، إلى تقرير الأحكام الشرعية، إلى مفاتشة النفس الإنسانية، وتهذيبها وتذكيرها وتربيتها، وهلمّ جرا في سياقات تداخليّة مدهشة، وجميع ذلك في إحكامٍ وصنعة لا تضاهَى ولا تبارى، مع صِدق في جميع المعلومات التي لا يعتريها أدنى شك. والقرآنَ كتابٌ مفتوح يتناوله العلماء مِن جميع الأطياف ومِن جميع الفنون؛ الأدبيّة والشرعيّة والاجتماعية والتجريبيّة .. إلخ؛ فما مِن علمٍ تناوله القرآن الكريم بالبحث والتقرير، إلّا وظهر صِدق القرآن الكريم، وأنّه لم يُلْقَ الكلام فيه على عواهنه، وإنّما ألقاه إلقاء الصادق الذي لا يصدر عن ريب أو شك في أي حرف من حروفه أو معنًى مِن معانيه، وإنما يصدر عن صدق مطلق، ويقين راسخ لا يتزحزح قِيْدَ أُنْمُلَة. وليس هذا مجال تعداد هذه الفنون التي تناولها القرآن الكريم، وتجلية ما احتوته عليه مِن أمور صادقة مُدهِشة، ولكن بحسب القارئ أنْ يطالع البحوث المتصلة بما ذكره القرآن سواء في علوم الجيولوجيا أو الإنسان أو الفلك وعلوم الاجتماع والسياسة والعلاقات الدولية؛ ليَرى صِدق هذه الحقيقة، ويُبصِر أنّ ذلك مِن آياتِ أنّه مِن عند الله، وأنّ كُلَّ ما فيه مِن  حقائق جاءت مِن لدن العليم الخبير، وحينئذ ينكشف له وجه خاص في فهم قوله تعالى في شأن المكذِّبين: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53]، يعني: سنريهم دلالات صِدْق القرآن، وعلامات كونه مِن عند الله في الآفاق وفي أنفسهم”([11])، وهذا الخطاب وإنْ كان في مشركي العربي ابتداءً، إلا أنّه لا يزال تذكرةً لكل مكذِّب يرى آلاء الله وآياته في خَلقه وفي نفسه متوافقة مع ما جاء في كتاب الله تعالى، ثم يعرض عنها، ويكذّب بها..([12])

اللهمّ اجعلنا لساننا بالصدق جاريا

وصلّ اللهمّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم

***

([1]) تفسير الطبري (7/280). يقول “وهيري” (whreey) في تفسيره للقرآن (1/249): “إنّ القرآن أبعد الصحف القديمة بالإطلاق عن الخلط والإلحاق، وأكثرها صحّة وأصالة”. ويقول لين بول (Lane Poole): “إنّ أكثر ما يمتاز به القرآن أنّه لم يتطرَّق شكٌّ إلى أصالته؛ إنّ كلَّ حرفٍ نقرأه اليوم، إنّه لم يشك أحد بجديّة في جوهر صدقة”.اهـ. “صورتان متضادتان” لأبي الحسن الندوي، (ص72).

([2]) انظر: مقاييس اللغة؛ مادة: “صدق”، كذب”.

([3]) الفروق اللغوية للعسكري (ص48).

([4]) زاد المسير (3/ 583). وانظر: تفسير الطبري (20/ 150 – 151).

([5]) رواه أحمد (1740، 22498).

([6]) تفسير السعدي (ص 138).

([7]) رواه الترمذي (3194) وقال: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ“.

([8]) تفسير ابن كثير (7/321).

([9]) أضواء البيان (2/145).

([10]) تفسير الطبري (22/653).

([11]) تفسير الشوكاني (4/599).

([12]) ويراجع كتاب: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، للطبيب الفرنسي موريس بوكاي.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل