نعوت القرآن الكريم - 11 - هدى - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (11)

هُدَى

أرأيت تائهًا في صحراء واسعة لا يصل نظره إلى شيء مِن آخرها، ويكاد يهلك إلّا أنْ يأتيه دالٌّ خِرِّيت بصير؛ فيهديه إلى طريقه، ويُبصِّره بمورد نجاته؛ إنّه القرآن الكريم، بل أعظم مِن ذلك؛ ذلك أنّ الدالّ في الصحراء يستنقذ الرُّوح الجسمانيّة التي تسكن الجسم فتحفظ عليه حياته الماديّة، بينما القرآن بهدايته ودلالته الموصّلة إلى البغية الراشدة، يستنقذ روح العبد التي هي سر الحياة ولبها وأحلى ثمارها. إنّه هُدى الله الذي يسري في الروح الجسمانيّة، فيحيلها إلى روح نورانيّة شفّافة، ترى بنور الله، وتسعى في الكَون على هُدًى مِن الله، ترجو مرضاته؛ وهذه هي الروح التي يُمَثِّل استنقاذها الاستنقاذ الحقيقيّ المؤدِّي إلى سعادتها في العاجل والآجل، بينما استنقاذ الروح الجسمانية إنْ لم تكن مؤمنة، فإنّه يتّصِل بالعالَمِ الآجل الحاضر الذي لا يلبث أنْ يتبدَّد، ثم تسكن الروح في سجنها الذي لا تخرج منه أبدها.

و”الهُدَى” أصله التوفيق والرشاد، والدلالة الكاملة الموصِّلة إلى البغية التي لا اعوجاج فيها، يقال: هَدَيْتُ فُلَانًا الطَّرِيقَ، إِذَا أَرْشَدْتُهُ إِلَيْهِ، وَدَلَلْتُهُ عَلَيْهِ، وَبَيَّنْتُهُ لَهُ، أَهَدِيهِ هُدًى وَهِدَايَةً؛ وهو بخلاف الضلالة التي تحرف عن السبيل، وتقطع صاحبها عن بلوغ المقصد الراشد، والمتجر الرابح، قال اللَّه تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] ولمّا كان الهُدى تحصل به الدلالة والإرشاد أطلقته العرب اسمًا مِن أسماء النّهار، قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

“حَتَى اسْتَبَنْتُ الْهُدَى …”؛ يريدأضاء لي النهار.([1])

وكلّ متقدِّم للإرشاد، فهو هادٍ؛ وَمِن ذلك إطلاق “الْهَادِيَة” على “الْعَصَا”؛ لِأَنَّهَا تَتَقَدَّمُ مُمْسِكَهَا كَأَنَّهَا تُرْشِدُهُ.

ومِن هذا الوجه نعت القرآن الكريم بأنّه هُدَى؛ لأنّه يتقدَّم المؤمنين به؛ فيرشدهم إلى مسالك الرّشاد، وطُرق الفلاح، ومعالم الخير، ويَزجُرهم عن مسالك الضلالة، وطرق الغواية، كما يُرشِد النّاس كافّة ويُنبّههم إلى ما يصلح أمورهم، ويبصّرهم بدلائل الحقّ ليلتمسوها، ودلائل الباطل ليجتنبوها، ثم السعيد مَن أجاب، والشقيّ مَن أعرض وعاند. وهذا هو حقيقة الْهُدَى الشَّرْعِيُّ.

وقد جاء في مواضع كثيرة مِن كتاب ربِّنا عزّ وجلّ نعْت القرآن الكريم بأنّه “هُدى“، وهو مِن جنس النَّعْت بالمصدر، ووضْعٌ له موضع الوصف الذي هو “هاد“. وتَنْزِيلُ الْمَصْدَرِ مَنْزِلَةَ النَّعْت؛ إِمَّا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَإِمَّا عَلَى الْمُبَالَغَةِ؛ وَعَلَى الْأَوَّلِ، فَالْمَعْنَى: “هَذَا الْقُرْآنُ ذُو هُدًى”، أَيْ: يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ الْهُدَى لِمَنِ اتَّبَعَهُ، كَقَوْلِهِ تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، وَعَلَى الثَّانِي، فالمراد المبالغة فِي اتِّصافِ القُرآنِ بالْهُدَى حتَّى أُطْلِقَ عليه أَنَّهُ هُوَ نَفْسُ الْهُدَى.([2])

والآيات التي تردَّد فيها نعْتُ القرآن الكريم بكونه هُدى، جاءت في سياقات يدلّ كل واحد منها على الشروط الواجب توافرها في الكتاب ليكون هاديًا؛ فإنّ الكتاب لا يكون كذلك إلّا إذا كان هُدًى في نفسه، ولا يكون هُدًى في نفسه إلّا بمجموع جملة مِن المعاني:

أوّلها: فَهْمُ خِطَاب الهادي:

لمّا كانت الهداية لا تحصل إلّا بفهم الخطاب الوارد عليها ليدلّها على مواضع الهداية، فقد نزل القرآن الكريم بلسان المنزل فيهم؛ ليعقلوه ولا يكون لهم حُجّة في عدم فهمه، قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]؛ وفي هذه الآية الكريمة: يخبر تعالى عن فضله وكرمه؛ حيث أنزل كتابًا عربيًّا على الرسول العربيِّ بلسان قومه؛ ليبيِّن لهم، وهذا مما يوجِب لهم زيادة الاعتناء به، والتلقي له والتسليم، وأنه لو جعله قرآنا أعجميًا، بلغة غير العرب، لاعترض، المكذبون وقالوا: {لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أي: هلا بينت آياته، ووضّحت وفسرت؛ {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} أي: كيف يكون محمد عربيًا، والكتاب أعجمي؟ هذا لا يكون؛ فنفى الله تعالى كل أمر يكون فيه شبهة لأهل الباطل عن كتابه، ووصفه بكل وصف، يوجب لهم الانقياد، ولكن المؤمنون الموفّقون انتفعوا به وارتفعوا، وغيرهم بالعكس مِن أحوالهم؛ ولهذا قال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} أي: يهديهم لطريق الرشد والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به تحصل الهداية التامّة.([3])

ثانيها: تربية النفوس:

القرآن الكريم كتاب هداية وتربية إذا اختلطت المفاهيم، فيكون الدّالّ والمرشِد لِما فيه الصواب والحكمة؛ وكتاب تسلية إذا اضطربت النفوس؛ فيكون لها الطمأنينة والسكينة التي تنزل على الفؤاد فترطّبه وتسكّنه: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102].

ثالثها: اليقين: 

وذلك في صحّة ألفاظه، وصواب معانيه، دون وقوع شكّ يعتريه في ذلك، وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1-2]؛ ولذا جعل سبحانه هُداه هو الهدى، دون غيره مِن نتاج الأفكار البشرية وأهوائها المزايلة لنور الوحي: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]، وقال: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].

وممّا يلفت الانتباه أنّ فاتحة الكتاب الكريم جاء فيها النصّ على الهداية وما يقابلها من الضلالة، وذلك في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6، 7]. ولمّا كان السؤال المتبادَر إلى الذهن: كيف السبيل إلى تبيُّن الصراط المستقيم وتمييزه عمّا يقابله من صراط المغضوب عليهم والضّالّين؟ فجاء الجواب عن قُرْب في مطلع سورة البقرة التي تلي الفاتحة مباشرة في ترتيب المصحف، وذلك فيه قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى}.([4])

رابعها: اشتمال الكتاب على البيِّنات والحُجج والبراهين المفصِّلة لوجوه الصواب، المزيلة لكل خلاف:

والقرآن الكريم هو الكتاب الهادي؛ الحاوي لكل هدى، الحائز لكل مَعْلَمٍ مِن معالم الاستقامة التي تدلّ المهتدين وتصلهم بربِّهم مِن أقرب طريقٍ وأيسره وأصحّه؛ وذلك لِما اشتمل عليه مِن الدلائل الواضحات، والحجج البيِّنات، التي تَفْصِلُ بين الناس فيما اختلفوا فيه من المعاني؛ وفي هذا جملة مِن الآيات منها:

قوله جلّ شأنُه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]. ويُلاحَظ في هذه الآية الكريمة تكرار الهدى تنويهًا بأمـره، وتأكيدًا لمعنى الهداية.([5])

وقوله عزَّ مِن قائل: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 203]؛ والبصائر هي الحُجج والبيِّنات.

وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى..} [النمل: 76 – 77]، “وهذا خبر عن هيمنة القرآن على الكتب السابقة وتفصيله وتوضيحه لِمَا كان فيها قد وقع فيه اشتباه واختلاف عند بني إسرائيل، فقصَّه هذا القرآن قصًّا زال به الإشكال، وبيَّن به الصواب مِن المسائل المختلف فيها. وإذا كان بهذه المثابة مِن الجلالة والوضوح، وإزالة كل خلاف، وفَصْل كل مُشكل؛ كان أعظم نعم الله على العباد”.([6])

والقرآن الكريم لا يقتصر في المسائل الكبار على الإشارات اليسيرة أو الردود المجملة التي تُورِث في النفس اضطرابا وتشويشا؛ وإنّما يذكر الحُجج تلو الحجج، بيِّنةً مُفصَّلة؛ ليهلك مَن هلك عن بيّنة، وتحيا القلوب التي أراد الله حياتها بعلمه وحكمته حيَّةً بالبيان الواضح المزيح لكل شبهة، المزيل لكل حسكة؛ ليأخذ بقلوب المهتدين ليضعها على طريق السداد والاستقامة، وفي هذا المعنى قوله عزَّت قُدرته: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]، وقوله: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52]، وقوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]، وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعيُّ رحمه الله: “فليست تَنزِلُ بأحدٍ مِن أهل دِينِ الله نازلةٌ، إلّا وفي كتاب الله الدَّليلُ على سبيل الهُدَى فيها“.([7])

وممّا يدلّ كذلك على هداية القرآن لجميع مصالح الإنسان، قوله تعالى:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى}،وفيه حذف المعمول، فلم يقل: هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني؛ لإرادة العموم، وأنّه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم.([8])

ولوفور هذا المعنى في القرآن الكريم، نجد أنّ الموفّقين للهداية عندما يستمعون للخطاب القرآني وبيانه، لا يسعهم إلا الإيمان به، كما كان من الجنّ الذين حكى الله عزّ وجلّ قولهم: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} [الجن: 13]. فهؤلاء الجنّ لمّا سمعوا القرآن فَطِنوا إلى أنّه كتابُ هُدًى، فحريٌّ بك أيُّها العبد الموكَل به تدبُّر هذا الكتاب والتفكُّر في معانيه، أنْ تصل إلى هذه النتيجة التي هُدِيَ إليها الجنّ بمجرّد سماعهم لبيان هذا الكتاب العظيم.

سؤال:

هل الهداية القرآنية التي جعلها الله للناس كافّة، هي ذات الهداية التي اختَصَّ الله بها المؤمنين؟

والجواب:

أنّ الله تبارك وتعالى بسط هداية القرآن للناس كافّة، كما في قوله سبحانه: {هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة: 185]، كما قصرها على المؤمنين في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 203]، وقوله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]؛ وجملة القول أنّ الهداية تنقسم إلى نوعين:

النوع الأولهداية التوفيق والانتفاع، وهي الهداية الخاصّة المقصورة على المؤمنين.

النوع الثانيهداية البيان، وهي الهداية المبسوطة للنّاس كافّة.

وهاتان الهدايتان، أشار إليهما الحسن في قوله: الحسن: “هَذَا الْقُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ بَيَانًا لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خُصُوصًا“.([9])

وتقرير ذلك أنْ يقال:

إنّ القرآن في نفسه هُدًى لجميع الخلق؛ إذْ يشتمل على الدلائل الموصِّلة إلى الرشاد، والمعالم النورانيّة المؤدِّية إلى الفلاح، ولكنّ هذه الدلائل وتلك المعالم مَن آمن بها، وصدّقها، واقتبس مِن أنوارها، والتزمها وامتثلها في نفسه وفي طريقه إلى الله، كانت له عونًا ونفعًا، وسدادًا وتوفيقًا، إلى بلوغ الغاية التي لا اعوجاج فيها، وأصاب من وراء ذلك مرضاة ربّه، وسعادة أمره، وصلاح أحواله، وجنْي ثمار هذه الهداية القرآنية؛ وعلى ذلك، فأهل الإيمان هم الذين أصابوا هداية البيان وهداية التوفيق؛ بخلاف غيرهم الذين أصابتهم هداية البيان دون أنْ تُصبهم هداية التوفيق؛ فلم يؤمنوا بالقرآن، ولم يُقْبِلوا عليه، وإنّما أعرضوا عنه، وتنكّروا لدلائله، واستدبروا معالمه، ولم يرفعوا به رأسًا؛ فهؤلاء قد قامت عليهم به الحُجّة. وبين هؤلاء وهؤلاء؛ المُقبِل على الهداية، والنافر منها، يقول الحقّ تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].

ولمّا كان القرآن الكريم كتاب هداية؛ لاشتماله على المعاني المتقدِّمة؛ كان جديرًا بكل غاية قويمة يؤدِّي إليها؛ مِن ذلك أنّه {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 2]، و{إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30]، و{إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6]. وجماع ذلك كله أنّه: {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، وهو هدى مطلق يهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعملـه وسلوكه ونظامه.([10])

وثمرة هذا النعت المبارك:

أنْ يمتلئ جوف المؤمن إيمانًا ويقينًا بأنّ القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيّه وعبده محمد صلى الله عليه وسلم هو كتاب هُدى، وأنه هدى في نفسه، وهاد لغيره؛ فمَن اتبع هداه، واقتبس مِن أنواره، واستضاء بهداياته؛ أفلح ونجح، ومَن أعرض عنه، واستدبره، ولم يؤمن به، ولم يَقبل الهداية التي جاء بها، فإنّ ذلك ممّا يزيد المُعْرِض عمى، ويزيده ضلالة وغواية؛ إذْ أعرض بعدما استبانت له هداية البيان، فلم تصبه هداية التوفيق، وأعرض عن المعالم الواضحة، فتاهت به طرق الضلالة والغواية: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} [الشورى: 46، 47].

ونختم هذا النعت المبارك، بهذا الحديث المبارك؛  عَنْ أَبِي مُوسَى، أنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ”.([11])

وصلّ اللهم على عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم

***

([1]) المخصص (3/74).

([2]) انظر: تفسير الزمخشري (1/35 – 36)، التحرير والتنوير (1/225)، أضواء البيان (7/196).

([3]) تفسير السعدي (ص751).

([4]) وجاء في البرهان في علوم القرآن (1/38) في سياق بيان المناسبة بين سورتَي الفاتحة والبقرة؛ قال: كأنهم لما سألوا الهداية إلى {الصِّرَاط المُسْتَقِيم}، قيل لهم ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب”، يعني قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى}.

([5]) انظر: روح المعاني (2/61).

([6]) تفسير السعدي (ص609).

([7]) الرسالة (ص20).

([8]) تفسير السعدي (ص40).

([9]) تفسير الطبري (6/74).

([10]) في ظلال القرآن (4/2215) باختصار.

([11]) رواه البخاري (79) ومسلم 15 – (2282).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل