نعوت القرآن الكريم - 6 - موعظة- د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (6)

موعظة

الموعظة ضرب من ضروب التخويف والتذكير، يُراد بها حمْل القلوب على معاني الخير، وزجرها عن معاني الشر، وردّها عن أودية الباطل ومعاطن الضلال، والعود بها إلى مرابع الإيمان وساحات التقوى وظلال الاستقامة.

ولمّا كانت الغاية من إنزال الكتب، وإرسال الرُّسُل، صرْف القلوب إلى باريها، وتحبيبه إليها، وحَجزها عمّا يضرّها في دِينها ودنياها؛ فقد سمّى الله كُتبه “موعظةً“، ونعتها بهذا النعت الشريف، وجعل رُسله مرسَلين بها؛ فقال عزَّ مِن قائل عن نبيّه موسى عليه السلام: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً} [الأعراف: 145]، وقال في عيسى عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46]، وقال تعالى في وصْف القرآن المنزَّل على نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [يونس: 57].

أمّا القرآن الكريم؛ فإنّه وُصِفَ بكونه “موعظة“؛ لاشتماله على ضروب النُّصح والتذكير، وألوان الترغيب والترهيب، وصروف الزواجـر والتخويف؛ ممّا تَلِـين له القلـوب، وتقشعرّ منه الجلود، وتهتدي معه النفوس؛ آخذة هذه المواعظ والرِّقاق بقلب العبد المـؤمن لتستقيم به على طرق الهدى، وتجنّبه مسالك الردى، وتسوقه إلى جنة ربِّه؛ بخلاف الكافر الذي جُعِلَت المواعظ امتحانًا له، وحُجّةً عليه، وتمييزًا له عن المؤمنين الذين استجابوا لنداء الموعظة، ولبُّوا نداء الواعظ؛ فاستسلموا لله وحده، وأعرضوا عمّا سواه ممّا ينافره أو ينازعه..

وقد جاء هذا النَّعْت المبارَك للقرآن الكريم في مواضع عدّة مِن كتاب ربّنا تبارك وتعالى؛ منها:

  1. قول الحقّ سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [يونس: 57].
  2. وقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور: 34].
  3. وقوله: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ} السورة مع ما جاءك في سائر سور القرآن {الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].
  4. وقوله: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138].
  5. وقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} يعني: القرآن {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] يعني: مواعظ القرآن.

ويُلاحَظ في الآيات السابقة:

أنّ الله عزّ وجلّ دعا كتابَه بكونه “موعظة” بصيغة التنكير؛ ليسبغ هذا الوصف بكل صوره ودلالاته على هذا الكتاب العظيم؛ وفي هذا تفخيم وتبجيل لشأن هذه الموعظة مِن جهة، وليشير مِن جهة أخرى إلى أنّ كل ما حواه هذا الكتاب الكريم في حقيقة الأمر إنّما هو موعظة وتحريض على الخير، أو ترهيب وزجر عن الشرّ.

أمّا ما جاء في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، مِن تعريف “الموعظة“؛ فكأنّ الغرض منه العهد، فكأنّه يقول: أيّها الدعاة إلى سبيل ربّكم، استمسكوا بما عُهِدَ إليكم مِن مواعظ وعِبَر ممّا جاء في كتاب ربّكم. وقد يكون التعريف للجنس؛ فيكون المراد: أنّ القرآن الكريم كلّه كتاب عِظَة؛ فاتّخذوه سبيلًا للدعوة إلى ربّكم، وقصدًا تنفذون من خلاله إلى قلوب المدعوّين إليه؛ وبهذا تجتمع دلالة التنكير والتعريف.

كما يُلاحَظ أنّ الموعظة في بعض الآيات لم تقصر على المؤمنين أو المتّقين؛ وهذا صريح الآية الأولى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}؛ وقوله: {مِنْ رَبِّكُمْ} فيه إشعار بهذا العموم؛ إذْ الربوبيّة تقتضي الخَلْقَ والإيجادَ والرزقَ والتدبير؛ وهذه المعاني ينضوي تحتها جميع الخلق؛ مؤمنهم وكافرهم. وكذلك الآية الخامسة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}؛ فإنّ  الدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ليست مقصورة على المؤمنين، بل إنّها تتّسع لتشمل الخلقَ كافّة.

وهكذا يتقرَّر:

أنّ القرآنَ الكريم موعظة للنّاس أجمعين، ومأدبة كريمة يُدعَى للنهل منها الكافّة دون تمييز؛ أمّا ما وقع مِن تخصيص الموعظة في بعض الآيات بالمؤمنين؛ فالمراد من ذلك التنبيه إلى أمرٍ شريف، وهو أنّ الناس يتفاوتون في الانتفاع بهذه الموعظة؛ فمنهم مَن ينهل منها وينتفع بها، وتترجَم واقعًا حيًّا في حياته؛ فينتفع بها في زيادة إيمانه، والوقوف عند حدود الله، والانصراف عن محارمه سبحانه، وهؤلاء هم أهل الإيمان الذين آمنوا بالله ربّا، وبمحمّد صلى الله عليه وسلم نبيّا ورسولًا، واتّخذوا هذا القرآن نهجًا وسبيلًا؛ أمّا أهل الكفر والنفاق؛ فإنّهم قد ينهلون من القرآن نهلا ظاهرا؛ فيستمعون إليه بآذانهم، ولكنه لا ينفذ إلى قلوبهم وأعماق نفوسهم، فلا ينتفعون به، ولا يترجَم واقعا في حياتهم؛ فيكون حُجَّة عليهم بالاستماع إليه ثم الإعراض عنه. وهذه المفارقة بين انتفاع أهل الإيمان بالموعظة القرآنية، وإعراض أهل الكفران عنها، يُجلّيه قول الحقّ سبحانه: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: يتعظون به، فيرتدعون عن الأمور المكروهة، ويتذكّرون الأمور المحبوبة لله فيفعلونها. وأمّا مَن ليس مِن أهل الإيمان، فلا تنفعهم المواعظ، وأنواع التذكير؛ ولهذا قال: {وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} بعد ما قامت عليهم الآيات: {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: حالتكم التي أنتم عليها {إِنَّا عَامِلُونَ} [هود: 120، 121]  على ما كنّا عليه.([1]كما يُجلِّي هذه المفارقة في الانتفاع بالموعظة القرآنية، قول الحقّ تبارك وتعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ }[محمد: 16، 17].

فظهر بهذا أنّ الوعظ بالقرآن، والتذكير به، لا يُقْتَصَر به على المؤمنين، إنّما يمتدّ للكافّة، أمّا وقوع النفع به، فهو بالدرجة الأولى حاصلٌ للمؤمنين به المتقين لله عزّ وجل بلزوم أوامره واجتناب نواهيه، وبالدرجة الثانية لمَن أراد الله لهم الهداية بهذه الموعظة؛ لذا ندبنا سبحانه أنْ نتلوا القرآن، وأنْ نُذكِّر به؛ إقامةً للحُجّة، ومعذرةً إلى الله تعالى، ورجاءً في هداية الخَلق واستجابتهم للحقّ: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164]. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنّه قَامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: “إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُونَهُ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ“.([2])

والموعظة بحسب الواعظ تنقسم إلى أنواع أعلاها أنْ يكون الواعظ هو الله تعالى، كما في الموعظة القرآنية: {مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}؛ وفائدة التنبيه إلى أنّ هذه الموعظة آتية مِنه تبارك وتعالى، وبكلامه وحروفه، وأمره ونهيه، وترغيبه وترهيبه، وبشارته ونذارته، وحثّه وزجره؛ أنْ يستشرف المتلقِّي هذه الموعظة، ويتلقّاها التلقّي الذي تستأهله، وأنْ يُنزلها منزلها اللائق بها، وأنْ يدير فيها فكره، وأنْ يُعْمِل فيها عقله، وأنْ يُعطِيها مِن نفسه لحظات يتأمَّل في أبعادها، ويغوص في الكشف عن دلالاتها وعواقبها؛ فإنّها موعظة من الخالق للمخلوق، ومن الرازق للمرزوق، ومِن الحيّ الذي لا يموت للحيّ الذي يموت؛ فإذا ما انتبه المتلقِّي إلى هذه المعاني؛ أعطَى قلبَه هذه الموعظة، وصرف آلة تأمُّله في نظرها، واستشراف مآلات الاستجابة لها أو الإعراض عنها. وفي حياتنا الدُّنيا تتعلَّق كثير من القلوب بالمخلوقين في أمور معاشهم وتدبير أمورهم، فإذا ما جاء التخويف مِن هذه الجهة لا يلبث المرء الذي تعلّق قلبه بغير الله أنْ يستجيب للتخويف ممَّن يظنّ أنّ رزقه بيده، خشية انقطاع هذا الرزق، والخالِق لا شكّ أولَى مِن هذا المخلوق المَخوف الذي لا يملك لنفسه بنفسه ضرًّا ولا نفعا.

أمّا قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231]، ففيه فائدتان أو تنبيهان:

أوّلهما: في قوله: {يَعِظُكُمْ} الوارد بصيغة المضارع المفيدة لمعنى التجدُّد والاستمرار، فليس القرآن موعظة قاصرة على زمن دون آخر، أو لفئة من الناس في وقت دون وقت آخر، وإنّما هو موعظة للعالمين، وفي كل زمان إلى قيام السّاعة.

ومِن إشارات هذا التجدُّد ورود وصف القرآن بأنّه موعظة في السُّوَر المكيّة، وهي: (يونس، هود، النحل)، وفي السُّوَر المدنيّة كذلك، وهي: (القرة، آل عمران، النور)، وفي هذا إشارة إلى حاجة القلب إلى الموعظة على تقلُّب زمانه، واختلاف أحواله.

ثانيهما: في قوله: {يَعِظُكُمْ بِهِ}، فلم يقل: “بهما” -إشارة إلى الكتاب المراد به القرآن والحكمة المراد بها السُّنّة-، وفي ذلك تنبيهٌ إلى أنّ القرآن الكريم أصل كل موعظة؛ أمّا السُّنّة النبويّة الكريمة؛ فإنّها تابعة للقرآن الكريم في هذا الشأن، فمنه تستمدّ أصول الموعظة، وجوامع الترغيب والترهيب.

وثمرة هذه الموعظة القرآنية؛ أنْ يتّخذ العبد مِن هذا الكتاب العظيم موئلًا لإصلاح قلبه، وإنعاش فؤاده؛ بما جاء فيه مِن صنوف العِبَر والتخويف والزجر، وضروب النِّذارة بأحوال الأمم التي خلت وما كان مِن أحوالها وعاقبة أمرها، والبشارة بأحوال المؤمنين الذي خلوا مِن قبل، الذين آمنوا بالله واستجابوا لأمره، واستشراف أحوال الآخرة وما فيه مِن الأهوال، وتمايز أهل الإيمان عن أهل الكفران، فريق في الجنّة وفريق في السّعير..

وعلى العبد أنْ يعلم أنّ هذا الكتاب العظيم كلّه موعظة، وأنّ هذه الموعظة لا تقتصر على آيات الرقاق وذِكْر الجنّة والنّار، بل إنّ هذا الكتاب بما يأمر به مِن التزام الحلال ومجانبة الحرام داخل بالضرورة في صميم الموعظة؛ لذا قال تعالى في آية تحريم الربا: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} يَعْنِي: التَّذْكِيرَ وَالتَّخْوِيفَ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِهِ فِي آيِ الْقُرْآنِ، وَأَوْعَدَهُمْ عَلَى أَكْلِهِمُ الرِّبَا مِنَ الْعِقَابِ([3]) {فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 275]، أَيْ: مَنْ بَلَغَهُ نَهْيُ اللَّهِ عَنِ الرِّبَا فَانْتَهَى حَالَ وُصُولِ الشَّرْعِ إِلَيْهِ، فَلَهُ مَا سَلَفَ مِنَ الْمُعَامَلَةِ؛ لِقَوْلِهِ: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [الْمَائِدَةِ: 95].([4])

فليعلم العبد:

أنّ هذا الكتاب الكريم موعظة حاثّة على كل خير، زاجرة عن كل شرّ، أمّارة بالمعروف، نهّاءة عن المنكر ومواقعة الحرام؛ وهذه الموعظة التي هذا شأنها، حريّ أنْ تُتلقَّى بالرضا والقبول والتسليم؛ لتحيا القلوب الحياة الطيبة التي رضيها الله تعالى لعباده المؤمنين، ولتنتعش الأرواح بنداءات هذه الموعظة القرآنية التي تطرب لها القلوب الليّنة، والأفئدة النديّة.

وصلّ اللهمّ على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم

***

([1]) تفسير السعدي (ص392).

([2]) رواه ابن ماجه (4005).

([3]) تفسير الطبري (5/44).

([4]) تفسير ابن كثير (1/709).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل