نعوت القرآن الكريم - 5 - شفاء - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم - شفاء

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (5) 

ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً وشفاءً، وأعظم الأدواء تلك التي تمكّنت مِن القلوب فحرفتها عن معرفة ربها، وأزاغتها عن الاستقامة على دينه، والقيام بشريعته؛ تلك الأدواء التي أصابت القلب في قوَّتَيْه العِلميّة والعَمليّة، وخلَّفت مِن ورائها قروحًا ونتاجًا غير حميد مِن ألوان الشَّهوات والشُّبهات.

ولم يجعل الله تعالى شفاء هذه القلوب السِّقام في غير القرآن الكريم؛ المُجْهِز على أصول أمراضها، المبدِّد لآثارها السيئة، ونتاجها النَّكِد؛ فبآياته يُغْسَل سويداء القلب، وتُنَقَّى دواخل الفؤاد، وما ألمّ به مِن انحرافات وانتكاسات وارتكاسات، حتى يعود به إلى عهده الأوّل مِن البياض والنقاء، والهدى والنور.

والشفاء اسم للبرء، وهو في أصله اللغوي يعني الْإِشْرَافَ عَلَى الشَّيْءِ، يُقَالُ: أَشَفَى عَلَى الشَّيْءِ إِذَا أَشْرَفَ عَلَيْهِ، وَسُمِّيَ الشِّفَاءُ مِن المرض شِفَاءً؛ لِغَلَبَتِهِ له.([1])

وقد جاء هذا النعت المبارك في مواضعَ مِن كتاب ربنا عزَّ وجلَّ:

الموضع الأول؛ في قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]، والعقيدة النفسيّة الصادقة في نجاعة الدواء، هي أُولَى الخطوات في طريق العلاج السليم؛ لذا فإنّ القرآن الكريم في المقام الأوّل شفاء ودواء للذين آمنوا، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]؛ وما ذلك إلا أنَّهم تحرَّوا العلاجَ به مِن أدوائهم، والتزموا تعليمات الخبير بعِلَلهم، وما يصلحهم، ويرفع عنهم هذه العلل والأدواء.

وهذا بخلاف مَن أعرض عن الدواء بعد صيرورته إليه، وبعد وجدانه بين يديه، وقال: “لا حاجة لي إليه، إنّما أنا صحيح ليس بي علّة”؛ وما درى المسكين أنه يزداد علّة بعد علّة، وخسارا بعد خسارا، فكان عدم استجابته للدواء  الموجِب لرفع علّته، أعظم أسباب تدهور حالته القلبيّة، وانتكاسته إلى الحضيض الذي لا يرتفع عنه حتّى يُذعن لأعظم أسباب الشفاء وهو القرآن الكريم، ويأتيه طَيِّب الخاطر، رضيّ النفس؛ ليعمل فيه عمله، ويثمر فيه ثمرته، فينتفع به، وتزول عنه منغّصاته ومقلقاته الروحية والقلبية؛ كما في قوله تعالى – وهو الموضع الثاني مِن مواضع ورود النعت – :

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82]، ومنه قوله عزّ شأنه: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124، 125].

فأهل الإيمان يستبشرون بالقرآن؛ لما فيه مِن الخير العاجل والآجل لهم؛ أمّا أهل المرض والنفاق فلا يزيدهم الإعراض عن القرآن الكريم إلّا مرضا على مرضهم؛ بسبب لوثة التكذيب التي لا تفارقهم، إلا إنْ حصل للقلب يقظة، فأقبل على القرآن يلتمس فيه الشفاء وتبديد أسقامه، فلن يخيّب الله سعيه، ولن يردّ يديه صفرا.

و”مِن” في قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} [الإسراء: 82]، بيانيّة وليست تبعيضيّة، وبهذا تتفق هذه الآية مع الآية الأولى التي جَعلَت القرآن كلّه شفاء: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}، وهذا كقوله سبحانه: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30]، والمراد كل الأوثان، وعن قتادة أنه قال: “لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء الله الذي قضى: {شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82]”.

أمّا الموضع الثالث، فقوله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وفي هذه الآية نداء مِن الحق سبحانه لعباده كلهم؛ مؤمنهم وكافرهم: أنّه قد جاءهم الدواء الناجع لأدواء قلوبهم، المُبِيد لضلالات عقولهم؛ فلا يدع منها مرضا إلا أزاله، ولا علة إلا أبطلها؛ لتغدوا قلوبهم نقية مُحِبّة لله، مُغْتَبِطَة بعبادته، والانطراح بين يديه.

وإذ كان الأصل في القرآن الكريم أنّه شفاء لِما في الصدور، كما هو منصوص قول الحقّ تبارك وتعالى: {شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ}؛ فإنّه كذلك شفاء للأبدان مِن بعض عللها في الحالات التي تلاقي قوّةً في الفاعل، واستعدادا في المحلّ القابل، وتصديق ذلك في حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلاَ نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ: “وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ“.([2])

ومع التسليم بأنّ اللدغ أمر حسيّ مُورث لعلّة ماديّة محسوسة؛ فإنّه “قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ مَتَى قَوِيَتْ تعاونت مع الطبيعة عَلَى دَفْعِ الدَّاءِ وَقَهْرِهِ، والقرآن الكريم يُقَوِّي الرُّوحَ بِقُرْبِهَا مِنْ بَارِئِهَا، وَأُنْسِهَا بِهِ، وَحُبِّهَا لَهُ، وَتَنَعُّمِهَا بِذِكْرِهِ، وَانْصِرَافِ قُوَاهَا كُلِّهَا إلَيْهِ، وَجَمْعِهَا عَلَيْهِ، وَاسْتِعَانَتِهَا بِهِ، وَتَوَكُّلِهَا عَلَيْهِ، أَنْ فيَكُونَ ذَلِكَ لَهَا مِنْ أَكْبَرِ الْأَدْوِيَةِ، الموجبة دَفْعَ الْأَلَمِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يُنْكِرُ هَذَا إِلَّا أَجْهَلُ النَّاسِ، وَأَغْلَظُهُمْ حِجَابًا، وَأَكْثَفُهُمْ نَفْسًا، وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ”.([4])

وأمامنا تجربة حيّة يقصّها الإمام ابن القيم رحمه الله فيقول:

“وَقَدْ جَرَّبْتُ أَنَا مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِي وَفِي غَيْرِي أُمُورًا عَجِيبَةً، وَلَا سِيَّمَا مُدَّةَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لِي آلَامٌ مُزْعِجَةٌ، بِحَيْثُ تَكَادُ تَقْطَعُ الْحَرَكَةَ مِنِّي، وَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ، فَأُبَادِرُ إِلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَأَمْسَحُ بِهَا عَلَى مَحَلِّ الْأَلَمِ فَكَأَنَّهُ حَصَاةٌ تَسْقُطُ، جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرَارًا عَدِيدَةً، وَكُنْتُ آخُذُ قَدَحًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ فَأَقْرَأُ عَلَيْهِ الْفَاتِحَةَ مِرَارًا، فَأَشْرَبُهُ فَأَجِدُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ وَالْقُوَّةِ مَا لَمْ أَعْهَدْ مِثْلَهُ فِي الدَّوَاءِ، وَالْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ”.([5])

إنّ القرآن دواء وشفاء مِن أدواء القلب والعقل؛ دواء من الهوى والغفلة، والضلالة والجهالة، والشبهة والشهوة، والحيرة والاضطراب والوساوس..

إنّ القرآن بما يحمله مِن آيات ربّانية نورانيّة نافذة في عمق المرض، يأتي على هذه الأدواء فيجعلها حصيدا كأنْ لم تغن بالأمس..

فأنّى للجهالة والشبهة أنْ تصمد أمام علوم القرآن وحُججه وبراهينه؟!

وأنَّى للشهوات والأهواء أنْ تصمد في مواجهة مواعظه وزواجره، وترهيبه وترغيبه، وتأثيره في القلوب؟!

وأنّى للحيرة والاضطراب والوساوس أنْ تقف في مواجهة السكينة القرآنية، وحالة الطمأنينة التي تورثها وتلقيها في النفس؟!

واقرأ في هذا السبيل ببصيرة حيّة قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 69 – 82].

هذا عمل القرآن في القلوب التي تهيَّأت وتحرَّت استعمال الدواء بشروطه، أمّا مَن ألقى الدواء وأعرض عنه، أو استعمله استعمال المجرّب لنفعه، فلا يلومنّ -إذا ازدادت عليه الأدواء- إلّا نفسه، وعلى نفسه جنى المُعْرِض أو الشّاكّ المُجرِّب.

إنّ القرآن الكريمَ شفاءٌ شفاء، وعلاج ناجعٌ ناجعٌ مِن جميع أدواء الفرد والجماعة؛ لِمَن استعمله بحقّه، وعلى وجهه. والقرآن الكريم كما يصحِّح الحالة الوجدانية القلبيّة والعقلية للفرد، فإنّه يُصَحِّح مسارات المجتمعات، ويجذبها من براثن الغفلة والإعراض، والتخبُّط في كافّة الشئون؛ ليرتفع بها إلى أسباب قيامها صحيحة معافاة..

فهذا الشفاء الربّاني بين يديك أيها العبد؛ فتداو به مِن أمراض قلبك وعقلك، واقتلع به جذور شهواتك وشبهاتك، ولا تكن ممَّن هجر القرآن، فكان ممَّن اشتكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حالَهم إلى الله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}.([6])

وإنّ مما يستعان به على الاستشفاء القلبي بالقرآن؛ أنْ يبذل العبد غاية جهده في تفهُّم معانيه، والنظر في دلالاته؛ فإنّ القراءة المسبوقة بالفهم الصحيح، أو المصاحِبة للفهم المستقيم؛ تُطْلِع العبدَ على كنوز القرآن؛ فيتولَّد في قلبه مِن المعنى معان، ومن الهداية هدايات، ومن النور أنوار لا تحصى؛ ولذا كان القرآن مَعِيْنًا لا ينضب، يجد فيه الناظر مِن آخر هذه الأُمّة ما لم يجده مَن كان سابقًا عليه، وهذا سر الشفاء الدائم في القرآن؛ فضلالات العقول لا تقف عند حدٍّ، وشهوات النفس لا تنتهي إلى غاية، وفي كل هذا الاتِّساع والتمدُّد اللامتناهي، تجد كتاب الله شفاء مِن كل هذه العِلَل، دواء مِن جميع تلك الأوصاب.

اللهم اشفنا بالقرآن قلبًا وعقلًا، ورُوحًا وبدنًا

***

([1]) انظر: مقاييس اللغة (3/199)، المفردات (ص459).

([2]) رواه البخاري (5736) ومسلم (2201).

([3]) رواه أبو داود (3896).

([4]) انظر: زاد المعاد (4/11).

([5]) مدارج السالكين (1/80).

([6]) الفوائد (ص82).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل