نعوت القرآن الكريم - 3 - نور - د. عبد الله بن وكيل الشيخ

نعوت القرآن الكريم - نور

د. عبد الله بن وكيل الشيخ

الحلقة (3)

النُّور نقيض الظلمة، وهو من أهم أسباب الحياة؛ فإنّ أصل مادّته  مِن نار ينور إذا نَفَرَ؛ لأنّ فيه حركة ونشاطا، وكما جعل الله في كونه المنظور نورا تنطلق منه الحياة في كوكبين عظيمين: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61]؛ فقد أنزل لعباده نورا وضياءً تنطلق منها حياة القلوب والأرواح: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } [الأنبياء: 48]، وحينما وصف الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم كان مِن أحسن وأجمل أوصافه ما كان أثرا لهذا النور الإلهيّ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46]، يعني: بالقرآن الظاهرة حُججه ظهور الشمس في إشراقها وإضاءتها، فلا يجحدها إلّا معاند.([1])

إنّ النُّور المحسوس وإنِ انتفع به الخَلق كافّة في معاشهم وتسيير أمورهم وقضاء حوائجهم، إلّا أنّ النور المعنويّ([2]) القلبيّ حِكْرٌ على أفئدة المؤمنين التي يغمرها بنوره، ويعمرها بمحبّته ومعرفته.

والإنسان بطبيعة خِلقته مركَّب مِن مادّة ومعنى، وجسد وروح؛ أمّا الجسد فإنّه ينير بأسباب النظافة المعروفة؛ مِن معاهدته بالاستحمام، والوضوء، والتنوير (يعني استخدام النورة)، وإزالة الشعور الزائدة وتهذيب شعر الرأس وتسريحه ودهنه، وتسكينه وتنظيفه، وتهذيب شعر الشارب، واستعمال الطِّيب، وكذلك تطييب المطعم، واستنشاق الهواء العليل، إلى آخر أسباب إنارة الجسد وإشراقه. ولو استقام للإنسان جميع ذلك ومثله معه، ولم يهتد لنور الوحي الذي يغسل روحه، وينقّي فؤاده، وينعش نفسه، ويشرح صدره، ويريح عقله وفكره؛ لو لم يهتد الإنسان إلى هذا النور، لانقلبت حياته النظيفة نظافة ماديّة خبيثة تتخبّط في ظلمائها، وتهرول في عميائها، لا تسكن إلى شيء، ولا تأنس إلى شيء، فلا تزال تَقَلَّبُ بين المعاني إلى أنْ يهديها الله إلى نوره فتسكن إليه، أو تموت في ظلمتها، وتتقيّد بقيْد نفسها، بحيث تظلّ رهينةً حبيسةَ سجنها الداخلي المظلِم المصمَت، الذي لا هو مُنير في نفسه، ولا هو قابل لأنْ ينفذ إليه النور من خارجه؛ إنّها الظلمة المحكمة التي اتّخذَت النفس رهينةً بسبب شرودها وطيشها وانحرافها عن النور الحقّ، إلى بهرج وزخرف ظنّته نورا، فانجلى سرابا.

إنّ نور الوحي هو النور الحقّ الذي يمدّ الروح بأسباب حياتها وإشراقها ونورها، ويمدّها كذلك بأسباب تفاعلها مع الكون مِن حولها؛ فإذا كانت المخلوقات جميعًا تُسَبِّح بحمد الله على صفةٍ لا نعلمها؛ فإنّ النفس النورانيّة تدور في فلك المسبِّحين، ولا تصادمهم أو تنتكس عنهم.

هكذا يفعل نور الوحي في النفس؛ يُلقي فيها حركة الحياة، ويجعلها تموج بالحياة، بخلاف ظلمة الكفر، وظلمة الإعراض عن نور الوحي؛ فإنّها الظلمة الظلماء، والليلة الليلاء، إنّها ظلمة تساكن ظلمة، ووحشة تزاوج وحشة، وغربة تداخل غربة، وحيرة تلقي في حيرة مثلها؛ نفس تموج بالمقلقات، بالمفزعات، بالمخاوف الموحشات، وليس لها من ذلك مخرج إلّا بنور إلهي يبدِّد ظلمتها، ونور رساليّ يُشرق عليها فينيرها ويبصِّرها، ويغمرها بنور اليقين، ويحلّ عليها بَرْد السكينة، وينقلها مِن حال الحَيرة إلى حال الطمأنينة.

والسؤال:

ما السبيل إلى اقتلاع جذور تلك الوحشة مِن النفس الضعيفة التي لا تقوى على مساكنة هذه المخاوف والموحشات؟

إنّه سبيل واحد:

بدِّد ظلمتك بنور ربِّك..

وما هذا النور؟

إنّه نور الوحي .. نور القرآن .. نور الرسالة ..

إنّ نور الوحي أعظم النِّعم الإلهيّة المبذولة للكافّة، فلم يرسله الله لفئة وحجبه عن فئة أخرى، وإنّما نشره في النّاس جميعًا؛ ليستهدوا بهديه، ويستضيئوا بنوره: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائـدة١٥]؛ ثم إنّه ليس نورًا خافتًا أو ضعيفًا يُعْجَز عن رؤيته، بل إنّه نور مبين، واضح، يهتدي به مَن سعى فيه، واحترز به مِن الوقوع الضلالة.

وهذا النور كما أنّه هادٍ للعصاة والشّاردين، ومُبَدِّد لِما يعلَق بقلوبهم من شهوات، فإنّه مُبَدِّد كذلك لِما يعلق بقلوبهم مِن شبهات؛ فإنّه نور روحانيّ، ونور علميّ؛ نور معنى، ونور حُجّة: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174]

ونور الوحي أعظم المِنَن التي مَنَّ به تعالى على نبيّه صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]؛ فحقيق بالعباد أنْ يحفظوا هذه المِنّة العظيمة؛ بمراعاتها ومتابعتها، والتهدِّي بنورها وهديها: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: 8]،{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَالَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

وانظر وتأمّل في هذا التفخيم لشأن النور القرآني، في قوله تعالى: {وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن٨]، وكيف أسند فِعْلَ الإنزال إلى ضمير العظمة؛ تعظيمًا وتفخيمًا لهذا النوُّر الذي لا يعدله نور؛ فإذا كان هذا النور بتلك المنزلة، فكيف تُعرِض عنه أيها العبد وتنصرف إلى أنوار عارضة، وأنوار سرابيّة لا تلبث أنْ تتلاشى وتبقي معزولا في ظلمتك؟! {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النـور٤٠]؛ مَن لم يتّخذ نُورَ الوحي نورًا فما له مِن نور، ومَن لم يتّخذ كتاب الله تعالى هاديًا بما حواهُ مِن شرائع وأحكام وعظات وقصص وغير ذلك، فما له مِن نور هادٍ في ظلـمات الجهـل المدلهمـّة، وحندس الأفكار البشريّة المتضاربة.

ومن خصائص هذا النور الإلهيّ؛ أنه لا ينطفئ أبدًا، ولا يأفل نوره، ولو اجتمع الخَلق جميعهم وسعوا في ذلك ما استطاعوا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} [التوبـة٣٢]، وإذا كان نور الله قد أشرقت له السموات والأرض، فمَن هذا البائس الضعيف الذي يَتطاوَل لإطفائه أو الحيلولة دون بلوغه للعالمين: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35].

فإذا كان نور الوحي بهذه المثابة أيها العبد؛ فكيف لك أنْ تُعرِض عنه، وهو حرزك ممّا تخاف، وركنك المؤمَّل إذا اضطربت عليك الأمور، وسبيل هدايتك الذي ليس معه ولَه أو تحيُّر؟!

إنه نور موصول بالسماء فكيف يستطيع أحد أنْ يحجبه؟

مَن اهتدى بنور الوحي أظلّه وغمره، ولو أُغْلِقَت دونه جميع الأنوار الماديّة؛ فإنّ نور الوحي يُشرق أجواء القلب، ويُساكن دواخلها، فيجد العبد أثره في قلبه، وفي لسانه، وفي حركاته، وفي سكناته، ويجد لذّته على طرف لسانه.

فإذا كان هذا النور بهذه المثابة، فكيف لا تركن إليه؟!

   كيف تحجبه عن نفسه، وهو صانع نفسك؟!

كيف تعزله عن صدرك، وهو شارح صدرك؟!

كيف تفصله عن فؤادك، وهو منعش فؤادك؟!

كيف تحبسه عن عقلك، وهو نور عقلك، ومبدّد ظلمة جهالاتك؟!

إنّ هذا النور لا يتجلَّى ولا ينتشر في قلبِ إلّا مَن آمن به، واتّبعه، وصـدّقه؛ فإذا كان كذلك، انعكس على نفسه وبصيرته، فيصبح يرى الأمور على حقيقتها، ويبصر الأشـياء عـلى طبيعتهـا؛ لأنه نور مبين في نفسه، مُنوِّر لغيره، “نور تتجلَّى تحت أشعّته الكاشفة حقائق الأشياء واضـحة، ويبـدو مفـرق الطريـق بـين الحـق والباطل محدَّدًا مرسومًا.. في داخل النفس وفي واقع الحياة سواء.. حيث تجد النفس مـن هـذا النور ما ينير جوانبها أوّلًا، فترى كل شيء فيها ومن حولها واضحًا.. حيـث يتلاشـى الغـش وينكشف، وحيث تبدو الحقيقة بسيطة كالبديهيّة، وحيث يعجب الإنسان من نفسه كيف كان لا يرى هذا الحق وهو بهذا الوضوح وبهذه البساطة؟!.. وحين يعيش الإنسان بروحه في الجو القرآني فترة .. يُحِسّ يُسْرًا وبساطة ووضوحًا في رؤية الأمور .. ويَشعُر أنّ مقرّرات كثيرة كانت قلقة في حسِّه قد راحت تأخذ أماكنها في هدوء، وتلتزم حقائقها في يُسر .. ومهما قلت في هـذا التعبير، فإنَّني لنْ أُصَوِّر بألفاظي حقيقته، لمن لم يـذق طعمـه، ولم يجـده في نفـسه، ولا بُـدّ مِـن المكابَدة في مثل هذه المعاني، ولا بُدَّ مِن التذوُّق الذاتيّ، ولا بُدّ مِن التجربة المباشرة([3]).

فهنيئًا لمَن جعله الله نورًا؛ فاتّخذ من نور الوحي نورًا لقلبه، وضياءً لصدره، وسراجًا لفؤاده، وإشراقًا لعقله. وتعسًا لِمَن أعرض عن نور الوحي، فرام النور مِن غير جهته، فتقلّب في ظلمات جهله في الدُّنيا، ويأتي يوم القيام أعمى: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 125].

نفعني الله وإيّاكم بالقرآن العظيم، وصلّ اللهمّ على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم

***

([1]) انظر: تفسير الطبري (19/126)، وابن كثير (6/439).

([2]) انظر في تقسيم النور إلى حسي ومعنوي؛ المفردات للراغب (ص827) مفردة (نور).

([3]) في ظلال القرآن (2/822). بتصرف.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل