هكذا ربّى القرآن أمهات المؤمنين - د. خالد السبت

هكذا ربّى القرآن أمهات المؤمنين - د. خالد السبت

ما أحوجنا في هذه الأيام إلى التربية القرآنية، ما أحوجنا أن نرجع إلى القرآن في وقت أصبحت تتقاذفنا كثير من الدعوات المضللة لا سيما فيما يتعلق بالمرأة المسلمة، ذلك أننا في زمان أصبحت المرأة فيه سلعةً رخيصة توضع على أغلفة المجلات بأوضاع فاتنة، وألبسة غير محتشمة.
 
لقد صارت المرأة يروج بها السلع المختلفة، وصارت توضع طعماً لربما في مواضع الاستقبال هنا وهناك؛ من أجل أن تنجذب النفوس الضعيفة، فيحصل الاتجار بالفضيلة والشرف والعفاف.
 
إننا في زمان تعالت فيه الأصوات التي تنادي وتطالب بخروج المرأة التي هي نصف المجتمع كما يزعمون، وأن المجتمع كالطير لا يحلق إلا بجناحين، وأننا لا يمكن أن نتقدم أو نتطور أو نزاحم الأمم المتحضرة بحال من الأحوال، إلا إذا أخرجنا المرأة من قرارها وبيتها، {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [سورة الكهف، الآية: 5].
 
لقد وجد من يقول بأن ما نقرره في دروسنا ومحاضراتنا وفي فتاوانا لا يبنى إلا على أوهام لا على أدلة واضحة صحيحة صريحة يوقَف عندها، بل إن بعض المنتسبين للدين أو العلم أو الدعوة صار يردد كلاماً ما كنا نسمعه قبل ذلك؛ ذلك أنه صار يطرح طرحاً نشازاً، طرحاً غير مألوف في وقت الهزيمة.
 
يقولون: إن قاعدة سد الذرائع وإن وصورة الحجاب التي عليها المرأة المسلمة في بلادنا كل ذلك ليس ثمة دليل صريح عليه، وأن عمل المرأة مع الرجل جنباً إلى جنب ليس ثمة ما يمنع منه شرعاً، وأن علينا أن نطرح ما دلت عليه الأدلة الصريحة الواضحة من الكتاب والسنة فحسب! وهؤلاء لا شك أنهم مغالطون؛ ذلك أنهم يتكلمون بغير علم، أو أنهم يعلمون ويضللون الناس.
 
إننا في زمن أصيبت فيه كثير من النفوس بما أصيبت من الضعف والتراجع، وصرنا نرى من يطالب بمراجعة المواقف، فماذا نراجع؟ نراجع ديننا؟ نراجع كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أم نراجع ماذا؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
ما أحوجنا في مثل هذه الأيام إلى أن نرفع رؤوسنا، ونقول بملء أفواهنا: إن المنهج الذي رسمه القرآن هو المنهج، وإن الفهم الذي ينبغي أن يفهم به هذا القرآن إنما هو فهم السلف الصالح رضي الله عنهم.
 
ما أحوجنا إلى تكثيف الخطب والمقالات والكتابات والمحاضرات وألوان المدارسات في مثل هذه الأيام؛ فنحن -والحمد لله- كثير، وقد خرَّجت الجامعات الشرعية التي تحمل المنهج الأصيل منذ عشرات السنين أجيالاً متتابعة ممن يحملون العلوم الشرعية، فهذا أوانهم، فينبغي أن يظهر صوتهم دون تلك الأصوات النشاز التي ليست من العلم في قليل ولا كثير غالباً، حتى صار يتكلم أهل الصحافة وغيرهم، يتكلمون ويفتون بالمسائل الكبار من غير تورع، ومن غير تقىً لله عز وجل.
 
لقد أنزل الله عز وجل هذه الآيات التي يربى بها بيوت الأشراف، حيث قال الله عز وجل: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [سورة الأحزاب، الآية: 32].
 
{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء}: إن نفي المماثلة هنا يدل على رفيع المنـزلة وعلو الشرف.
 
{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}: أي أنكن أشرف من غيركن من النساء، وأعلى مقاماً، وأرفع درجة، فهذا الذي دل عليه نفي المماثلة.
 
{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}: دل ذلك على أن بيوت الأشراف، والبيوت الرفيعة، والبيوت الكريمة يصلح لها من التربية ما لا يصلح لغيرها، وأنهم ينبغي أن يكونوا في مقامات وأفعال وأقوال وأحوال تليق بمنازلهم الشريفة.
 
ثم انظر هذا التعليق، حيث قال الله عز وجل: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} [سورة الأحزاب، الآية: 32]: وهذا هو الأرجح من أقوال المفسرين -والله تعالى أعلم- في موضع الوقف في هذه الآية؛ لأن الوقف فيها يحتمل موضعين؛ {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء}: أي أنتن أشرف من غيركن من النساء، ثم يكون الكلام: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [سورة الأحزاب، الآية: 32]، والأحسن أن يكون هكذا -والله تعالى أعلم- {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}: لإن نفي المماثلة لأحد من النساء إذا كان ذلك مع تقوى الله عز وجل.
 
ثم قال بعده: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: إن كنتن أشرف من غيركن مع تحصيل التقوى، أو في حال تحصيل التقوى، فينبغي ألا تخضعن بالقول فيؤدي ذلك إلى أمور لا تليق.
 
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: لستن كغيركن إن كنتن متقيات، وهذه التقوى تتطلب أخلاقاً من الأفعال والأقوال والأحوال، ينبغي أن تكون الواحدة منكن متحلية بها.
 
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، ولاحظ هذا التعبير {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}: المتبادر أن يقال: فلا تُخْضِعْنَ القول؛ لأن الإخضاع إنما يكون للقول -للكلام- يكون الكلام خاضعاً، تَخضَع في قولها، تُخضِع قولها، هذا هو المراد، والله تعالى أعلم.
 
لكن لماذا نسب الله عز وجل الخضوع إليهن، وأضافه إلى ذواتهن فقال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} [سورة الأحزاب، الآية: 32] لماذا لم يقل: (فلا تخضعن القول) كما هو المتبادر؟
 
يقال: لما للظاهر من الملازمة مع الباطن، فالظاهر ملازم للباطن؛ وذلك أن المرأة إذا تغنجت وتكسرت في كلامها ورققته، وأظهرت التأنث للرجال في قولها ومنطقها، فإن ذلك يورثها خنوعاً في ذاتها وتكسراً، وانكساراً أمام الرجال، وخضوعاً ببدنها؛ وذلك للملازمة بين الأمرين.
 
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}؛ لأن إخضاع القول يورث خضوع البدن، يورث التكسر في البدن، يورث إخضاعه للرجال، فلا تخضعن بالقول.
 
وخضوع المرأة بقولها يكون بصور شتى: يكون حينما تختار المرأة الألفاظ والعبارات التي لا تصلح إلا لزوجها، فتتكلم بها، سواء في الهاتف، أو عبر الإنترنت، أو تتكلم بها مباشرة مع البائعين مع الطبيب، ومع غيرهم، فتتكلم وتتخير من الألفاظ ما لا يصلح إلا مع الزوج، فهذا من الخضوع بالقول.
 
ويكون الخضوع بالقول أيضاً حينما تتكلم بألفاظ لا عيب فيها، ولكنها تنطق وتؤدي هذه الألفاظ وتعبر بها بشيء من الغنج، وبشيء من الرخاوة، وبشيء من تمييع القول وتليينه للرجال الأجانب، ثم تحصل بعد ذلك النتيجة المتوقعة التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآية.
 
قال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: الفاء هنا تدل على التعليل، وهي مشعرة به، وهي تدل أيضاً على التعقيب.
 
{فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}: الطمع هو انجذاب النفس، وميلها إلى الشيء الذي تشعر أنه قريب المأخذ والمنال؛ فالمرأة إذا تغنجت وزينت الكلام مع الرجال ولينته ورققته امتدت إليها النفوس الضعيفة، وطمع بها الذئاب، وصاروا يرون أنها قريبة المأخذ، وأنها في متناولهم، وأنها ممكنة لمن طلبها {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}.
 
من هو الذي في قلبه مرض:
غالباً يعبر في كتاب الله عز وجل بهذا التعبير، ويراد به النفاق، وقد يراد به ضعف الإيمان، إلا في هذا الموضع، فالمراد بهذا الوصف هنا هو من كان فيه ميل محرم إلى النساء، قلبه ينجذب انجذاباً محرماً إلى النساء، يلتفت قلبه إلى النساء؛ ليقارف معهن ما لا يليق مما حرمه الله عز وجل كالزنا ونحوه، هذا الذي في قلبه مرض.
 
وبهذا نعلم أن أولئك الرجال الذين يضعون الشباك ليصطادوا النساء تارة عند المدارس -مدارس البنات- وتارة في أسواق النساء، وتارة عبر شبكة الإنترنت، أو غير ذلك، هؤلاء بنص كتاب الله عز وجل من الذين في قلوبهم مرض، {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}.
 
وإذا كان ذلك مقولاً لأمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن فغيرهن من باب أولى؛ ولكن قد يفهم من هذا النهي عن الخضوع بالقول أنها ترد على الرجال، وتكلم الرجال برد غليظ، وبكلام جاف مع غلظة وشدة، فبين الله عز وجل أن ذلك غير مراد، فقال: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [سورة الأحزاب، الآية: 32]، فالقول المعروف لا يكون فيه فضاضة وغلظة ترد على الرجل كأنها مغضبة، والقول المعروف لا تخضع فيه المرأة وتتغنج وتنعم كلامها وترققه مع الرجال الأجانب، والقول المعروف لا تتخير فيه المرأة الألفاظ التي لا تصلح إلا مع زوجها، أو لربما محارمها، هذا هو القول المعروف، يشمل هذه الأوصاف الثلاثة.
 
ثم لما أدبهن الله جل وعلا بالقول والكلام كيف تتكلم الواحدة منهن مع الرجال الأجانب، علمهن أدباً آخر فقال: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [سورة الأحزاب، الآية: 33].
 
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}: فيه قراءتان متواترتان، الأولى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} وهي قراءة عاصم ونافع، والقراءة الثانية: {وقِرْن فِي بُيُوتِكُنَّ} بكسر القاف، وبعض أهل العلم يقولون: إن معنى القراءتين واحد، فهو من القرار، وبعض أهل العلم يفرق بينهما وهذا التفريق ليس بين القولين فيه منافاة؛ {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} من القرار، من قرَّ الماء في الحوض، أي استقر، فتكون مستقرة، باقية غير خراجة ولا ولاجة، لأن المرأة التي تكثر الخروج في أول نهارها وفي آخره، لا يقال إنها قارة في البيت.
 
والقراءة الأخرى، {وقِرْن فِي بُيُوتِكُنَّ} فسرها جمع من الأئمة -أئمة التفسير- بمعنى الوقار، وقرن من الوقار، والمعنيان متلازمان؛ إذ أن وقار المرأة المسلمة يكمن في قرارها في بيتها، وذلك أن المرأة إذا كانت خراجة ولاجة فإن ذلك يكون على حساب وقارها ولا بد، وهذا أمر مشاهد، فإن المرأة الخراجة الولاجة يكون فيها من الجرأة ما لا يكون في غيرها عند النساء القارَّات في البيوت.
 
والمرأة إنما تمدح -حتى في كلام العرب وأشعارهم، ولربما وصفت بالقاصرة: أي التي تعكف في بيتها فلا تخرج منه ولا تراها الشمس- يمدحونها في أشعارهم، ومن أراد أن يقف على شيء جيد من ذلك فليراجع كتاب: الرحلة إلى حج بيت الله الحرام للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله فله كلام جيد وأشعار جميلة في مثل هذا المعنى.
 
فالمقصود أن الوقار مقترن بالقرار، المرأة يكون وقارها على قدر قرارها، أما إذا كان خروجها لعمل تختلط فيه بالرجال الأجانب، فإن ذلك يمسح ماء وجهها، سواء كانت تعمل بائعة، أو كانت تعمل مسوِّقة، أو كانت تعمل في مكان تطبب فيه الرجال، أو تخالط الرجال بأي صورة من الصور، فإنها مهما كانت محافظة، أو تحاول أن تحافظ على حشمتها فإن وقارها يتناقص ولا بد.
وقَرْن، وقِرْن في بيوتكن، ثم قال بعده {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [سورة الأحزاب، الآية: 33]: فالمرأة المتبرجة كيف تكون كذلك؟
 
يقال: بكثرة الخروج أن تكون خراجة ولاجة، ويكون ذلك أيضاً بالتكشف والتهتك باللباس والتعري أمام الرجال، ويكون ذلك بمزاحمة الرجال بالأسواق ومخالطتهم في أماكن العمل، يكون إذا كانت بائعة في الأسواق، إذا كانت هذه المرأة تعمل في كل مجال يتاح لها من غير حياء ولا حشمة ولا مراعاة للآداب الإسلامية؛ كل ذلك يكون من تبرجها.
 
ومن تبرج المرأة أن تسير في وسط الطريق، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن السير في وسط الطريق، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس للنساء وسط الطريق» [1]، ولقد أدركنا النساء في بعض النواحي يتشقق جانب عباءتها؛ لأنها إذا رأت رجلاً في الطرق التصقت بالحائط، وكانت الحوائط يومئذ مبنية من الطين ويخالطه -أعزكم الله– التبن من أجل أن يتماسك الطين، فلكثرة ما تلتصق المرأة بالجدار يتمزق جوانب عباءتها، وقد رأيت ذلك بعيني.
 
يقول الله عز وجل: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [سورة الأحزاب، الآية: 33]: الجاهلية هي حالة نفسية وواقعية وشعورية بعيدة عن الله عز وجل لا تهتدي بالوحي، هي حياة منسوبة إلى الجهل، هي فكر منحرف شاذ بعيد عن هدى الله عز وجل الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام هذه هي الجاهلية، وانظر وتأمل كيف أضاف الله عز وجل التبرج إلى الجاهلية.
 
حدثني عدد من القريبات بقولهن: المرأة التي تضع عباءتها فوق رأسها، وتلبس القفاز، وتضع الخمار الكامل على وجهها من غير تلاعب بنقاب ونحوه يصفونها بأنها قديمة، وأنها متخلفة، وأنها رجعية، وأنها مقبورة، وأنها لا تعيش عصرها وزمانها، وأنها قد دفنت شبابها وجمالها، وأنها صارت في عالم غير العصر الذي تعيش فيه!!
 
أقول: الله عز وجل أضاف التبرج إلى الجاهلية، فهو من أعمال الجاهلية، فمن هي المرأة الجاهلية، أو التي فيها خصلة من خصال الجاهلية؟ من هي المرأة المتخلفة؟ من هي المرأة الرجعية؟
هي المرأة التي تكون متبذلة، متبرجة متهتكة أمام الرجال الأجانب، وأما اللباس والحشمة والنقاء والطهر والعفاف فليس ذلك من أمر الجاهلية في شيء، فالتهتك والعري ليس شيئاً إلا من عمل الشيطان؛ هو الذي يدعو إليه، ويحض عليه، ويأمر به، فكل امرأة متهتكة -في عصرنا هذا وفي غيره من الأعصار- هي مستجيبة لأمر الشيطان؛ قد جعلت أمر الله عز وجل وراءها ظهرياً.
 
{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}: وكفى بذلك قبحاً أن ينسب إلى الجهل وإلى الجاهلية، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}: كيف كانت المرأة تتبرج في ذلك الزمان؟
 
غاية ما ذكره المفسرون أنها لربما وضعت خمارها على رأسها، ثم جعلته من خلفها فيبدو موضع القلادة، ولربما بدا موضع المقدم من شعرها، هذا هو تبرج الجاهلية الأولى، فأين التبرج الذي يفعله اليوم عارضات الأزياء؟! أين التبرج الذي يفعل في مشارق الأرض ومغاربها على شواطئ البحار، وفي البرك وفي غيرها من أماكن القذر والتبذل والاستخفاف بكل ألوان الشرف والعفة والطهارة؟! أين هذا مما يفعله كثير من بنات المسلمين -هدى الله الجميع وردهن إلى دينه رداً جميلاً- في صالات الأفراح، وفي المناسبات من إبداء الأجساد والتعري بصور مغرية تغري النساء الحاضرات؟! هذا كله من عمل الشيطان.
 
{وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}: وكعادة القرآن إذا نهى عن شيء أمر بما يعمر القلوب، وبما تشغل به الأوقات بما ينفع، {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ} [سورة الأحزاب، الآية: 33].
 
ليست القضية أن ننهى الناس، لا تفعلوا كذا، هذا لا يجوز، هذا يحرم، هذا بدعة، هذا منكر..الخ، هذا أمر مقصود لغيره كما قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود لذاته هو أن تعمر القلوب بطاعة الملك المعبود جل جلاله أن نعمر قلوب الناس بالإيمان، وبمحبة الله عز وجل والقرب منه، ونعمر القلوب بألوان الأعمال القلبية التي يكون المؤمن بها على الحال اللائقة التي تصلح للعبودية، أو لتحقيق العبودية مع الله جل جلاله.
 
قال الله عز وجل: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [سورة الأحزاب، الآية: 33]: نحن نقول للنساء: وقرن في بيوتكن؛ لكن المشكلة في عصرنا هذا إذا بقيت المرأة في بيتها ماذا تصنع؟
تبقى أمام شاشة، أو أمام كاميرا تتعرى فيها تعرياً كاملاً أمام ذئاب قد اصطفوا واجتمعوا ينظرون إليها بخبث وغدر، وهي تتبذل أمامهم بكل مهانة عبر الإنترنت؟! تبقى في بيتها تقلب طرفها بين تلك القنوات التي تسلبها دينها وعقيدتها وإيمانها وعفافها! تبقى في بيتها تقلب المجلات الهابطة! تبقى في بيتها تعبث بسماعة الهاتف فيصطادها ذئاب البشر!
 
ولهذا يقال في هذا الزمان: ينبغي على المرأة التي لا يوجد في بيتها ما يشغلها، وليس لها رصيد من تقوى الله عز وجل يردعها ويمنعها، ينبغي لها أن تذهب فتخرج لتلتقي بأخوات عبر المراكز الصيفية النسائية، وعبر حلق التحفيظ، وجمعيات تحفيظ القرآن، والأنشطة الطيبة الموثوقة التي يقوم عليها الخيرات من الداعيات إلى الله عز وجل.
 
تخرج المرأة التي لا تجد الكفاية في هذا الجانب في بيتها، وتخرج المرأة التي لا يوجد لدى الداعيات من يعوض مكانها إذا غابت، فتجتهد وتتقِّ الله في خروجها وتقلل منه ما استطاعت، فتخرج لتنفع الأخوات، وتعلم ما تحتاج إليه المسلمات، أما من وجدت كفايتها وما احتاج أخواتها إليها فإنها تبقى في بيتها.
 
هذا هو أمر الله عز وجل فأين أولئك الذين يدعون إلى فتح المجال أمام المرأة لتعمل في المصنع والمتجر وأماكن التجميل النسائية والصيدليات وغيرها من ألوان الأعمال التي تكون فيها أجيرة عند الآخرين؟
 
يقولون: إن نصف المجتمع معطل!
الله يقول: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}، وأنتم تقولون: نصف المجتمع معطل؟! ما هي حقيقة العمل في نظر هؤلاء المخادعين الذين يكذبون على الناس؟
 
حقيقة العمل عندهم أن تكون أجيرة عند غيرها، وأما التي تعمل في عملها الأصيل فترضع الصغير وتمرض المريض وتقوم على شؤون الدار، وتقوم على شؤون الزوج، وتقرأ كتاب الله جل وعلا وتشتغل بطاعته، فهذه عاطلة عندهم، وعندئذ يخدعونها ويستغفلونها ويستجرون قدمها حتى تخرج، فإذا خرجت حصلوا بغيتهم ومقصودهم بإفسادها، وإذا فسدت المرأة فسد المجتمع، نعم، ثقوا أنه إذا فسد النساء فسد الرجال، إلا من رحم الله وعصم، وهذا أمر مشاهد في العالم.
 
وأمر آخر مشاهد يرد به على هؤلاء الأفاكين الكذابين، وهو أن بلاد المسلمين قد مرت بمثل ما تمر به بلادنا هذه قبل أكثر من مائة سنة، مروا بنفس الخطوات، وقام دعاة إلى أبواب جهنم، يرددون نفس الكلام، الذي يردده بعض الكُتَّاب في أيامنا هذه، فخرجت المرأة من قرارها وعفتها وحشمتها، وصارت تعمل في كل مكان صارت تعمل في كل مكان بلا استثناء، فهل تحضرت تلك الشعوب الإسلامية؟ هل صارت تلك الدول العربية في مصاف الدول المتقدمة؟
 
لقد أظهرت الإحصائيات ما يندى له الجبين حيث إن مستوى الاقتصاد لهذه الدول مجتمعة لا يعادل دولة أوربية واحدة ليست من الدول الكبرى وهي أسبانيا، الإنتاج المحلي لا يعادل دولة واحدة من دول أوربا، دول مجتمعة، يجمعها لغة واحدة ودين واحد، وعقيدة واحدة، لا تعادل دولة من دول أوربا، وليست الدول الكبرى.
 
النساء خرجن في الدول العربية منذ أكثر من مائة سنة، وأصبحن جدات -أعني أولئك المتبرجات- وصارت الواحدة تعمل في كل عمل مهين مشين، فهل صاروا في مصاف الدول المتقدمة؟ أبداً، هل انتهت مشكلة البطالة عندهم؟ أبداً، إنما يجمعهم وصف واحد في نظر عدوهم، بل هم يرددون هذه العبارة: العالم الثالث، العالم المتخلف.
 
الله عز وجل يقول: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [سورة الأحزاب، الآية: 33]: أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لماذا خص الصلاة والزكاة؟
 
يمكن أن يقال -والله تعالى أعلم-: إن الصلاة هي رأس العبادات البدنية، والزكاة هي رأس العبادات المالية، ويمكن أن يقال: إن سعادة العبد دائرة بين أمرين: الأول: حسن الصلة بالله عز وجل والثاني: الإحسان إلى الخلق، ورأس الصلة بالله، وحسن الصلة بالله هو الصلاة، ورأس الصلة بالخلق والإحسان إلى الخلق هو الزكاة، أن يحسن الإنسان إليهم بماله.
 
{وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ}: انظر كيف عبر الله عز وجل كما هي العادة في القرآن: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ}، ما قال: (وأدين الصلاة)، وهذا فيه جواب كبير لسؤال يطرح دائماً، ولربما نسمع إجابات بعيدة، لربما نسمع من يقول: بأن الصلوات كالدواء إذا أخذت في أوقاتها أدت الثمرة ولو بعد حين.
 
نقول: ل

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل