تأملات في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} - أيمن ميرغني

تأملات في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}

أيمن ميرغني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
 
هذه بعض التأملات في قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [سورة البقرة، الآية: 183].
(1) استخدام الفعل الماضي {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} بدلاً عن استخدام المضارع (يُكتَب عليكم):
الفعل الماضي أقل في (التجدد) من الفعل المضارع، والمعنى أن الأمر محسوم بإيجاب الصوم عليكم.
ولنتأمل هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الخمر قبل تحريمها: «يا أيها الناس، إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرًا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به» (أخرجه مسلم)، فاستخدم الفعل المضارع (يُعرِّض) في أمر لم يحسم تحريمه بعد، أما الصيام فهذا من الأوامر التي على المؤمن تقبلها بقوة وحزم.
 
(2) استخدام البناء للمجهول {كُتِبَ} وعدم استخدام البناء للمعلوم (كَتَبَ):
الغرض من عدم ذكر الفاعل لكونه معلومًا، فالمؤمنون يعلمون من الذي يُشرّع لهم التشريعات علمًا يقينيًّا، بل ويتحرك في قلوبهم العزم والالتزام والخضوع والطاعة لأوامره، وإن كان فيها ما هو كره لهم، وفي ذلك تشريف للمؤمنين من هذه الأمة.
 
لنتأمل حالة بني إسرائيل مثلاً، نجد التصريح بالفاعل في مواضع كثيرة كما في قوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة المائدة، الآية: 45]، والضمير (نا) هنا ظاهر بارز. وأوضح منه في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [سورة البقرة، الآية: 67] {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} [سورة البقرة، الآية: 68] {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ} [سورة البقرة، الآية: 69] {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ} [سورة البقرة، الآية: 71]، فيذكر الفاعل في كل مرة لأمر واحد! بل ويؤكد بالضمير (إن) لتأكيد صدور القول من الله، ثم يكرر الضمير (إن) لتأكيد نوع البقرة!! فكانوا يحتاجون للتذكير والتأكيد أن الأمر من الله تعالى قبل الشروع في تنفيذه، وبنو إسرائيل معروف عنهم ومشهور كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم.
 
(3) استخدام اللفظ {كُتب} بدلاً عن (فُرض) أو غيرهُ من المترادفات:
كانت العرب -وهي أمة أمية- لا تكتب إلا الأمور البالغة في الأهمية، وكانوا يعتمدون على الذاكرة في شئونهم بصورة عامة، فكانوا يكتبون ما يستحق الكتابة كالمعاهدات بين القبائل ونحوها، كما صنعوا في صلح الحديبية.
 
والشريعة الإسلامية رغبت كذلك في كتابة الأمور المهمة في شئون الناس، ككتابة المرء وصيته، وكتابة الديون، وغير ذلك..
فكلمة (كُتب) تخبئ في طياتها أهمية المكتوب وعلو شأنه!
 
(4) استخدام اللفظ {عَلَيْكُمُ}:
الحرف (على) يفيد الاستعلاء، فالصيام واقع وساقط وجوبًا على ظهر المؤمن يحمله لزومًا، وفيه استحضار لعلو الأمر النازل من السماء!
 
(5) استخدام المصدر {الصِّيَامُ} بدلاً عن (صوم):
في ذلك دلالة على الإباء والامتناع، فالمسلم يمسك عن الطعام والشراب والشهوة بإباء شديد، مع أنه مباح له تذوق الطعام والمضمضة وتقبيل الزوجة فأين هو الإباء الشديد إذن؟! الإباء ليس في ذات الترك، بل الإباء في الدافع القوي للترك، وهو امتثال أمر لله عز وجل.
 
 
قال الأُشموني رحمه الله في (شرحه على الألفية): "فِعال -بكسر الفاء- لذي امتناع: أي: مقيس فيما دل على امتناع كـ: (أبى: إباء)، و(نفر نفارًا)، و(جمح جماحًا)، و(شرد شرادًا)، و(أبق إباقًا)".
 
ولا ننسى أن الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة نوع من العذاب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله» (متفق عليه).
 
ولكن الله خفف على المؤمنين معنويًّا بعد ذلك حين قال: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [سورة البقرة، الآية: 183]، فالأمر الشاق حين يقوم به الجماعة يسهل عليهم مشقته، ويتصبرون بالاجتماع فيه، والخطاب في أول الآية كان للذين آمنوا، وفيه أن المؤمنين لا يتأذون بترك الطعام والشراب والشهوة داخل المجتمع المسلم، فالناس لا يجرِّح بعضهم بعضًا.
 
(6) استخدام اللفظ {الصِّيَامُ} بدلاً عن (الإمساك) مثلاً أو غيرهُ من المترادفات:
كانت العرب تصوِّم خيولها لتكون ضامرة وقوية في القتال، يعني هذه الكلمة لا تذكرهم بالتجويع والشقاء بل هي تخبئ في طياتها عندهم الترويض والصبر والجلد للنجاح في الخطوب، والصيام الشرعي هو كذلك يروض المؤمنين على التقوى للفوز برضا الرحمن والجنة!
 
(7) الجملة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} بدلاً من الأمر المباشر (صوموا):
تجمع كل ما قيل من التأملات، ليستحضر العبد أولاً أهمية الأمر المكتوب عليه، ويستحضر علو شأنه، حتى قبل أن يعرف نوع الأمر نفسه وهو الصوم المذكور في آخر الجملة، لما في (تقديم ما حقه التأخير في الجملة) فالأصل تقديم ما ينوب عن الفاعل على الجار والمجرور. 
المصدر: مركز تفسير http://www.tafsir.net/article/4713?ref=search


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل