المغزى الرمضاني - المجلس الرابع - إبراهيم السكران

المغزى الرمضاني - المجلس الرابع - إبراهيم السكران

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد:-

نواصل الليلة بإذن الله مجالس «المغزى الرمضاني»، وقد سبق لنا في المجالس الثلاثة السابقة أن تناولنا عِدّة إشارات ومُعطيات في النصوص الشرعية عن الصيام في رمضان، ونواصل اليوم في هذا «المجلس الرابع» بعض هذه المعاني وهي ثلاث معاني:

1-السياحة المُقيمة.

2-وصنائع العبادة.

3-والتسلية باشتراك الفرضية.

فأما «السياحة المقيمة»: فقد كان فيمن كان قبلنا من الأمم أقوامٌ تشتد رغبتهم في عبادة الله، فيتقرّبون له بالرهبانية، يتقربون لله بترك اللذائذ والشهوات ودهس الغرائز والانقطاع عن الناس في الديارات والصوامع، كما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة الحديد عن النصارى (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)[الحديد:27].

و«الرَهبانية»: بفتح الراء أصلها الرهبة، وتُضم؛ وهي بالضم «رُهبانية» تكون نسبة للرُّهبان، ولكن لماذا أُخذت من الرهبة؟ لأن مثل هذا المستوى من التقرُّب يكون باعثه شدة الخوف والرهبة وضعف الرجاء فيحمِل العابد نفسه على المشقات من شدة قرص الفَرَق والفزع.

وكان من ألوان وأنواع هذه الرهبانية ما يسمى «السياحة»، هذه عبادة في الأمم السابقة كانوا يتعبدون بها اسمها «السياحة» وهي: أن يأخذ العابد نفسه بالتواري في الأرض؛ يمشي في البرية لغير مقصد، ويصرف نفسه عن التماس الزاد ويتوكل على الله أن يرزقه عند الحاجة.

وقال «سفيان بن عيينة»: «إذا ترك الطعام والشراب والنساء فهو السائح»، وكما جاء النصّ القرآني في أن الرهبانية بدعة فقد جاءت الآثار عن أن السياحة بهذا المعنى بدعة أيضاً، وأنه لا سياحة في الإسلام بهذا المعنى الرهباني السابق كما جاء عن «طاووس» أنه قال: «لا سياحة في الإسلام»، وهذا الأثر عند عبد الرزاق في مصنفه.

وفي المرويات التي طاف «الخلال» الدنيا لجمعها عن الإمام أحمد وكان منها جزء عن (أحكام النساء)؛ سُئل الإمام أحمد عن الرجل يسيح يتعبّد أحبّ إليك أم المُقام في الأمصار؟ فقال الإمام أحمد: (ما السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين).

وسُئل الإمام أحمد أيضاً في نفس هذا الكتاب -في نفس هذا الموضع- قيل له: ما تقول في السياحة يا أبا عبد الله؟ قال: (لا، التزويج ولزوم المساجد).

ونبّه الإمام ابن تيمية أنَّ السياحة من أفراد الرهبانية فقال في «الاقتضاء»: (وأما السياحة التي هي الخروج في البرية لغير مقصد معين فليست من عمل هذه الأمة؛ وهي من الرهبانية المبتدعة)، فالسياحة من أجناس وأفراد الرهبانية المبتدعة.

«أبو عبد الله بن رُشيِّق» وهو أخص تلامذة ابن تيمية بمعرفة رسائله وخطِّه وكُتبه حتى أن الإمام «ابن كثير» كان يقول عنه: (كان أبصر بخط شيخ الإسلام ابن تيمية منه)، حتى أنه قد يستغلق على الإمام ابن تيمية أحياناً بعض المخطوطات التي كُتبت ويعرفها «ابن رُشيِّق».

فإنه لما جرد أسماء رسائل ابن تيمية لأنه سُئل عن ذلك فجرد أسماء رسائل ابن تيمية؛ ذكر له رسالة مفردة بعنوان: «قاعدة في السياحة ومعناها في هذه الأمة»، وهو في كتبه أشار مرارا إلى هذا المعنى، هل هذا كل شيء في هذا المعنى؟ هل يقتصر الأمر على أن الأمم السابقة كان فيهم رهبانية وسياحة وأن الله منع عنّا الرهبانية؟ لا طبعاً، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ما نهى عن شيء إلا وشرع لهذه الأمة ما هو خيرٌ منه:

·       فإن كان شراً شرع لنا ما هو ضده من الخير.

·       وإن كان خيرا اختلط بشرّ شرع لنا ما هو من جنسه بتخليص ما فيه من الشر.

             وهذه الرهبانية والسياحة التي كانت فيمن كان من الأمم ويعدونها أعلى مراتب الانقطاع إلى الله وأعلى مراتب الانصراف عن الغرائز ومدافعتها وقطعها؛ شرع الله لنا بدلاً عنها وهي: عبادة الصوم، واللطيف حقاً أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سمّاها «السياحة»، فإن الله جلَّ وعلا يقول في سورة التوبة: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)[التوبة:112].

وجماهير السلف على أن «السياحة» هنا في هذا الموضع هي: عبادة الصيام، وجاء فيها أحاديث مرفوعة وموقوفة ومقطوعة، بل إن ابن جرير الطبري على تبحُّره المعروف في نقل خلاف السلف في التفسير -وهذا أمر مشهور- ابن جرير الطبري من أخبر الناس بمقالات أهل العلم في التفسير ومن أنقل الناس لها، يحرص على نقل الخلاف في التفسير -خلاف أئمة السلف- لَمْ يَنْقُلْ في تفسير هذه الآية إلا هذا القول، ما نقل عن أئمة السلف في معنى السياحة إلا هذا القول أنها عبادة الصيام، وهو أن السائحين هم الصائمون، لكن ما علاقة السياحة بالصيام؟

إذا عرفنا الآن أن قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذه الآية في سورة التوبة «السائحون» أن معناها هم الصائمون:

فما علاقة «السياحة» بالصيام؟

ولماذا سُمِّيت عبادة الصيام بـ«السياحة» ؟ والتي نعرف أنه كان فيمن كان قبلنا من الأمم من كان يعمل بمثل هذه «السياحة» ونهى الله عنها، لماذا اختار الله أن يُعبِّر عن عبادة الصوم بـ«السياحة» ؟

يقول ابن عطية في تفسيره: (وشبَّه الصائم بالسائح من حيث ينهمل السائح ولا ينظر في زادٍ ولا مطعم، وكذلك الصائم يُمسك عن ذلك فيستوي هو والسائح في الامتناع وشظف العيش لفقد الطعام).

وقال «الأزهري» -من أئمة اللغة-: (قيل للصائم سائح؛ لأن الذي يسيح في الأرض مُتعبِّدا لا زاد معه، كان مُمسكاً عن الأكل والصائم يُمسك عن الأكل، فلهذه المُشابهة سمي الصائم سائحاً).

لعلك تلاحظ الآن أن تسمية الصوم بـ«السياحة»التي بلغت في الأمم السابقة غاية ما يكون من الانقطاع إلى الله؛ فيه إلماحة تشريفية بديعة لعبادة الصوم، وثمَّة عبادة أخرى شاركت الصوم في هذه التسمية وهي كما قال ابن تيمية في رسالته المفردة في المُفاضلة بين المرابطة والمجاورة لمَّا سُئل عنها؛ أفرد لها رسالة في المُفاضلة بين المُرابطة والمُجاورة وقال: (فُسِّرت السياحة بالصيام وفُسِّرت بالجهاد وكلاهما مرويٌّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

وهذا المعنى الشرفي الثاني للسياحة ليس هو موضع حديثنا هنا، وله محل آخر إن شاء الله، لكن المقصود أن نلتمس الدلالات والمغزى والمعنى من تسمية الشارع لعبادة الصوم بـ«السياحة»، فهذا ليس مجرد لقب عفوي، هذا فيه تشريف، فيه تعظيم، فيه تبجيل لعبادة الصيام.

وعلى أيّة حال؛ فإن مُتدبِّر القرآن إذا تأمّل :

·       كيف اختار الله للصوم اسماً شَرَفياً وهو «السياحة» وميَّزه عن بقية الشعائر بذلك.

·   وكيف اختار الله للصوم اسماً مُنفردا من أبواب الجنة فلم يسمِّي الباب باسم العبادة ذاتها كباب الصلاة وباب الصدقة ونحوها -كما مرَّ معنا في المجلس السابق- بل سمَّاه «باب الريان»؟! أدرك أن هذه التشريفات رسائل مؤثِّرة في ملأ القلب بعظمة هذه العبادة عند ربِّ العباد.

فكيف يقرأ المؤمن -بالله عليكم- هذه الرسائل التشريفية المتواطئة المتظاهرة على تأكيد هذا المعنى ويُفلِت من بين يديه استحضار الإخبات لله في هذه العبادة العظيمة؟ عبادة بلغت منزلتها هذه المنزلة:

-        في تشريعها.

-        في فضائلها.

-        في مناقبها.

-        في أسمائها.

فكيف يَفوت على الإنسان استحضار هذه المنزلة أثناء صومه؟.

وأما المعنى الثاني الذي سنتداوله اليوم أيضاً فهو بعنوان: «صنائع العبادة».

فرؤية الدم المسفوك مُستبشع للنفس البشرية، حتى أن الإنسان إذا عُرضت له صور القتلى على الشاشات أو في مواقع التواصل الاجتماعي وقد تلطّخت بالدماء ازورّت عينه عنها تلقائياً -عفوياً- لماذا؟ لأنها فعلاً مُستبشعة صور الدماء في النفوس البشرية.

ولكن دم الشهيد عند الله له منزلة أخرى، هذه الدماء المُلطَّخة على جسد وملابس الشهيد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتركها على حالها كما في البخاري عن جابر في قصة قتلى أحد أنه قال: «وأمر بدفنهم في دماءهم ولم يُغسَّلوا»، أبقى دماء الشهداء على حالها في ملابسهم وأجسادهم، برغم أن المؤمن الميِّت يُغسَّل، وشُرع له التغسيل، والتغسيل تكريم؛ لكن هذا تكريم فوق التغسيل، لماذا تركهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدماءهم؟

لأنه كما في البخاري عن أبي هريرة أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «كل كَلْمٍ يُكْلَمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها، -يعني كهيئة الجِراحة-إذ طُعنت تفجَّر دماً اللون لون الدم والعَرْف عَرْف المِسْك» يعني: الطيب أو الرائحة.

حسناً؛ إذا كان لون الدم المسفوك ورؤية الدماء المُتلطِّخة بالجِراحات تشمئز منها النفوس بطبيعتها البشرية فلماذا أبلغها الله هذه المنزلة الشريفة؟ فنهى عن غسلها وأتى بها يوم المحشر وهي تتضوَّع مِسْكاً يفوح بين الناس، لماذا؟ الجواب: لأنها أثر من آثار التعبُّد والطاعة والخضوع لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فبالله عليك انظر كيف تفعل الطاعة في آثارها؟ الله تعالى يُجِل من عبده أثر العبادة عليه، حتى لو كان هذا الأثر مما تَنْفِر منه النفوس البشرية؛ ومما هو من هذا الجنس أن الناس يحبون أن يعتمُّوا وأن يضعوا على رؤوسهم شيئاً من الزينة كعِمامة أو قُبّعة ونحوها، وكشف الرأس هو في الأصل خلاف الزينة العامة.

ومن أحسن الزينة أيضاً: الطيب والعطورات، ولذلك فإنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شرع في الحجِّ ألا يُغطِّي الحاج رأسه، وجعله من محظورات الإحرام، وهكذا نهى المُحْرِم أيضاً عن الطيب وجعله من محظورات الإحرام، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: «بينا رجلٌ واقفٌ مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (يعني: دقَّت عنقه) فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كفِّنوه في ثوبين ولا تُمِسُّوه طيباً ولا تُخَمِّروا رأسه فإنَّ الله يبعثه يوم القيامة مُلبياً».

المسلم إذا مات يُغطَّى رأسه ويُطيَّب، أما من مات وهو مُحْرِم فلا يُغطى رأسه ولا يُمسّ بالطيب، لماذا؟ لأن هذه آثار العبادة، والله يُحبها وإن كانت في النفوس البشرية أقل من ضِدِّها جمالاً لكنها عند الله أرفع؛ لماذا؟ لأنها «صنائع العبادة» على الإنسان، وهكذا في عِبادة الصوم، كما أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يحب بقاء آثار الشهيد من الدماء عليه ويحب أن يبقى الحاج في عدم تغطيته لرأسه وفي تركه للطيب فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لخلوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك».

هذا الأثر الذي يبقى على الصائم بسبب خلو الجوف أو خلو المعدة وهي هذه الرائحة المُستكرهة للنفوس البشرية؛ هي أطيب عند الله من ريح المسك.

وأما المعنى الثالث فهو: «التسلية باشتراك الفَرَضية».

فإنه حين أخبرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن فرض الصوم علينا زوَّدنا بمعلومة تاريخية فيها قدر زائد على مجرد الحكم بفرض الصوم، ولكن لها دَلالات ومغزى عظيم، فقد قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)[البقرة:183].

فقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)[البقرة:183]هذا حُكم وفرض وإيجاب وإلزام؛ ولكن لماذا أردف الله هذا الحكم بخبر عن تاريخ الأمم السابقة؟ لماذا قال الله: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)[البقرة:183]؟ هذه معلومة تاريخية، الإيجاب والفرض يكون بقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)[البقرة:183]، لماذا أردف الله هذا الحكم بهذه المعلومة التاريخية؟

هذا له دلالات: منها: أن الله تعالى يخبرنا بما يُسهِّل العبادة علينا، فإنّ الشاق إذا عمّ سَهُل، ففيه تسلية للقلوب، هذه الفريضة ليست تشديدا اختصَّت به هذه الأمة، بل هي عبادة يشتركون فيها مع الأمم السابقة، فليس فيها مشقة، فالشاق لا يَعُم، والآصار والأغلال حالات خاصة لدواعي زجرية خاصة، هذا فيه تقريب للقلوب لهذه العبادة، لكن هل معنى قول الله تعالى: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)[البقرة:183] أن التشبيه هنا يعني تماثل الفريضة بأن تكون كل الأمم فُرض عليها صيام شهر في السنة كما فُرض علينا؟.

 الجواب: لا، فإن التشبيه هنا هو في أصل العبادة لا في كميتها وكيفيتها، وهذا شائع في استعمال أداة التشبيه في لغة العرب وله أمثلة أيضاً في النصوص الشرعية:

·   ومنها مثلاً: أن ابن القيِّم في «جلاء الأفهام» لمَّا تحدَّث عن مسألة تشبيه الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصلاة على إبراهيم كما في التشهد: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم».

هنا ورد سؤال عند كثير من أهل العلم: كيف تُشبَّه الصلاة على النبي محمد  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالصلاة على إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برغم أن محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل من إبراهيم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ابن القيِّم ذكر هذا المثال وبين طبعاً بمناقشات طويلة وكان من ضمنها أنه ذكر هذا المثال، وهو قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة:183]، ثم قال ابن القيم: «التشبيهُ هنا إنما هو في أصل الصوم لا في عينه وقدره وكيفيته».

·   وهذا أيضاً مثل قول الحق تبارك وتعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ ) [النساء:163] فالتشبيه هنا بأصل الوحي وليس معناه أنَّ ما أوحي إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو عينه أو قدره أو كيفيته أو كميته الذي أوحي إلى الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام.

ومن المغزى الدقيق أيضاً في هذه الآية (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)[البقرة:183]: إثبات أن عبادة الصوم من العبادات الكُبرى ومن أمهات الطاعات، لماذا؟ لأنها اشتركت فيها الشرائع، وهذا يعني شِدة مناسبتها لكل زمان ومكان، وهذا يعني أيضاً كمال مناسبة عبادة الصيام للنوع الإنساني والفِطرة البشرية وانتفاعها بها، وإلا لما جعلها الله من الشرائع التي تشترك فيها الأمم الموحى إليها.

فإذا استحضر المؤمن حال الصيام حُبّ الله لهذه العبادة حتى أنه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شرعها لكل الأمم السابقة امتلأ قلب المؤمن بالواردات الإيمانية والإخبات لله في هذه الطاعة لأنه سيُعظِّمها لعظمتها عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

 

هذه بعض المعاني في هذا «المجلس الرابع»، والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل