المغزى الرمضاني - المجلس الثالث - إبراهيم السكران

المغزى الرمضاني - المجلس الثالث - إبراهيم السكران

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأرحب بكم مجددا أيها الإخوة الفضلاء ونواصل بإذن الله المجالس التي اتفقنا أن نُسمِّيها: «المغزى الرمضاني».

قد سبق لنا في المجلسين السابقين أنْ تناولنا:

- الكفارة السنوية وأن رمضان كفارة سنوية.

- وتفسير توارد المُكفِّرات.

- ونمط التعريف القرآني للصيام.

- ومعدودية رمضان.

- والعلاقة المُتبادلة بين شرف العمل وشرف الزمان.

- وتناولنا أيضاً: أسرار الإضافة الإلهية للصيام في الحديث القدسي الذي قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيه: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».

- توقفنا أخيراً عند تلك المَنْقَبة العظيمة وهي: ما فوق السبعمائة من الثواب للصيام.

نُكمل اليوم -بإذن الله- في هذا «المجلس الثالث» ونتناول فيه أربع إشارات ومعطيات نتدارس وإياكم معناها ودلالاتها ومغزاها، أيضاً هي تتعلق بشهر رمضان وهي:

1-خصوصية المدخل في الجنة.

2-ومشهد الإغلاق.

3-وأمارة التأهُّب.

«خصوصية المدخل في الجنة»: المؤمنون جميعاً -إن شاء الله- يعملون العمل الصالح يريدون به الوصول إلى الجنة والسلامة من النار، طريق ذلك: هو العمل الذي هو شُعب الإيمان، فهذه الأعمال الصالحة من شُعب الإيمان كما أخبرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال: «الإيمان بضعٌ وستون شُعبة» وهذا لفظ البخاري، وبالمناسبة «البخاري» اختار هذا اللفظ؛ فيه اللفظ الآخر الذي هو «بضعٌ وسبعون شعبة» وهذا في صحيح مسلم -لفظ مسلم- اختاره البخاري لسبب إسنادي دقيق في اختلاف الرواة على «عبد الله بن دينار»، حتى أن ابن حجر لمَّا ناقش الاختيار قال: (وبهذا يتبين شُفوف نظر البخاري)، وهي مسألة إسنادية جاء الكلام عنها عَرَضاً وليس هذا موضع استعراضها ويمكن مَنْ يريد الاستزادة الرجوع إلى شُروحات الصحيح.

العلماء رحمهم الله تنافسوا في عدِّ شُعَب الإيمان، النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «الإيمان بضعٌ وستون شعبة» فما هي هذه الشعب؟ تنافسوا في تأليف مؤلفات، كان من أوائل من ألّف فيها أحد أئمة الشافعية اسمه: «أبو عبد الله الحَليمي» وقد كتب فيها كتاباً جيداً لكنه على طريقة الفقهاء، عَقَد فيه الأبواب واستعرض الشُعب وتكلَّم أيضاً في مداخل عن بعض معاني الإيمان وإن كان داخلَه شيء من التمشعُر.

لكن جاء بعده «البيهقي» وأثنى ونوّه بكتاب «الحليمي» وسار على طريقته بصورةٍ عامة لكنه صاغه على طريقة أهل الحديث بالأسانيد، عَقَدَ تلك الأبواب في شُعب الإيمان وساق أحاديثها وآثارها بالأسانيد؛ وهو أوعب كتاب رأيته؛ وفيه عجائب الحقيقة من الأحاديث والآثار والأسانيد؛ كتاب «البيهقي» هذا الذي هو «شعب الإيمان».

هذه الشعب الإيمانية كلها طرائق إلى الجنة ودروب إلى دار السلام، وهذه الجنة التي يريد المؤمنون الوصول إليها لها أبواب، فأخبرنا الشارع أن أبوابها ثمانية؛ كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «في الجنة ثمانية أبواب».

وهذه الأبواب جاء في النصوص الشرعية شيء من الحديث عن:

·       صفاتها.

·       وفَتْحِها.

·       والملائكة الذين عليها.

وهي أخبار تُحرِّك قلب المؤمن للقاء الله والدار الآخرة.

فمثلاً من الأحاديث التي جاءت؛ ونحن في هذه الدنيا: أنها تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، من باب حثّ المؤمنين على الأعمال الصالحة كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال «تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيُغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا».

وأما في الآخرة: فأول من يُفتح له باب الجنة فهو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يَطرُق باب الجنة -كما في صحيح مسلم- من حديث أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول خازن الجنة: مَنْ أنت؟ فأقول: محمد؛ فيقول: بك أُمرت ألا أفتح لأحدٍ قبلك» وأما المؤمنون بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنهم إذا أتوا إلى هذه الأبواب:

·       تفتحها الملائكة.

·       وتستقبلهم الملائكة.

·       وتحييهم بسلامة الوصول كما قال اللهسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)[الزمر:73].

هذه تحية الملائكة للمؤمنين الذين عَمِلوا بهذه الشعب الإيمانية العظيمة حتى بلغوا أبواب الجنة.

نحن نُريد اليوم أن نتأمَّل العلاقة بين شُعَب الإيمان التي هي دروبٌ وطرائقٌ إلى الجنة ودار السلام وبين أبواب الجنة، أبواب الجنة ثمانية وشعب الإيمان بضع وستون.

الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اختار لهذه الأبواب أسماء من أشرف هذه الشعب الإيمانية، أمهات الطاعات اختار أن تكون هذه الأبواب مُسمَّاة باسمها، فكل طاعة وعبادة سُميَ باسمها بابٌ من أبواب الجنة؛ صار هذا دَلالة على تشريف تلك العبادة، لا يمكن أن يختار الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لبابٍ من أبواب الجنة اسم من أسماء العبادات ولا يكون هذا شرف لها.

اليوم مثلا نحن ننظر في الأبواب التي توجد مثلا في المساجد التي تُسمَّى بأسماء الملوك والسلاطين يتشرَّفون بذلك؛ فكيف بأبواب الجنة التي تُسمَّى بأسماء العبادات؟ بغض النظر طبعاً عن شرعية تلك الأسماء من عدمها، نحن نتكلم في قياس فقط ليُقرِّب الصورة إلى الفضائل المرتبطة بالتسميات.

تُفتح هذه الأبواب عند وصول المؤمنين كما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)[الزمر:73] وكُلُّ بابٍ من هذه الأبواب سُمِّيَ باسمٍ من أمهات الطاعات، وكان هذا أيضاً تشريف له، هذه الأبواب الذي نجزم بأسمائه؛ خمسة أسماء لهذه الأبواب وهي التي جاءت في الصحيحين، جاء للثلاثة المتبقية أسماء أخرى لكنها خارج الصحيحين وفيها كلام في أسانيدها.

من هذه الأسماء الأربعة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الحديث السابق: «فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة» هذه الآن أربعة أسماء.

«باب الصلاة»، «باب الجهاد»، «باب الريَّان»، «باب الصدقة»، فاسمٌ لعبادة الصلاة واسمٌ لعبادة الجهاد واسمٌ لعبادة الصدقة واسمٌ لعبادة الصيام.

الاسم الخامس: هو الذي جاء في الصحيحين في حديث الشفاعة أنه يقال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا محمد ارفع رأسك وسل تُعطى واشفع تشفع، فيقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرفع رأسي وأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة؛ وهم شُركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب».

فهذه صفة الباب الخامس التي نعرفها من حيث المعرفة أقصد التي هي: «بابٌ للمؤمنين الذين لا حساب عليهم ولا عذاب»، أما أسماء الأبواب الأخرى الثلاثة فقد جاءت خارج الصحيحين إشارات لها.

يعني مثلا في كتاب «صفة الجنة» لابن أبي الدنيا روى أن أحد الأبواب هو «باب للواصلين» يعني: أصحاب صلة الرحم، لأنها عبادة من أعظم العبادات، وجاءت أسماء أخرى، وفي المسند أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لكل أهل عمل بابٌ يُدعون بذلك العمل»، لكن عامَّة هذه الأحاديث الحقيقة إما مراسيل أو موقوفات أو أحاديث ضعيفة قد لا يكون الإشكال في إسنادها لكن ليس فيها دلالة على تسمية الباب، يعني تذكر أن هذا العمل باب للجنة لكنه ليس صريحاً في أنه هو اسم الباب.

فهذه التسمية الآن تسمية «باب الريَّان» تخصيص باب من أبواب الجنة للصائمين لا شك أنه شرف ومنزلة عظيمة لعبادة الصيام، فالإنسان إذا كان في حال الصيام في الظهر، في العصر ينتظر الإفطار، يتسحَّر ليصوم، ليتذكَّر أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خصَّص باباً من أبواب الجنة الثمانية لهذه العبادة.

بالله -يا إخوان- كيف سيكون أثر هذا التصوُّر؛ وأثر هذا الاستشعار على نفس المؤمن وهو يصوم ويتذكَّر أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خصَّص باباً من أبواب الجنة للصائمين؟ومعنى تخصيص الباب للعبادة:

·       إما أن تكون هذه العبادة غلَبت على المؤمن وأكثرَ منها.

·       أو أن يكون من اتقى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذه العبادة وأتى بها بكمالها؛ فيكون من أهل هذا الباب.

 

ننتقل الآن إلى معنى آخر أو إشارة أخرى وهي التي ذكرنا قبل قليل عنوانها وهي: «فَرادة التسمية».

 لعلكم لاحظتم أن كل الأبواب التي جاءت أسماءها في الصحيحين قبل قليل سُميت باسم ذلك العمل إلا الصوم، كل الأعمال سميت باسم العبادة، باب الصلاة سُميَ بعبادة الصلاة، باب الجهاد عبادة الجهاد، باب الصدقة عبادة الصدقة، إلا ماذا؟ إلا باب الصيام ما سُمِّي باب الصيام، سُمِّي «باب الريَّان» وإن كان جاء في آثار أخرى أنه سُمِّي «باب الصيام» لكنه أيضاً سُمِّي «باب الريَّان»، فهذه فرادة في التسمية، وهذه الفرادة لها دلالات.

أُعيد عليكم الحديث -الذي قبل قليل- قال: «فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة».

و«الريَّان»: على وزن فَعلان من الرِّي وهو نقيض العطشان، فلاحظ أنه روعي فيه مناسبة بين العمل والجزاء، يعني الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اختار اسماً لعبادة الصيام؛ الاسم نفسه يوحي بالجزاء والثواب، الاسم نفسه دال على كمال الثواب للصائم، رُوعي في اسم الباب الخاص بالصائمين الإيحاء بثوابهم، وهذا من كمال التنعيم الحِسِّي والمعنوي، هذا من كمال التنعيم، الاسم نفسه -يا إخوان- يُبرِّد جوف الصائمين، لمَّا يعلم المؤمن وهو صائم أن الباب الذي خُصِّص لعبادة الصيام اسمه «باب الريَّان»، ذَكَر الرِّي واقتصر به عن الجوع لأنه أغلب ما يكون على الصائم هو إحساسه بالعطش.

ننتقل إلى المعنى الثالث أو الإشارة الثالثة: وهي «مشهد الإغلاق».

لا شك أن المعاني التي تناولناها قبل قليل وهي:

·       أن الله جلَّ وعلا خصَّص باباً من أبواب الجنة للصائمين.

·       وأن اسم هذا الباب كان فيه فَرادة حيث سُمِّي «باب الريَّان».

لكن الحقيقة من أكثر الأمور تأثيراً في هذا الحديث هو: مشهد إغلاق الباب، والله -يا إخواني- أنه مؤثِّر سواءً للشخص لمن كتب الله له أن يدخل مع هؤلاء الصائمين أو من حُرم -ولا حول ولا قوة إلا بالله من هذا الدخول- الحديث مؤثِّر، ففي البخاري عن سهل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إن في الجنة باباً يقال له الريَّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة؛ لا يدخل منه أحدٌ غيرهم يُقال أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم» -تأكيد من جديد- ثم يقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فإذا دخَلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد»، «فإذا دَخَلوا» يعني: الصائمين؛ دخلوا باب الريَّان «أُغلق»: الباب «فلم يدخل منه أحد»، بالله عليك تخيَّل ذلك الباب العظيم «باب الريَّان» يُغلق ويُقفل على وقعِ آخر خُطى صائمٍ يَلِجُ منه، والله مشهد مؤثِّر؛ سواءً كان:

·       ذلك الشخص الصائم الذي أدخله الله من ذلك الباب ورآه يُغلق خلفه.

·       أو ذلك الشخص الذي كان ينتظر الثواب لكنه حُرم من الدخول من «باب الريَّان».

هذا يدعو المؤمن إلى:

1-أن يتَّقي الله في صيامه حتى يتقبَّله الله منه.

2-ويدعو المؤمن أيضاً أن يُكثر من الصيام وأن تَغْلِب عليه عبادة الصيام.

v  آخر معنى من المعاني التي نُريد أن نتناولها اليوم هي ما يمكن تسميتها: «أمارة التأهُّب».

ففي الصحيحين في ذِكر قصة غزوة تبوك قالوا: أنه غزى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، ولذلك لم يَعْذُر أحدا الحق تبارك وتعالى بل استنفر الناس كلهم، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا)[التوبة:41]، ما عَذَر أحدا، طلب الجميع أنه ينفر، (وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[التوبة:41]، ثم ذكر المنافقين وغيرهم ممن أراد أن يستأذن وتبلَّد حِسُّه وتملَّص من المشاركة في هذه الغزوة التي استنفرَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيها الناس كلهم، لما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعذارهم قال: (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)[التوبة:44-45]، ثم ردَّ الله على حُجَّتهم وعُذرهم بأن بيَّن شيئاً من حالهم يكشف أصلاً انعدام الصدق في إرادة الجهاد والغزو مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)[التوبة:46]والله هذه حُجَّة تستكشف أعماق وأغوار النفس (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)[التوبة:46]، لكنهم ما أعدُّوا العدة؛ دلَّ على ماذا؟ دلَّ على أن القلوب لم يكن فيها عزيمة أصلاً على الجهاد ولم يكن فيها قصد للجهاد.

هذه الآية (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ)[التوبة:46]، لا تختص بباب الجهاد فقط بل فيها معنى عام، لذلك كان علماء السلوك الإسلامي يستشهدون بها في كثير من العبادات في العلم والعمل، يعني: مثلاً ابن القيِّم في «مفتاح دار السعادة» أنتم تعرفون أن ابن القيِّم في «مفتاح دار السعادة» عقد فصول طويلة جدا في المقارنة بين العلم والمال والمفاضلة بينهما والاحتجاج لفضل العلم على المال ومن ضمن ما قرَّره في تلك الفصول الطويلة قال: (أن العلم هو عُدَّة السفرِ إلى الله) ثم استشهد بقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)[التوبة:46]أن العلم هو عُدَّة السفر إلى الله.

 ثم قال: (ومن أراد شيئاً هيَّأ له عُدَّته)، هذا هو المعنى العام المُستنبط من هذه الآية، (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)[التوبة:46]ولذلك الآن الإنسان المُقبل على رمضان يبحث ما في نفسه:

هل القلب مُمتلئ بالعزيمة على الصيام؟

هل القلب مُمتلئ بالعزيمة على تقوى الله في الصيام؟

 هل القلب مُمتلئ بالعزيمة والنية والجِدِّية في قيام الليل واستثمار ساعات رمضان في القرآن؟ (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)[التوبة:46].

 لا بد أن تظهر آثار على النفس البشرية، يعني: مثلاً: من آثارها أنَّ الإنسان الصادق في استثمار ساعات رمضان تجده مهموم قبل رمضان يُريد أن يُقلِّل الصوارف قدر الإمكان ويَخْلُص منها ويُنهيها قبل رمضان لِمَ؟ يريد أن يتفرغ للعبادة في رمضان، والإنسان غير المهتم تجده ربما -والله المستعان- يعني: تجده قبل رمضان ربما يُعِدّ الاستراحة للسَهرات أو الألعاب أو يفكر في برامج ومسلسلات رمضان، شتّان بين الاثنين.

ولذلك الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً)[التوبة:46]فالإنسان الذي يريد شيئاً يُهئ له عُدَّته، ولا يليق أن يُقبل علينا هذا الشهر الكريم والقلوب غافلة لاهية، غير مكترثة غير عابئة، لا بد الآن القلوب يتحرَّك فيها الشوق إلى شهر رمضان، فهذا دليل على الصدق في إرادة عبادة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذا الشهر الكريم.

 

هذه بعض المعاني وهذا هو المجلس الثالث، ولعلنا نلتقي بكم قريباً إن شاء الله في المجلس الرابع من هذه المجالس عن «المغزى الرمضاني»، وفَّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل