المغزى الرمضاني - المجلس الثاني - إبراهيم السكران

المغزى الرمضاني - المجلس الثاني - إبراهيم السكران

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد:-

كنا تناولنا في المجلس الأول بعض المعاني والإشارات الرمضانية، وكنا نبحث ونتدارس مغزاها ودَلالاتها، فمررنا مثلاً من المعاني السابقة في المجلس الأول: مررنا بـ«الكفارة السنوية الرمضانية».

·       وأيضاً تفسير توارد الكفَّارات أو المُكفِّرات اليومية والأسبوعية والسنوية.

·   وأيضاً تناولنا كيف عرَّف القرآن رمضان؟ وكيف وصفه بأخصّ الخصائص؟ أنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.

·       وتناولنا معدودية رمضان.

·       وأيضاً أشرنا إلى العلاقة بين شرف العمل وشرف الزمان.

سنتناول في هذا المجلس الثاني من مجالس «المغزى الرمضاني» إشارات أخرى وهما إشارتان:

الإشارة الأولى: هي «أسرار الإضافة الإلهية».

والإشارة الثانية: يمكن تسميتها «ما بعد السبعمائة»أو«ما فوق السبعمائة».

في كل الشعائر العظيمة جاءت نصوص شرعية جليلة في فضلها وثوابها ومنزلتها عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لكن جاء في عبادة الصيام فضيلة ومنقبة وتعبير عن منزلة الصوم لم يأتي مثله في كل العبادات الأخرى؛ حتى إنه من فرادة هذا التعبير حارت في تفسيره أنظار كثير من العلماء وهي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيحين: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» .

ما المراد بهذا المعنى؟

ما المراد بكون كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟

يعني: هل المراد أن الصوم هو العبادة الذي يُعمل لله؟ طبعاً هذا أكيد معنى مُستبعد لأن كل العمل الصالح يُعمل لله وإلا لبطل.

طيِّب؛ هل المراد أن الأعمال الصالحة يقع للعبد فيها نوع انتفاع أو ثواب دنيوي؟ يعني: مثلاً الصلاة والمناسك حركة ينتفع بها البدن، الزكاة تُطهِّر المال وتُنمِّيه، بخلاف الصوم مثلاً فإنه فقط «لله» يعني: ليس فيه أي نوع من الحظ الدنيوي؟ لا يمكن أن يكون هذا هو المعنى؛ لأن الصوم ينتفع به البدن فهو من جنس الحِمية؛ من أعظم الانتفاع مثلاً البدني للصوم أنه يطرد السموم من البدن، هو كغيره من أصناف العبادات التي يقع فيها نوع انتفاع للعبد في الدنيا.

طيِّب؛ هل المراد أن الصيام لمَّا قال الحق تبارك وتعالى -هذا حديث قدسي- الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول:«كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» إذم: هل المراد أن الصيام هو الذي يجزي به الله لأنه قال: «وأنا أجزي به»؟ هل المراد هو الذي يجزي به؟ لا طبعاً، لا يمكن أن يكون هذا المعنى لأن كل العبادات والأعمال الصالحة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي يجازي عليها؛ لا اختصاص بمسألة كأصل الجزاء.

هل المراد أن الصيام أفضل الأعمال لأن الله يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي»؟ هل هذا دليل على أن الصوم أفضل الأعمال؟ أيضاً لا يمكن أن يكون هذا الجواب؛ لماذا؟ لأنها تواطأت واستفاضت النصوص على أن الصلاة هي أفضل الأعمال، «واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة».

طيِّب؛ هل المراد أن كل الأعمال الصالحة الأخرى وقع أنه عُبد بها غير الله؟ يعني: فسُجد للأوثان وطيِف على الأضرحة وتُصدِّق للطواغيت لكن لم يقع مثلاً الصوم لغير الله، هل هذا هو المعنى في هذا التقابُل أنه «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي» هل هذا هو المعنى؟

 أيضاً لا يمكن أن يكون هذا المعنى لأن الثابت في تاريخ الملل والنِحل أن الصابئة أصحاب الكواكب والهياكل كانوا يصومون لها، إذن ما المعنى؟ ما معنى «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»؟

وهذا حديث عظيم، يعني: العلماء حين يتناولون الصيام يُعظِّمون شأن هذا الحديث لأنه واضح فيه الكِناية عن تعظيم شأن الصيام، حتى أن الإمام البخاري لما استفتح «كتاب الصوم» وضع هذا الحديث في بدايات الكتاب، والإمام ابن رجب لما كتب كتابه «لطائف المعارف» كان يضع فصول لكل موسم من مواسم العام فيه العبادات يضع له فصل، الفصل الذي وضعه للصيام؛ أول شيء افتتح به هو هذا الحديث، وذكر الأقوال الممكنة في تفسير هذا الحديث.

 فما معنى قول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»؟ ما معنى وما مُراد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بهذا التقابل؟

 في القرن السابع كان فقيه الشافعية المشهور «أبو الخير الطالَقاني» وهو من علماء القرن السادس لأنه توفي سنة (590هـ) وهو مولود في «قزوين» لكنه قَدِمَ إلى «بغداد» وصار مُقدَّم الشافعية في «بغداد» وشيخهم وإمامهم وكان يعظ ويخطب ويدرِّس في «بغداد» وله قصة معروفة مشهورة رواها عنه أبو أحمد بن سُكينة أنه قال: لما أظهر ابن الصاحب -يقصدون فيه: هبة الله مجد الدين بن الصاحب- لما أظهر الرفض ببغداد لأنه كان والي، يقول أبو أحمد هذا: أنه جاءني القزويني ليلاً فودّعني وذكر أنه مُتوجِّه إلى بلاده -سيرجع من بغداد وهو المُعظَّم من أئمة الشافعية في بغداد؛ وبغداد دار العلم؛ وأخبرهم أنه سيرجع إلى قزوين- فقال له أبو أحمد: أنت ها هنا يا أبا الخير ينتفع بك الناس كيف تذهب إلى قزوين؟ فقال: معاذَ الله أن أُقيم ببلدة يُجهر فيها بسبِّ أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم خرج من بغداد إلى قزوين، فكان هذا آخر العهد به، هذه القصة ينقلونها الشافعية في طبقات التي يترجمون فيها لأئمتهم.

«أبو الخير الطالقاني» هذا ألَّف كتاب اسمه «حظائر القدس» يتّضح من ذلك أنه ألَّفه على الاستقصاء وذكر فيه معاني؛ يعني: منها مثلاً: أنه ذكر لرمضان ستين قولاً؛ وتعرَّض لهذا الحديث وما هو معناه، ما معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أن الله تعالى قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»؟.

 فأخذ يستقصي «أبو الخير الطالقاني» هذا كل ما ورد عن أهل العلم من قولٍ في تفسير هذا الحديث حتى أوصلها إلى خمسٍ وخمسين قولا، وطبعاً قد يستغرب البعض من وصولها إلى هذا العدد، والحقيقة ذِكر وتعديد الأقوال له انعجام عند أهل العلم:

المنهج الأول: هو منهج التحصيل.

والمنهج الثاني: هو منهج التفصيل.

منهج التحصيل: هو الذي يتأمل القدر المشترك بين الأقوال ويُرجع حاصلها إلى قولين ثلاثة أربعة.

منهج التفصيل: هو الذي لا يُراعي القدر المشترك، لا يُراعي اتِّحاد الجهة، أي اختلاف في جهة من الجهات يُشعِّب التفصيل ويذكره قولاً، وهذا كثير، يعني: مثلا ابن حجر لما تعرَّض لـ«ساعة الإجابة يوم الجمعة» بلغت أربعين قولاً أو ثلاثة وأربعين قولاً، وكثير من هذه الأقوال تتداخل، لكن هذا منهج في عدِّ الأقوال وذكر الأقوال.

على أيّة حال «أبو الخير الطالقاني» بلغت عنده خمسة وخمسين قولا، وقد تحدَّث العلماء عن كتابه هذا وعن الأقوال التي ذكرها، وذكر ابن حجر أيضاً في «الفتح» لما تعرَّض قال: إن أبا الخير ذُكر أنه بلغت عنده أعداد كبيرة معنى تفسير هذا الحديث لكنه ذكر ابن حجر أنه لم يقف ذلك، ثم جاء السيوطي لاحقاً ونقل كلام ابن حجر وذكر أنه وقف على الكتاب، أشار له في حواشيه على السُنن لكنه نقل منه صراحة في حاشيته على «سنن ابن ماجة»، فهذا كتاب «أبو الخير الطالقاني» وهذه هي الأقوال تقريباً التي وصلت إلى خمسٍ وخمسين قولا.

 نحن لن نتتبع هذه الأقوال، يعني ربما ذكر ابن حجر منها عشرة وناقشها وذكر كل قول ودليله وما يعضده وما يعارضه، نحن سنختار الأقوال الأساسية التي هي الأقوال الثلاثة المروية عن أئمة السلف، هذه المنقبة والفضيلة العظيمة جداً لشهر رمضان التي لم تَرِد في أي عبادة أخرى، قولان مرويان عن الإمام سفيان بن عيينة؛ وقولٌ ذكره الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام أحد كبار أئمة الحديث والسنة في عصره؛ ذكره في كتابه «غريب الحديث».

القول الأول: هذا قول سفيان بن عيينة الأول: أن كل الحسنات توفّى منها مظالم العباد يوم القيامة ويُقتصّ منها إلا حسنات الصيام.

فقد روى البيهقي في «السنن الكبرى» قال: عن أيوب بن حسَّان الواسطي قال: سمعت رجلاً سأل سفيان بن عيينة فقال: يا أبا محمد ما يرويه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه عزَّ وجل أنه قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، يعني: واضح أنه يسأل عن معنى هذا الحديث، فقال ابن عيينة: (هذا من أجود الأحاديث وأحكمها-يعني: أنه ليس فيه إشكال في معناه- إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عزَّ وجل عبده ويؤدِّي ما عليه من المظالم من سائر عمله، يعني: يقتص من حسناته كلها ليوفِّي فيها مظالم العباد إلا الصوم، فيتحمَّل الله عن العبد ما بقي عليه من المظالم ويُدخِلُه بالصوم الجنة).

يقول سفيان: أن هذا هو المعنى؛ أن الحسنات كلها للعبد يوفّى منها مظالم العباد له إلا الصوم فإنه يتحمَّل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تلك المظالم عن العبد ويُدخِلُه بالصوم الجنّة، فهذا هو المعنى الذي كان يراه سفيان بن عيينة، ما مدى قوة هذا القول أو هذا التفسير أو هذا التوجيه؟ هذا القول له قوة، فالبخاري روى في صحيحه حديث عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الله جل وعلا أنه قال: «لكل عملٍ كفَّارة والصوم لي وأنا أجزي به».

 فهذا يوحي أن الصوم لم يدخل في الحسنات التي توفَّى بها مظالم العباد، وإن كان ليس هنا استثناء، لم يقل الله (لكل عمل كفارة إلا الصوم) لكنه ورد في الروايات الأخرى لكن الذي في الصحيح كافي، هذا واضح فيه الاستثناء أن الصوم لم يدخل فيما سبق.

قال القرطبي رحمه اللهعن هذا القول: قد كنت أستحسن هذا الجواب إلى أن فكَّرت في حديث المُقاصَّة فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال المذكورة، «حديث المُقاصَّة» تعرفونه الذي هو «حديث مَنْ المفلس» لمَّا قالوا: يا رسول الله من المفلس؟ فقال: «المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا -وفي الحديث- فيؤخذ لهذا من حسناته ولهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من سيئاتهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار» القرطبي كان يقول: ظاهر هذا الحديث أن الصيام اشترك مع بقية الأعمال، هذا يعني أن الصيام لم ينفرد في أن حسنات الصيام لا توفى بها مظالم العباد ولا يقتص بها لمظالم العباد، هذا يُشكل على قول سفيان بن عيينة.

القول الثاني: أيضاً مروي عن سفيان بن عيينة قال: (كل الأعمال كُشف للعباد فيها مقدار التضعيف إلا الصوم فإن ثوابه انفرد الله بمعرفته)، وهذا أيضاً قول وتوجيه قوي؛ لكن له معنى أو يتّصل بفقرة أخرى سنتعرض لها بعد قليل، هذان قولان مرويان عن الإمام سفيان بن عيينة.

القول الثالث قاله الإمام أبو عُبيد -وهو من أهل الحديث وله خبرة باللغة في كتابه «غريب الحديث» وهو من أقوى الأقوال وأجود الأقوال-: أن معنى هذا الحديث أن الصوم هو أقرب الأعمال للخلوص من الرياء، كيف؟ الآن عامة الشعائر والأعمال الصالحة تكون بفعل الجوارح، يعني: الآن لما يريد الإنسان أن يصلي؛ يسجد يركع تكون بفعل الجوارح، يريد أن يقوم بالمناسك عمرة حج يكون فيها طواف وسعي والوقوف بعرفة، كلها فيها أعمال جوارح، يريد أن يتصدق يمد يده، يخرج من ماله فيرى الناس هذا العمل بفعل الجوارح فيكون مظنّة لالتفات القلب إلى الناس لتسرُّب شيء من الرياء، الأعمال تكون بهذه الأفعال والأقوال، لكن الصوم إمساك، مجرد الفعل نفسه لا يعلم الناس فيه أنك في عبادة ما لم تخبرهم، لكن مجرد الفعل نفسه ليس فيه رياء، لذلك الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال في هذا الحديث القدسي «إلا الصوم فإنه لي» يعني: أنه أقرب الأعمال للخلوص من الرياء هو الصوم، حتى كان أبو عُبيد يقول: (الأعمال كلها لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم خاصة، الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل)، وكانوا يقولون أيضاً في تقرير هذا المعنى: «حال المُمْسِك شَبَعاً مثل حال المُمْسِك تقرُّباً».

يقصدون: في الصورة الظاهرة «حال المُمْسِك شَبَعاً مثل حال المُمْسِك تقرُّباً» لأن الإنسان قد يمسك عن الطعام مثلا لشِبَع أو يريد مثلاً أن يبتعد عن التُّخمة، لحمية، لفقر وفاقة، فأسباب الإمساك عن الطعام كثيرة فلا يتطرَّق للناس والقريبين والمشاهدين أن هذا صائم، لكن المصلي يتَّضح، المعتمر، الحاج، المتصدق يتَّضح، هذا هو القول الثالث وهو قول أبو عُبيد وهو من أقوى الأقوال.

هذه هي الثلاثة الأقوال في مسألة تفسير هذه الفضيلة والمنقبة العظيمة لعبادة الصيام التي نحن مُقبلون عليها الآن، نحن مقبلون يا إخوان على هذه العبادة التي قال الله جلَّ وعزّ عنها في هذا الحديث القدسي منقبة وفضيلة ما جاءت لأي عبادة أخرى أن الله يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي».

يضيفه الله جلَّ وعلا إلى نفسه، فلذلك إذا تذكَّر العبد قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27]، اجتهد في أن يتّقي الله في صيامه لأنه بقدر تقوى العبد لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في هذا الصيام بقدر ارتفاع درجة هذا الصوم عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فبقدر ما يُحصِّل من هذه الفضيلة العظيمة حين أضاف الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذا الصيام إلى نفسه، هذه هي المسألة الأولى التي نتناولها في هذا «المجلس الثاني» من مجالس «المغزى الرمضاني».

 

المسألة الثانية هي: -التي اتفقنا قبل قليل على أن نُسميَها- «ما بعد السبعمائة».

القاعدة في تضعيف ثواب الأعمال: أنها تكون من عشر حسنات إلى سبعمائة حسنة، هذا من كرم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الجواد جلّ وعلا أنه يضاعف للعباد الحسنات، يعمل الإنسان عمل صالح فيضاعفه، مثلاً قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في التضعيف العَشري: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)[الأنعام:160]، يعمل الإنسان العمل فيضاعفه له جلّ وعلا إلى عشرة أضعاف ثواباً، جاء في التضعيف إلى السبعمائة قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في مَثَلٍ من أمثال القرآن وطريقة القرآن في التعبير وفي الدَلالة هي: ضرب الأمثال؛ قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ)[البقرة:261].

الله جلّ وعلا يضاعف للعباد من الحسنة الواحدة يضاعفها من عشر إلى سبعمائة حسنة، أما الصيام فإنَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أخفى عنّا مقدار التضعيف، وهذه والله منزلة عظيمة جدا، يمتلئ القلب دهشة وانبهار لهذه العبادة العظيمة، في الحديث في الصحيحين وهذا لفظ مسلم: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف»، «قال الله عزَّ وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» فعبادة وعدنا الله جل وعلا أنه يضاعفها لنا إلى ما فوق السبعمائة ضعف، اليوم الواحد نصومه أجره أكثر، ليس فقط مثل، أكثر من أجر صيام سبعمائة يوم، هذا ثواب عظيم، الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يبين لنا مقدار التضعيف لِمَ؟ ليدلنا على أن الأنباء الواسعة فسيحة لمضاعفة الثواب لا تُحصر ولا تعد وهو الكريم سبحانه.

هذا الذي يقوله الجواد سبحانه؛ الذي ضاعف بقيّة الأعمال من عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، ولماذا؟ أهل العلم يلتمسون أن معنى هذا هو بسبب أن الصوم أصله هو عبادة الصبر، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر:10].

بغير حساب؛ شعيرة الصوم هي عبادة الصبر فأجرها بغير حساب، بل كان أهل العلم إذا تكلَّموا عن تفسير هذه الآية جعلوها هي عبادة الصوم، وقد تكون أيضاً هي من باب ضرب الأمثال، لأن تفسير السلف كثير منه على طريقة ضرب الأمثال.

فنحن الآن مُقبلون على عبادة عظيمة أضافها الله إلى نفسه، فقال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» وأخبرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الجواد أن تضعيف ثواب هذه العبادة يتجاوز السبعمائة ضعف، فقال: «كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، فالله الله يا إخوان ألا تفوتنا هذه العبادة العظيمة، ألا يفوتنا أن نتقي الله في الصيام، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27].

 

أسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبلغنا وإياكم شهر الصيام؛ وأن يعيننا على أن نتقي الله في هذا الصيام وأن نصومه إيماناً واحتساباً، والله أعلم وأحكم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل