المغزى الرمضاني - المجلس الأول - إبراهيم السكران

المغزى الرمضاني  - إبراهيم السكران

المجلس الأول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا حيا الله الإخوة جميعاً ولا يفصلنا اليوم عن رمضان كما تعلمون إلا بضع ليال، والمرء إذا كان ينتظر زائراً غالياً على نفسه وله منزلةٌ في قلبه فإنه ينشغل قلبه به قُبيل موعد قدومه، ولا يليق أن يقترب مِنّا هذا الشهر الكريم والقلوب في برود عدم الاكتراث.

وإنما هذا لا يكون غالباً إلا من الغِشاوة التي تتكاثف على النفوس، فلا تشعر بقدوم مثل هذا الشهر العظيم، وأما القلوب الحيَّة فإن جمر الشوق لشهر رمضان لا يزيد الاقتراب إلا حرارة، ونريد أن نتناول في عِدّة مجالس -إن شاء الله- بعض المعاني والإشارات حول شهر رمضان.

من هذه المعاني: (الكفارة السنوية)، ولعلَّه يعبر بخاطر المرء ذكرى رمضان الفائت، وها قد كُتبتْ للمستمع الحياة ليُدرك -إن شاء الله- هذا الرمضان الذي نخطو الآن على أبوابه ولم يتبقَ بيننا وبينه إلا أيام يسيرة، طوال هذه السنة التي تفصل بين هذا الرمضان ورمضان الفائت؛ كم لنا من خطايا وكم مرةً لبسنا عار التقصير؟.

بالله عليك تذكَّر: كَمْ من سماعٍ محرم؟

 وكَمْ من نظرٍ مُحرَّم؟

وكَمْ من كلامٍ مُحرَّم سُجِّل في صحائفنا؟ طوال تلك السنة الفائتة، وهذا هو الكريم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يفتح لنا باب الكفارة السنوية، في كل سنة هناك موعد مع كفارة سنوية، فُرصة لا تُعوَّض لغسل الصحائف.

فقد روى الإمام مسلم بن الحجَّاج في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصلوات الخمس والجُمعة إلى الجُمعة ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتُ ما بينهن إذا اجتنب الكبائر» فكل ما كان من الصغائر واللَمَم وهو شيء مكتوب ويتذكَّر الإنسان بعضه لكن ينسى الإنسان أكثر مثل هذه الأمور، لكنه في كتاب؛ يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنه : (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [الكهف:49].

والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يفتح لنا باب هذه الكفارة العظيمة، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يمحو هذه الخطايا والصغائر كلها، فرمضان مَطْهَرة للنفوس من جِراحات سنة كاملة، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رمضان إلى رمضان مُكفراتُ ما بينهن إذا اجتنب الكبائر».

لكن قد يقول قائل: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث ذكر:

1-كفَّارة يومية فقال: «الصلوات الخمس».

2-وذكر كفَّارة أسبوعية وهي «الجمعة إلى الجمعة».

فإذا كانت الصلوات الخمس تُكفِّر الخطايا فماذا بقي للكفَّارة الأسبوعية التي هي الجُمعة إلى الجُمعة؟ وإذا كانت الصلوات الخمس التي هي كفَّارة يومية والجمعة إلى الجمعة التي هي كفَّارة أسبوعية فماذا بقي للكفَّارة السنوية الرمضانية؟

يعني: هل ستُصادف هذه الكفارة السنوية الرمضانية، هل سنقول مثلا: أنها ستُصادف محلاً غير قابل لظهور آثاره؟ الجواب: لا، والجواب متعلِّق بقاعدة عامة وأصل عام في الشريعة وهو:

·       أن الجزاء بقدر العمل.

·   وأن آثار ومقتضيات وموجَبات الأقوال والأفعال المحمودة والمذمومة في الشريعة إنما تظهر آثارها بحسب عمل العامل.

·   وأثر العمل الصالح بتكفير الخطايا تكون قوته ودفعه بحسب إحسان المرء في عمله، وبحسب استيفاء شروط القبول).

فمثلا الصلاة: روى أبو داود في سننه عن عمَّار بن ياسر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إنَّ الرجل لينصرف من الصلاة وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تُسعها، ثُمنها...»، الى آخر الحديث وذكر فيها خُمسها ثُلثها نِصفها، فعلى قدر ما يُكتب للعبد من صلاته، يعني: هذا القدر هو القدر المقبول تكون قوة هذه الصلاة وقوة هذه الحسنة في تكفير الخطايا كما قال الحق تبارك وتعالى:(إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود:114].

فبحسب قوة المقتضي تكون قوة دفع الممانع، وهكذا صلاة الجمعة فإنها داخلة في هذا العموم الذي هو الكلام عن الصلاة، وإن كان أيضاً دلَّت النصوص الأخرى على تفاوت الناس تفاوتاً شديداً في تحصيل الإحسان في صلاة الجمعة.

يعني بصورة أدق: كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة ثم راح فكأنَّما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنَّما قرَّب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنَّما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».

 فعلى قدر ما حصَّله المؤمن من فضيلة الجمعة تكون قوتها في دفع الخطايا، تكون قوتها في محو الخطايا، وعليه فإنَّ المؤمن إذا كان قد حصل منه تقصير في الخشوع في الصلوات الخمس وتقصير في صلاة الجمعة فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الجواد يفتح لنا باب كفارة سنوية «ورمضان إلى رمضان مُكفِّراتُ ما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر»، وهذا المعنى أو هذا الأصل العام في الشريعة نبَّه عليه أبو العباس ابن تيمية في مواضع ومنها موضع مهم في «منهاج السنة» لما تحدَّث عن القاعدة نستطيع تسميتها (الأسباب العشرة الدافعة لعقوبة الذنب).

وهو بالمناسبة موضع مهم وثمين ويستحق أن يُفرد، يمكن أن يُفرد أيضاً في رسالة لأنه موضوع متكامل، وكان منها مما تحدَّث عنه رحمه اللهتعالى: (السبب الثالث وهو: الأعمال الصالحة التي تُكفِّر الخطايا والحسنات الماحية)، فتكلَّم شيخ الإسلام ابن تيمية في أثناءه وقال سؤال، قال: فإن الإنسان قد يقول: إذا كُفِّر عنِّي بالصلوات الخمس فأيُّ شيءٍ تُكفِّر عني الجمعة أو رمضان؟.

هذا سؤال سأله أبو العباس ابن تيمية، سؤال نفسُه طرحَه فقال رحمه اللهتعالى في الجواب على ذلك قال: (المحو والتكفير يقع بما يُتقبَّل من الأعمال)، هذه قاعدة، (المحو والتكفير يقع بما يُتقبَّل من الأعمال، والله تعالى إنما يتقبَّل من المتقين، وأكثر الناس يُقصِّرون في الحسنات، فلهذا يُكفَّر بما يُقبل من الصلوات الخمس شيءٌ، وبما يقبل من الجمعة شيءٌ، وبما يقبل من رمضان شيءٌ آخر).

لاحظ هذا المعنى الذي يُقرِّره أبو العباس ابن تيمية؛ مربوط بماذا؟ مربوط بقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27].

·       هل معنى التقوى: أنَّ الإنسان الذي لا يجتنب الكبائر لا يُقبل منه أي عمل؟ لا، هذا تفسير الخوارج لمعنى الآية.

·       هل معنى الآية إذن: الإنسان الذي يجتنب الشرك يتقبَّل الله منه كل عمل؟ هذا تفسير المرجئة.

 

إذن: ما التفسير الصحيح الذي عليه أهل السنة؟

(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27] يعني: من اتّقى الله في ذلك العمل المُعيَّن فإنَّ الله يتقبَّل منه ذلك العمل المُعيَّن.

لذلك قد يوجد شخص يرتكب الكبائر لكن اتّقى الله في عملٍ مُعيَّن فيتقبَّله الله منه، ويوجد شخصٌ آخر خيرٌ منه لكن ما اتّقى الله في ذلك العمل المُعيَّن فلا يتقبَّله الله منه، وإن كان يتقبل الله منه أعمالاً أخرى قد اتّقاه فيها.

وما تقوى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في العمل المعين؟

هي شروط قبول العمل:

1-أن يكون خالصاً يريد به وجه الله.

2-وأن يكون صواباً يتبع فيه سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا تفسير توارد المُكفِّرات، وهذه كفارة سنوية عظيمة.

إذا تأمَّل الإنسان في معناها اجتهد بإذن الله، ليتَّق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الاجتهاد في صيامه، لأنه بحسب قبول الصوم تكون قوته في دفع الخطايا ومحو الخطايا وإزالة الصغائر من سجلاته.

ومن المعاني والإشارات في رمضان: (التعريف القرآني لرمضان).

القرآن وصف رمضان بوصف في غاية اللُّطف، والحقيقة أنه يستحوذ على الانتباه، فأي كائن حسي أو معنوي له خصائص ينفرد فيها أو يشتهر بها، ونحن إذا أردنا التعريف العام -يعني: ليس التعريف الذي يجري على طريقة المناطقة وإنما التعريف العام- إذا أردنا فإننا نختار أخصّ تلك الخصائص ونُعرِّف بها، أو نختار شيئاً شريفاً ونُعرِّف به.

فمثلاً: لنضرب على ذلك أمثلة: (الجزيرة العربية) فيها عسير، فيها الأحساء، فيها نجد، فيها الحجاز، فيها الشمال لكننا إذا أردنا تشريفها تجدنا نقول كلمات من جنس مثلاً : كيف يحصل هذا في بلد الحرمين؟ فاخترنا (الحرمين) لأن هاتان البُقعتان هما أشرف بقعة فيها فاخترناهما لنعرف بهما هذه المنطقة.

مثال آخر: أبو بكر ﭬ له مناقب كثيرة لكنه سُمِّي «الصِّدِّيق»، حتى أنه إذا أُطلق «الصِّدِّيق» لا ينصرف إلا له، لماذا اخترنا «الصِّدِّيقية»؟ لأنها أشرف منازله، والإنسان نفسه يحب أن ينادى بأشرف أوصافه، والله جل وعلا لمَّا ذكر لنا شهر رمضان عرَّفه لنا بتعريف في غاية اللُّطف، فيقول سبحانه: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة:185].

فانظر كيف اختار الله أولاً هذا الشهر ظرفاً لنزول القرآن! كما في الأثر المشهور الذي رواه النسائي في «السنن الكبرى» وغيره عن ابن عباس أنه قال: «نزل القرآن في رمضان جُملةً فكان في السماء الدنيا؛ فكان إذا أراد الله أنْ يُحْدِثَ شيئاً نزل به جبريل»، يعني: نزل به مُنجَّماً حسب الوقائع.

وهذا أثر مشهور عن ابن عباس رواه النسائي في «السنن الكبرى» وغيره، فانظر كيف جعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أشرف أوصاف الشهر أنه ظرف زماني لنزول أشرف الكلام مُطلقاً وهو القرآن، هذه لفتة عجيبة صراحة، الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ)[البقرة:185]، ثم وصفه أو عرَّفه فقال: (الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة:185].

لِمَ لم يصفه بالمناقب الأخرى؟

لِمَ اختار الله له أنه هو الظرف الزماني لنزول القرآن؟

ضع هذه الآن في ذهنك، ولا يمكن أن تَمُرّ هذه الإشارة القرآنية على المؤمن ولا يقع في ذهنه هذا الارتباط، ولا يقع في قلبه اختصاص القرآن برمضان، فالقرآن يُقرأ في كل الشهور لكن في شهر رمضان له خاصيّة وفضيلة، لأن شهر رمضان هو الشهر الذي نزل فيه القرآن نفسه، وقد شرَّف الله عزَّ وجل هذا الشهر.

خُذ أو ضع في ذهنك أيضاً نموذج أو معطى آخر يؤكِّد هذا:

جبريل uكان يُدارِس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن شهراً في السنة، واختار جبريل ڠشهر رمضان لمدارسة القرآن مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفي كُل ليلة حتى ينتهي رمضان، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس -وهذا لفظ مسلم- «أن جبريل كان يلقى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ -أي حتى ينسلخ الشهر-فيعرض عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن» هذا لفظ مسلم.

وفي لفظ البخاري: «كان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن»، هذان سؤالان الآن لا يمكن أن يُفوِّتهما ذهن المؤمن:

السؤال الأول: لماذا عرَّف الله رمضان بنزول القرآن؟(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة:185].

والسؤال الثاني: لماذا اختار جبريل مدارسة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن كل ليلة من شهر رمضان دون غيره من الشهور؟ لِمَ لم يدارسه في ذي الحجة؟ لِمَ لم يدارسه في مُحرَّم؟

لِمَ اختار شهر رمضان لمدارسة القرآن وفي كل ليلةٍ منه؟.

إذا تأمَّل المؤمن هذين السؤالين امتلأ انبهاراً ودهشةً من منزلة القرآن في شهر رمضان، وأن رمضان ليس شهر الصيام، تجدنا أحياناً كثيرة نقول: شهر رمضان وشهر الصيام ونربط في أذهاننا رمضان بالصيام وهذا صحيح؛ لكن ليس هذا فقط، بل الحقيقة أن رمضان هو شهر الصيام والقرآن.

 رمضان له اختصاص بالقرآن، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عرَّفه لنا بأنه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)[البقرة:185] وجبريل اختار لمدارسة القرآن مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل ليلة شهر رمضان.

 والأخبار المنقولة عن السلف التي نقلها مثل ابن رجب في «لطائف المعارف» وغيره ممن كتب في فضائل شهر رمضان، ينقلون شدة اجتهاد السلف في ختمات القرآن في رمضان، فتجدهم يختمون في رمضان أكثر من غيره، أو يُقبِلون على القرآن ويتركون ما سواه، بل حتى تجدهم أحياناً يتركون بعض أمور العلم -العلم الشرعي- ويقبلون على قراءة القرآن في رمضان.

هذه الأخبار المنقولة عن السلف تؤكِّد عُمق علم السلف ودقة نظرهم، بل إن لديهم حساسية شديدة لإشارات النصوص ثم العمل بها، هذه إشارة لا يمكن أن تَفوت على الإنسان، وهو: أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نبَّه على أن شهر رمضان هو الظرف الزماني لنزول القرآن وشرَّفه بذلك وعرَّفه بذلك.

ومن المعاني والإشارات التي جاءت أيضاً في النصوص الشرعية عن شهر رمضان:

ما يمكن تسميتها «المعدودية»، فبعض الأوصاف التي ذكرها الله عزَّ وجل في كتابه عن شهر رمضان تُدْخِل على المسلم مشاعر ممتزجة؛ أحاسيس متزاحمة من الشغف؛ فالإدراك؛ الإشفاق من سرعة التقضِّي، فقد قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن شهر الصيام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)[البقرة:183-184].

لماذا قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)؟ الأيام المعدودات هنا طبعاً هي شهر رمضان، الآية مُحكمة، ليس المراد بالأيام المعدودات هي بقية الأيام التي وردت في الأحكام المنسوخة، المراد بالأيام المعدودات في أصح أقوال العلماء في تفسير هذه الآية أنها شهر رمضان.

الأصل في ذكر العدد أنه يُراد به بيان أن الأمر مُقدَّر أو مُحدَّد، فتجد أنك تقول: هذا شيء معدود يعني: أنه مُحدَّد ومُقدَّر، لكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لما قال عن رمضان (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) صحيح أن الأصل أن يكون المعنى محدداً معلوماً لكن ها هنا قدر زائد دلَّ عليه السياق وهو: أن المقصود التقليل، (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)يعني: قلائل، أيام قلائل؛ كما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الآية الأخرى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)[يوسف:20]، يقصد فيها أنها محددة ومُقدَّرة؟ لا، يقصد فيها أنها إيش؟ دراهم قليلة.

 ولماذا اخُتيرت كلمة «معدود» للإشارة للقلة؟لأن القليل هو الذي يُعدّ، هناك علاقة عقلية أن القليل هو الذي يُعد، أما الكثير فتجد الكثير غالباً يُحثى حثياً أو يُصبّ صبًا.

إشارة القرآن إلى أن شهر رمضان أيام معدودات: يُنبِّه المسلم على ضرورة الاهتمام بكل ساعات هذا الشهر، لأنها أيام معدودات، كل هذا الشرف؛ هي أيام معدودات.

ومن المعاني أيضاً والإشارات التي جاءت في النصوص الشرعية حول هذا الشهر الكريم:«العلاقة بين شرف العمل والزمان».

أركان الإسلام خمسة ومنها الصلاة والصيام والزكاة والحج، لماذا اختار الله هذا الركن الذي هو الصيام في هذا الشهر شهر رمضان؟

لماذا هذا الركن لم يكن في شهرٍ آخر؟

الشارع يُشرِّف الأزمان الفاضلة بالصيام فيها:

·       فيتشرَّف الزمن بالصوم.

·       ويزيد ثواب الصوم بشرف الزمن.

          وهذا له نظائر في الشرع، يعني: هناك علاقة بين شرف الصيام وشرف الزمان الذي هو رمضان.

 من ذلك مثلا: أن اليوم الذي ولد فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو زمان فاضل في نفسه، والزمن الذي بُعث فيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو زمن فاضل في نفسه، ولذلك في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئل عن صوم يوم الإثنين، فماذا كان جوابه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟.

قال: «ذاك يومٌ وُلدت فيه ويومٌ بعثت أو أُنزلَّ علي فيه» النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سُئل عن صيام يوم الاثنين -هذا في صحيح مسلم- أشار إلى مُناسبة شريفة وهو: يوم ولادته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويوم بعثته أو إنزال القرآن عليه فيه، وأيُّ شيء أشرف من ذلك؟ المِنَّة على الخلق بشموخ وشروق شمس الرسالة المحمدية هي أعظم النِعم، شمخت الجبال بهذا الوحي العظيم، والناس أحوج إلى شمس الرسالة المحمدية من الطعام والشراب والنفَس والضوء وكل الاحتياجات البشرية، فانظر كيف كان أنسب شيء لشرف هذا الزمن؛ هو الصيام، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سئل عن صيام يوم الاثنين قال: «ذاك يوم بُعثت فيه».

ومن ذلك أيضاً «عاشوراء»: «عاشوراء» يوم فاضل كما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﭭ وهذا لفظ مسلم: (أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا:«هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرِقَ فرعون وقومه -أو وغرَّق فرعون وقومه- فصامه موسى شُكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم،فصامه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمر بصيامه»، فلاحظ هذا الزمن «يوم عاشوراء» زمن فاضل؛ فيه نعمة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛صامه موسى شُكراً، وصامه النبي شكراً، هذا يعني ماذا؟ يعني:

·       أن الزمن الفاضل يُشرِّفه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالصيام.

·       وأن الصيام يتشرَّف أيضاً بالزمان الفاضل.

    هذه بعض المعاني والإشارات، وهذا هو المجلس الأول الذي نتناول فيه «المغزى الرمضاني».

 

وأسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يُبهج قلوبنا وإياكم بإدراك هلال رمضان، وأن يُشرِّفنا بصيام نهاره، وأن يُغدق علينا من رحمات قيام لياليه، وأن يجعل أنيسنا في كل ساعات هذا الشهر الكريم آيات كتابه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل