وقفات وتأملات في أسماء الله الحسنى - الحكيم

وقفات وتأملات مع أسماء الله الحسنى

إعداد سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

اسم الله الحكيم

الحكيم هو الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه والذي هو فيما يدبر من أمر خلقه حكيم لا يدخل تدبيره خلل. وهو المُحكِم لخلق الأشياء المصيب في أفعاله ويوصف الحكيم بذلك لأن أفعاله سديدة وصنعه مُتقن، لا يفعل شيئا عبثًا ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة. والحكيم هو الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحُكم بين المخلوقات، واسع العلم والاطلاع على مبادئ الأمور وعواقبها واسع الحمد تام القدرة غزير الرحمة يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره فلا يتوجه إليه سؤال ولا يقدح في حكمته مقال.

ورد هذا الاسم 92 مرة في القرآن الكريم ولم يرد مفردًا أبدًا وإنما ورد مقترنًا بعدد من أسماء الله تعالى ليضاف لكمال هذا الاسم كمال آخر، منها: العزيز، العليم، الخبير، العليّ، الواسع، التواب، واقترن باسم الحميد مرة واحدة (تنزيل من حكيم حميد) وهي كلها أسماء تدل على سعة العلم والخبرة والعلو والحكمة. فحكمته سبحانه عن علم واسع لا يسبقه جهل ولا يعقبه نسيان وعن علوّ وعزّة في ذاته وصفاته وأفعاله سبحانه بلا ظلم ولا جور وعن خبرة ببواطن الأمور وكمال العلم وعلمه سبحانه وعزته وخبرته وتوبته على عباده وعلوّه كلها عن حكمته عز وجلّ.

كيف نؤمن باسم الله الحكيم؟

بالتسليم لأحكام الحكيم الشرعية والامتثال والطاعة لها والرضى والفرح بها لأنها من لدن الحكيم العليم الخبير الذي خلق الخلق ويعلم ما يصلحهم وما يصلح لهم. ثم بالتأدّب معها فإذا قال الحكيم (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) فقل سمعنا وأطعنا ربنا ولا تسل لماذا؟ ولماذا الصيام شهرا؟ ولماذا في رمضان؟ ولماذا الصيام من الفجر إلى غروب الشمس؟! (لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون) فكل ما شرعه الحكيم لم يكن عبثًا وإنما هو خير لك في دينك ودنياك وعاقبة أمرك.

بالاستسلام والرضا بأقدار الحكيم الكونية قضاؤه وقدره وعطاؤه ومنعه وابتلاؤه وفضله وإحسانه وإمهاله وأخذه وحلمه وستره ورزقه وتنوّع خلقه واختلافهم، هي كلها من مقتضيات اسم الله الحكيم العليم الخبير وله سبحانه الحكمة البالغة في أفعاله وقضائه مهما خفيت عن الخلق فلا تسل عن الحكمة في موت قريب ولا فقد حبيب ولا ضياع مال ولا إصابة بمرض ولا تفرق ولا قتل بين أبناء الأمة الواحدة ولا تكالب للأعداء عليها. واعلم أن ما من شيء في كون الحكيم يخرج عن علمه وخبرته وحكمته سواء عرفها المخلوق أم جهِلها (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير).

باستشعار نعمة الحكيم علينا بإنزال القرآن فهو كلام الحكيم سبحانه، وصفه بالكتاب الحكيم والذكر الحكيم كل ما فيه نزل بحكمة ولحكمة تستوجب حمد الله الحكيم الحميد على نعمة تنزيله. ولم يقترن اسم الحكيم بالحميد إلا في موضع واحد في سورة فصّلت (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)).

باليقين الجازم بأن الحكيم سبحانه ما خلق شيئا عبثًا (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) وإنما كل صغيرة وكبيرة خُلقت بتقدير الحكيم سبحانه لتؤدي مهمتها وفق ما أراده الله الحكيم.

بالسعي لنكون ممن يشاء الحكيم أن يؤتيهم الحكمة (يؤتي الحكمة من يشاء) (ولقد آتينا لقمان الحكمة) وذلك بالتدرب عليها بطول التفكر والحلم والأناة وإعطاء كل أمر حقه فالكلام والعمل في مكانه المناسب وبقدره المناسب، أيقظ بصيرتك وزِن كل الأمور بميزان الحكمة الدقيق، لا تتعجل الحُكم ولا تستعجل النتائج ولتكن أعمالك وأفعالك وأقوالك صادرة عن رأي سليم ورؤية سديدة وكن راضيا قنوعا مطمئنا تتلمّس طريق الحكمة من كتاب الله الحكيم.

لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكييم. اللهم نسألك إيمانًا يباشر قلوبنا حتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت لنا ورضّنا من العيش بما قسمت لنا، رضّنا بقضائك وقدرك خيره وشرّه وارزقنا حسن الامتثال لأمرك ونهيك وافتح على بصائرنا وآتنا الحكمة يا خير الحاكمين ويا أحكم الحاكمين.

 وقفات مع اقتران اسم الله الحكيم بغيره من الأسماء الحسنى

العزيز الحكيم: عزته عن حكمة لا ظلم فيها ولا جور وحكمته عن عزّة كاملة مطلقة لا عن ذلّ وضعف. وعظيم عزّته لم تبطل لطيف حكمته ورحمته. (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) عزّ فحكم فقطع، فلا يأتي أحد ويقول هذا يتنافى مع حقوق الإنسان التي يتبجح بها أربابه! هذا حكم العزيز الحكيم سبحانه!

الحكيم الخبير: الخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها 

الحكيم العليم: حكمته عن علم وعلمه سبحانه لحكمة بالغة لا يعلمها إلا هو. فلا تسل أيها العبد عن الحكمة من تقسم المواريث ولا عن حكمة عبادة أو تشريع لأنه تشريع العليم الحكيم سبحانه.

 

حكيم حميد: القرآن منزّل من حكيم متقن في فعله لا يشوب فعله خلل ولا زلل ومحمود على الإطلاق، فكلام الحكيم كله حكمة يحقق المصالح والمنافع ويدفع المفاسد والمضارّ التي يُحمد عليها. (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) فصلت) 

واسع حكيم: كثير الفضل واسع الرحمة وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه وكان مع ذلك حكيما يعطي بحكمته ويمنع لحكمته فإذا اقتضت حكمته منه بعض إحسانه بسبب في العبد لا يستحق معه الإحسان حرمه عدلا وحكمة. فهو مع كونه سبحانه وتعالى واسع العطاء والفضل والإحسان فهو واسع الحكمة يضع فضله وإحسانه في أفضل مواضعه

عليّ حكيم: (فيوحي بإذنه ما يشاء إن الله عليّ حكيم) [الشورى: 5] إن العليّ علو عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية القاصرة ولذا اقتضت حكته سبحانه ألا تتلقى النفوس البشرية مراد الله منه مباشرة وإنما بتوجيه خطابه بوسائط يفضي بعضها إلى بعض وبكيفيات ثلاث (طرق الوحي) لتيسير تلقي خطابه ووعيه دون اختلال فيه ولا خروج عن طاقة المتلقّين (ابن عاشور – التحرير والتنوير)

 تواب حكيم: وردت مرة واحدة في سورة النور بعد ذكر حدّ الزنا وقذف المحصنات وأحكام الملاعنة في قول الله تعالى (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) [النور: 10]. (تواب حكيم) تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة منه والمؤذنة بأنه تواب على من تاب من عباده والمثبتة بكمال حكمته تعالى إذ وضع الشدة موضعها والرفق موضعه وكفّ بعض الناس عن بعض وفي ذكر حكيم مع وصف (تواب) إشارة أن في هذه التوبة حكمة وهي استصلاح الناس (ابن عاشور – التحرير والتنوير).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل