وقفات مهمة قبل شهر رمضان - د. محمود شمس

وقفات مهمة قبل شهر رمضان

د.محمود شمس

محاضرات ألقيت في جامع العقيل

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

نحن مقبلون على شهر كريم ألا وهو شهر رمضان رزقنا الله تبارك وتعالى حسن صيامه وحسن قيامه وأن يجعلنا من الفائزين في نهايته بالعفو وبالمغفرة وبالعتق من النيران.

لا بد وأن تعلم يقينًا أنك ما خلقت في هذه الدنيا إلا لعبادة الله وحده تبارك وتعالى ومفهوم العبودية هو أن تكون عبدًا لله في كل حركة وفي كل سكنة وفي كل تصرف فليست قضية العبودية معناها أنك تؤدي الطاعات لله فقط بل لا بد أن تكون عبدا في شمولك في الحياة في كل ما تفعله في تلك الحياة يظهر فيك الخضوع والانقياد والتسليم لله تبارك وتعالى لذلك لا بد أن تتهيأ نفسيًا لهذا الشهر المبارك وتسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقك حسن صيامه وحسن قيامه، فهذا الشهر المبارك هو فرصة لمن كان فيه من أهل الدنيا أن يجدد العهد مع الله تبارك وتعالى وأن يحاول إصلاح ما فاته من أمور أو سد الخلل أو النقص الذي قد حصل في علاقته مع الله تبارك وتعالى ولا بد أن تعلم أنك إن أردت أن تكون من المفلحين في طاعتك أن تقر بالتقصير دائما مع الله تبارك وتعالى

الإقرار بالتقصير: الخطوة الأولى أن تقر بالتقصير وتقول يا رب أنا قصرت وأطلب منك العفو وأن توفقني لحسن العمل. ولذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الذي سألت فيه النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله أرأيت إن كانت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال لها صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا".

لماذا العفو تحديدًا؟ كنا ننتظر أن يكون كلام النبي صلى الله عليه وسلم أكثر دلالة على أعمال وعلى أفعال لكن يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نستقبل الطاعات ومواسم المغفرة والرحمة بأن تقرّ بأنك مقصر وتطلب العفو من الله تبارك وتعالى لأنه لا يطلب العفو إلا مقصّر ولذلك لا بد من أن تقرّ بتقصيرك أمام الله تبارك وتعالى. وليكون هناك ربط بين الأمور كلنا يحفظ دعاء سيد الاستغفار: عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللَّه عنْهُ عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ: « سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ. منْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمـاتَ مِنْ يوْمِهِ قَبْل أَنْ يُمْسِيَ، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، ومَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وهُو مُوقِنٌ بها فَمَاتَ قَبل أَنْ يُصْبِح، فهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ» رواه البخاري .

يقول صلى الله عليه وسلم من قال ذلك حين يصبح وهو موقن به (لا بد أن يكون عندك يقين بهذا الكلام الذي تردده) فمات قبل أن يمسي دخل الجنة ومن قالها حين يمسي ومو موقن به فمات قبل أن يصبح دخل الجنة.

عندما يأتي موسم الطاعات لا بد أن تقر أنك مقصر في علاقتك بربك ومقصر في طلب العفو من ربك لأن التقصير هو الذي يجعلك في كمال الخضوع والانقياد لله تبارك وتعالى وهذا ما ترجوه من الله أن يوفقك لأداء الطاعات ولا بد أن تقرّ أنك مقصر ولعل هذا هو السر الأول في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لأن المؤمنين عائشة: اطلبي العفو من ربك ففيه إقرار بالتقصير. ولو تتبعنا القرآن الكريم لأدركنا أن الأنبياء والرسل جميعا أقروا بتقصيرهم لله تبارك وتعالى:

آدم الله علمه كلمات ليتوب عليه (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾ البقرة) (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾ الأعراف) آدم يقر بالتقصير ويقر بأنه ظلم نفسه.

نوح عليه السلام حاور ابنه الذي كان في معزل مع الكافرين وهذا فيه درس أن يكون بين الآباء والأبناء حوار مهما كان الولد قد انحرف وما انحرف الشباب إلا لعدم وجود حوار. نوح ينادي ابنه (يا بني) يذكره بطفولته وأنه حريص عليه. فإذا أردت أن تصلح أبناءك لا بد أن يكون هناك حوار بينك وبين أبنائك وحوار مع زوجك وبناتك، نتعلم من حوار امرأة فرعون مع فرعون الطاغية المتكبر (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) [القصص: 9] لم تقل قرة عين لنا وإنما (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) هذا أسلوب تحريك العاطفة، الزوجة عندما تطلب من زوجها أن تتخير الوقت المناسب وأن تحرّك العاطفة في قلبه، امرأة فرعون طلبت بأدب قالت (لَا تَقْتُلُوهُ) لم تقل لا تقتله أمام الملأ فتقلل من شأنه أمامهم (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) جمعت بينها وبينه لأنها علّة عقلية مستقبلية لكن في البداية حرّكت عاطفته (قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ).

الحوار يبعث على استقرار البيت وتكون على علم بما يفعله أهل بيتك.

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) الله سبحانه وتعالى عندما يريد أن يأمر المؤمنين يخاطبهم بأسلوب النداء (يا أيها الذين آمنوا) افعلوا أو لا تفعلوا، خاطبهم في القرآن 89 مرة لكن في آية سورة النور لم يخاطبهم بأسلوب النداء فلم يقل: يا أيها الذين آمنوا غضوا من أبصاركم لأن غض البصر وحفظ الفرج من الأمور التي ترغب فيها النفس بقوة، هذه الشهوة قد تتحكم غي بعض الأبناء بقوة فلا تكتفي فيها بالتوجيه العام وإنما لا بد أن تكون مراقبًا ومهيمنًا ومسيطرا عليهم وموجها لهم وقائدا لهم من البداية لأن الله تعالى يأمر النبي أن يقول للمؤمنين الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر لنا جميعًا (قل للمؤمنين) كأنه أمر لكل واحد فينا.

حسن التربية يبدأ مبكرا، يبدأ من قبل الولادة وقبل الجماع فإذا نشّأت ولدك على التربية الإيمانية الصحيحة، إذا ربيت ابنك على الإيمان وحاورته وغرست فيه حب الدين وحب القرآن وحب المساجد فإنه يكون سريع الاستجابة.

بعد أن حاور نوح عليه السلام ابنه لجأ إلى ربه فقال (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) وذكر (من أهلي) لأن الله تعالى أخبره في الآية السابقة (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿٤٥﴾ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) نوح يقول أن ابني من أهلي والله تعالى يقول ليس من أهلك، كلا الخبرين صادقين، نوح قصد الأهلية النسبية (ولده) والله تبارك وتعالى أراد الأهلية الإيمانية، فالله تبارك وتعالى يريد أن يقول (وأهلك) المقصود الأهيلة الإيمانية. فقال نوح عليه السلام (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٤٧﴾ هود) إقرار بالتقصير.

سيدنا يونس (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)

موسى عليه السلام لما قتل القبطي (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦﴾ القصص) أقر بتقصيره قبل طلب المغفرة.

استقبل شهر رمضان وأنت تقرّ بتقصيرك في طاعتك لله سبحانه وتعالى وفي عبادتك التي فيها خلل والجأ إلى ربك بالدعاء أن يوفقك لحسن طاعته. فطلب العفو في الدعاء لأن العفو دليل على التقصير.

في حادثة الإفك (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) دعوة من الله عز وجلّ فالذي يحب أن يغفر الله سبحانه وتعالى له عليه أن يعفو ويغفر عن عباد الله أولًا، فمن كان بينك وبينه مشاحنة أو مخاصمة فابدأ أنت عند استعدادك لاستقبال هذا الشهر ابدأ بالعفو والصفح عنه مهما كان الأمر وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عفا عمن خاض في عرض ابنته الطاهرة عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم فلن تكون الخصومة بينك وبين أحد لسبب أفظع من هذا السبب!. (ألا تحبون) يترك الله تعالى المجال للمخاطبين بهذا الأسلوب التحضيضي. انقيادك لأوامر الله تعالى ليست محصورة في صلاتك وصيامك وعبادتك فقط وإنما ينبغي أن تكون في كل أوامره سبحانه وتعالى وهذا الانقياد لا يأتي بسهولة وإنما تحتاج فيه لمجاهدة نفسك والاصطبار على أهوائها. فإياك أن تطلب من الله المغفرة والرحمة وأنت بينك وبين الناس خصومة حتى ولو كنت أنت المظلوم فالله تبارك وتعالى يريد منك أن تُخضع نفسك فتنقاد إلى الله سبحانه وتعالى ورمضان فرصة لتتعود على مجاهدة نفسك في رغباتها وما دمت قد جاهدت نفسك وأخضعتها في الصيام فبإمكانك أن تخضعها في غير الصيام وإلا فأنت كاذب في خضوعك وفي صيامك وطاعتك لله. استطعت أن تجاهد نفسك كل يوم من الفجر إلى المغرب ثلاثين يومًا متتالية أفلا تستطيع أن تجاهدها في غير رمضان؟! الله تبارك وتعالى يعلّمك أنك تستطيع وفي نفس الوقت يعينك على نفسك فصفّد لك الشياطين التي توسوس لك وقيّدها.

كيف يرتكب الناس المعاصي في رمضان إذا كانت الشياطين مصفّدة؟!

الناس يرتكبون المعاصي في رمضان من تراكمات في النفس ورغبات في النفس ولذلك الشيطان لا يأتيك بالمعصية للمرة الثانية سواء نجح معك في المرة الأولى أو لم ينجح، هو يوسوس لك المرة الأولى فإذا فعلت المعصية يتركك وهو مطمئن أنه نجح معك لأنه يعلم أن نفسك هي التي سترغب في تكرار المعصية، فتكرار المعصية للمرة الثانية ليست من الشيطان وإنما مما غرسه الشيطان في نفسك من حب المعصية وإذا لم ينجح يفكر في معصية جديدة من باب آخر لأنه يعلم أنه لن يستطيع أن يدخل لك من هذا الباب.

لو تذكرت ستجد أن معصية ارتكبتها في رمضان هي معصية قديمة نتيجة اشياء متراكمة في نفسك ونفسك رغبت فيها.

لو تتبعت صفات المتقين في القرآن لوجدت الصفة الأعمّ لللمتقين: ترك رغبات النفس:

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ الذاريات) هذه الآية تفهم منها أنهم كانوا كثيرا من الليل ما يقومون فيتعبدون، ينامون قليلا ويقومون كثيرا خاضعين لله منقادين له. ما مدحهم الله تعالى بكثرة العبادة وقيام الليل وإنما مدحهم بقلة النوم حتى يعلمنا أن صفة المدح أنهما تنازلوا عن رغبة قوية يحبونها. النوم يحبه الإنسان فيه راحة أبدانهم ورغبات أنفسهم.

(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ۩﴿١٥﴾ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿١٦﴾ السجدة) تتباعد شيئا فشيئا فأنت تترك رغبة للنفس.

صفات المتقين في سورة آل عمران (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾) رب العباد يراعي فيك النسبة البشرية، الأمر بالمسارعة (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) الأمر بالمسارعة هي إلى الجنة لأنك ستفعل أفعالا بسببها تدخل الجنة فالله تبارك وتعالى يقول أعلم أن في طاعتك لي تقصير وخلل ما فيقول تعالى سأمحصك قبل أن تدخل الجنة (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أولًا (وَجَنَّةٍ) قبل أن تدخل الجنة الله تبارك وتعالى سينزع الغل من صدرك وكأننا سنموت والغل في صدورنا وليس في قلوبنا. وهناك فرق بين الصدر والقلب. الله تبارك وتعالى جعل قلبك وعاء لليقين وللإيمان والثبات والطمأنينة وهو الذي يربط عليه ربط على قلب أم موسى (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠﴾ القصص) وربط على قلب أهل بدر (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) [الأنفال: 11] لأنه محل يقين وثبات وإيمان، القلب له عين يرى بها وهو الفؤاد، الفؤاد عين البصيرة عين القلب هو الذي يتأمل في الكون فينقل للقلب إما خيبة وحسرة وإما فوزا وثباتا وإيمانا ويقينا ولذلك هو الذي تُسأل عنه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36] وجعل الله تعالى للقلب قبل أن ينزل فيه الشيء جعل صدرا يحفظ لك فيه الأشياء حتى تفكر هل أنت أحببت هذا الشيء قبل أن ينزل إلى قلبك: وسوسة الشيطان في الصدر، الغل والحسد في الصدر لتتمكن من التخلص منه إذا شئت لكنك إذا أحببه ينزل إلى قلبك (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ) [الأعراف: 43] مع أن الله سبحانه وتعالى علّمنا أن ندعوه (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) [الحشر: 10]

لو تدبرنا صفات المتقين في الآيات أول صفة (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) الإنفاق هاهنا إنفاق عام ليس فقط إنفاق المال ولو أريد به إنفاق المال لذكر كلمة أموال لكن هنا يطلق الإنفاق، فصحتك وجهدك وطاقتك إنفاق يقابل المال (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) [التوبة: 79] جمع الله بين من لا يجد إلا جهده والذي ينفق المال، هذا عنده مال وهذا عنده صحة وجهد، جهدك يقابل المال عند الآخرين هناك إنفاق بالجهد وإنفاق بالكلمة الطيبة "الكلمة الطيبة صدقة وتبسمك في وجه أخيك صدقة". الإنفاق في لسراء والضراء يعطينا درسًا أن المتقين يجاهدون أنفسهم عما تحبه النفس (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: 92] عندك شيء تعتز به وتحبه حتى لو كان تمرًا مميزا اشتريته وأنت سعيد بوجوده في بيتك لا بد أن ترغم نفسك على أن تتنازل من جزء من هذا التمر وتتصدق به ولا بد أن تعوّد نفسك على أن تتنازل عن هذا الشيء الذي تحبه في رمضان. هذا المحور الأول في صفات المتقين.

المحور الثاني (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) ينبغي أن تتنازل عن رغبات الشر في نفسك ورغبة الانتقام السريع في نفسك، النفس فيها لذة الانتقام  فينبغي أن تكظم غيظك تقفل عليه ولا تجعله يخرج من نفسك، أحكم إغلاق الأبواب على غيظك " من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه (لا على ضعف ولا رغبة في تأجيل الانتقام) الله تبارك وتعالى يملأ قلبك رضى يوم القيامة.

فينبغي أن تكظم غيظك وأن تعفو عن الناس وهناك مرتبة أعلى منهما وهي مرتبة الإحسان (والله يحب المحسنين) أسلوب تحبيب للمخاطب أن يحسن لمن أساء إليه ولم يقل وأحسنوا لأن القمة أن تحسن لمن أساء إليك، وإنما قال أنه سبحانه وتعالى يحب المحسنين، انظر إلى المقابل أنت تتنازل اليوم عن أمر فتحسن إلى من أساء إليك وهذا الأمر عزيز على نفسك والمقابل هو حب الله تبارك وتعالى لك.

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) [فصلت: 34] تقعيد قاعدة الكل يسلّم بها، أنت أقررت بهذه القاعدة إذن (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) بعض المفسرين يقول لا يمكن أن يكون الإنسان دافعا بالتي هي أحسن إلا في الصورة الآتية: ولدك واقف على شاطئ بحر ورجل يقف بجواره ولدك يغرق كان بإمكان الرجل المجاور له أن يمد يده فينقذه إلا أنه تكاسل فلم ينقذه، ليس هناك إساءة أكبر من إساءة هذا الرجل، في اليوم الثاني مباشرة ولد هذا الرجل يلعب على شاطئ البحر وأنت الذي يتقف بجواره وولده يكاد يغرق لكنك مددت يدك فأنقذته وهو بالأمس ما استطاع أن ينقذ ولدك وأنت اليوم تنقذ ولدك. (والله يحب المحسنين)

سد الخلل والنقص بسرعة (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ) [آل عمران: 135] النسبة البشرية تحرك في الإنسان وهناك فرق بين فعل المعصية وبين عمل المعصية، المؤمن قد يفعل المعصية لكنه لا يعملها لأن الفعل عمل دون يخطيط مسبق ودون أخذ وقت من الزمن، لا أنت خططت لها ولا استغرق الأمر معك وقتا من الزمن طويلا. نفسك راودتك فجأة وأنت لم تخطط له ولم تأخذ وقتا طويلا هذا هو الفعل، العمل يخطط له وفيه مدة زمنية، المؤمن لا يخطط لمعصية ولا يأخذ فيها فترة زمنية ولكن قد تزل قدمه وهذه نسبة بشرية. الله تبارك وتعالى يقول لك إذا حدث هذا، هذا خلل لا بد أن تسده بسرعة، نمت ليلة عن صلاة الفجر لتعب أو لأي سبب، لا تنام كل ليلة وإنما قم بسرعة وسدّ الخلل الذي حدث منك. عندما يكون الإنسان راغبا في الطاعة يسد الخلل بسرعة ويعود إلى ربه نادما (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ) [آل عمران: 135] هذا ليس من ذكر الله باللسان وإنما من الذُكر بالقلب "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" أنت وقت المعصية لم يكن الله في قلبك حاضرا فأنت ينبغي أن تعود إلى ربك وتستحضر عظمة الله تبارك وتعالى وتستغفر لذنبك (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ آل عمران)

لكي تنجح في هذا الشهر المبارك أن تعالج نفسك وأن تكون من الخاضعين لله عليك أن تستقبل هذا الشهر:

بالاعتراف بالتقصير وكثرة الاستغفار لأن العبد لا يحرم من الطاعة إلا بذنب فعاه، خشوعك في الصلاة لا يذهب منك إلا بذنب اقترفته. فأكثر من الاستغفار وأنت تستقبل شهر رمضان.

العفو عن عباد الله واطلب منهم العفو وتقول هذا العفو ابتغاء وجه الله تبارك وتعالى لا تقل الله تبارك وتعالى قال (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) يسمي الله حقي الذي آخذه شيئة حتى ينفّر منها ويبغّضك فيها، إذا كنت أنت لا تحب أن يساء إليك فكيف تسي أنت إلى غيرك؟ إذا أخذت حقك منه فأنت تسيئ مثل إساءته فلا فرق بينك وبينه. ثم إن من الصعب جدا أن تحقق المثلية (سيئة مثلها) هل تستطيع أن ترد له بمثل سيئته تمامًا لا تزيد ولا تنقص؟! لا يمكن أبدًا. بعد العفو يكون الإصلاح (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) الشورى) القرآن كله ليس فيه أجره على الله إلا مرتين: هذه الصورة لمن عفا عمن أساء إليه وأصلح والصورة الثانية لمن هاجر من بيته إلى الله ورسوله (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100) النساء) المنفقون أموالهم أجرهم عند ربهم إنما على الله أجر مستحق بإذن الله لأن الله تعالى هو الذي يعد. وختم الآية بقوله (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ما مناسبة ذكر الظلم هنا؟ الله تبارك وتعالى يقول لك إذا أخذت حقط بنفسك فأنت ظالم لا محالة لو أنك حققت المثلية بالتمام وأخذت حقك بالتمام فأنت ظالم لنفسك لأنك تركت أجرك الذي هو على الله وأخذت حقك في الدنيا الفانية، ولو أخذت حقك أكثر من اللازم فمن الصعب أن تحقق المثلية تمامًا

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل