دورة الأمثال في القرآن - سورة التحريم - د. محمد جابر القحطاني

دورة الأمثال في القرآن - سورة التحريم

د. محمد بن جابر القحطاني

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

ننتقل إلى سورة التحريم وقد ضرب الله U فيها مثلين، قال الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)[التحريم: 10]، طبعًا تعرفون سورة التحريم فيها بيان لبعض أحوال النبي r مع أزواجه. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[التحريم: 1-2].(عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن ...)، الآيات، ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)[التحريم: 6]ثم قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)[التحريم:9].

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)[التحريم: 10].

 يقول ابن عاشور –رحمه الله-: (وهذا المثل لا يخلو من تعريض بحثّ زوجي النبي r على طاعته، وبأن رضى الله تعالى يتبع رضى رُسُله، فقد كان الحديث عن زوجتي النبي r قريبًا، وكان عملهما فيه شيء من المخالفة، وكان في المثلين ما فيه إشعار بالحالين).

يعني معناه: لو خالفتم وعصيتم أو آذيتم النبي r فلن ينفعكك قربكم من النبي r، لن ينفعكما -الزوجتين- أنكنّ زوجتا النبي r، فـ(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ) فامرأة نوح وامرأة لوط زوجتان لنبيين، ومع ذلك لم ينتفعا بهذه الصلة؛ وبهذه الزوجية، لأنهما لم يؤمنا، فقال الله U: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا) في عدم انتفاعهم بمن كانا له حظٌّ ووجاهةٌ وقربٌ من الله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ) وقُرب الزوجية من أقوى أنواع القُرْب، طبعًا (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) وفي التعبير بـ«تحت» دلالة: وهو أن المرأة لا تكون إلا تحت رجل، وتحت قوامته، وينبغي لكل امرأة أن تكون كذلك، ولكل رجل أن يعي ذلك، لأن الله قال: (كَانَتَا تَحْتَ) «تحت»، يعني: 

- الله جعل القِوامة للرجل.

- وجعل الهيمنة للرجل.

- والفوقية للرجل، لا لشيء إلا لتصلح الحياة، لأن طبيعة الحياة تقتضي كذا، طبيعة الرجل والزوج تقتضي كذا، وطبيعة المرأة تقتضي كذا، فمتى انقلب الأمر فسدت الحياة، فمتى ترجَّلت المرأة وتنازل الرجل عن مكانته اختلَّت الموازين، هذه هي السنة المعروفة الغالبة، ولذلك ما من مجتمعٍ تبقى القِوامة فيه للرجل والأمر للرجل إلا والحياة مستمرة ومستقرة، فإذا انعكست الأمور فسدت الأحوال؛ لأنها خالفت مقتضى السنة التي جعلها الله، ولذلك قال الله تعالى: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) وهما: نوح u ولوطu (فَخَانَتَاهُمَا) ما معنى الخيانة هنا؟ خيانة دين، لا خيانة فراش وزوجية؛ أبداً، لأن الله لا يرضى لنبيه أن تكون تحته امرأة خائنة لفراشه بحالٍ من الأحوال وإنما خيانة دين، يعني: لم يستجيبا لهما ولم يدخلا في الدين الحق؛ امرأة نوح وامرأة لوط (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) [التحريم: 10]، وهذا واضح جدًا في الدلالة على المقصود وأن فيه تعريض، طبعًا أزواج النبي r يختلفن؛ هن مؤمنات من خيار الناس، لكن تعريض وتنبيه على أن القُرب لا ينفع، وإنما المسألة بالعمل والاستجابة والامتثال، طبعًا لم تُذكر قصة امرأة نوح في غير هذه الآية، بخلاف قصة امرأة لوط فقد ذُكرت أكثر من مرة، أما امرأة نوح فلم تُذكر إلا في هذه الآية، يقول: والذي يظهر أنها خانت زوجها بعد الطوفان وأن نوحاً لم يعلم بخونها؛ لأن الله I سمَّى عملها خيانة، والخيانة فيها معنى الخفاء وعدم العلم، فكأنه لم يعلم بها إلا بعد الطوفان، وقد ظهر أن المراد بالعبدين هنا: نوح ولوط، وإنما خُصَّا بوصف «عبدين صالحين» مع أن وصف النبوة أعظم، وصف النبوة أعظم ولا الصلاح؟ وهل يكون نبيًا إلا من كان صالحًا؟!

وهذه أشكلت على المفسرين، كما في قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا)[المائدة: 44]، الإسلام أعظم أم النبوة؟ النبوة أعلى، يقولون: والأصل في الوصف المدح، أن تذكر وصفًا أعلى من الوصف، يعني: تقول: جاء رجلٌ كريمٌ عالمٌ، فالعلم أعظم من ذكر لفظ الرجولة، يعني: شيء عالي، لأن الوصف ينتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ فكيف يصفهم بالأدنى؟

الأصل في الوصف أن يكون أعلى من الموصوف، فكيف يُوصف بالأدنى؟!

فيقول ابن عاشور -له لفتة جميلة- يقول: «أحيانًا يُراد بالوصف مدح الصفة لا الموصوف»، يعني: أنَّ ذكر وصف الصلاح هنا مدح للصلاح، وأن ذكر وصف الإسلام هناك مدح للإسلام، لا مدح للموصوف، على حد قول القائل:

ولئنْ مدحتُ محمداً بقصيدتي

 

فلقد مدحتُ قصيدتي بمحمدِ

أنا لمَّا أمدحه هو أغنى من مدحي أصلًا، لكن لما أمدحه أمدح قصيدتي.

فيقول: إن العرب أحيانًا يصفون العظيم بوصفٍ يُوجد فيه من هو أقل منه، لبيان عظمة الصفة، لمدح الصفة لا لمدح الموصوف، وهذا هنا مدح للصلاح، وأن الصلاح من شأن الأنبياء الذين هم أعلى الناس صلاحًا.

إذن المقصود هنا مدح الصفة لا الموصوف، لأن الموصوف قد وصل إلى منزلة أعلى من الصفة، وهي النبوة التي لا تكون إلا لأعلى الصالحين، وخيار الصالحين، إذن فيه حثّ على الاتصاف بالصلاح.

(وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)[التحريم: 10]، فالمقصود من هذا المثل:

- هو التحذير من الاغترار بأحدٍ أو بالقرب منه، والعبرة بالعمل لا بالقُرب.

- والتحذير من الخيانة، وبيان عاقبة سوء الكفر، وأنَّ من اتَّصف به واتَّصف بالخيانة، سيُعذَّب أيًا كانت منزلته وأيًا كانت صِلاته.

وفي المقابل: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[التحريم: 11]، لمَّا ضرب الله المثل للذين كفروا، أعقب بضرب مثل للذين آمنوا لتحصيل المقابلة، فيتَّضح مقصود المثلين معًا، وجريًا على عادة القرآن في إتباع الترهيب بالترغيب، وجعل المثل للذين آمنوا؛ طبعًا بحال مَنْ؟! -هناك امرأتين وهنا امرأتين بعد، ومريم ابنة عمران، لكن ما ذُكر في الآية- بحال امرأتين لتحصل المقابلة للمثلين السابقين، هناك امرأتان وهنا امرأتان، فهذا مراعاة النظير في المِثلين، وجاء أحد المَثَلين للذين آمنوا لإخلاص الإيمان، والمثل الثاني: لشدة التقوى.

فكانت امرأة فرعون مثلًا للمتانة في الإيمان ومريم مثلًا للقنوت، لأن المؤمنين تبرأوا من ذوي قرابتهم الذين بقوا على الكفر بمكة، وامرأة فرعون هذه هي امرأة فرعون الذي أُرسل إليه موسى u وتعرفون ورد لها خبر، قال U: (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)[القصص: 9]، وقد ورد تسميتها في الحديث، ما اسمها؟ «آسية» وسمَّاها النبي r «آسية» في قوله: «كَمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون » والحديث رواه البخاري.

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا) في التمسُّك بالدين ومتانة الدين، وقوة التمسك به مع شدة الظروف المحيطة بها: امرأة فرعون، البيئة والواقع ليس مبررًا لعدم التمسُّك بالدين، فليس هناك في الظاهر أشد ظروفًا وأبعد عن الاستجابة من امرأة فرعون، كانت تعيش في بيت أسوء طاغية، جبَّار، ظالم، ومع ذلك آمنت، فلا عُذر لأحد بأن يقول: أهلي لا يساعدوني، بيئتي غير مناسبة، ما فيه عذر، وهذا العذر إنما يقوله من يريد التفلُّت، أما متين الدين فلا يعتذر بشيء، فمع شدة طغيان فرعون وكونها امرأته وزوجته وتحت تصرفه إلا أنها تمسَّكت بدينها، فالبيئات عند أهل الإيمان الصادق لا تؤثِّر، أيًا كانت، لأن بعض الناس يُبرِّر تقصيره وسوءه وتفريطه بالبيئة التي يعيش فيها، صحيح أنها تؤثِّر، لكن أهل الإيمان يتغلبون على قوة البيئة، وعلى قوة تأثيرها.

قال الله U: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[التحريم: 11]. طبعًا هذه الدعوة دليل:

- على متانة الدين.

- وقوة التعلق بالله U.

ومن أعظم ما يجعل الإنسان يتمسَّك بدينه: شعوره ويقينه بأن العاقبة حميدة، فهي لا مُثَبِّت لها ومعين لها على تحمُّل ما كانت تجده إلا تذكُّر العاقبة وأنَّ لها بيت في الجنة.

فتسأل الله U أن يؤتيها عنده « عِنْدَكَ » ، «بدأت بالجار قبل الدار» كما يقولون، (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ)، «عِنْدَكَ» هذه أعظم من الجنة، القُرب من الله أعظم من الجنة، فبدأت بالجار قبل الدار، أهم شيء «عِنْدَكَ» يا رب ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ) طبعاً هي عانت من القُرب من الكفر والفجور والعِصيان والظلم والطغيان، فتريد أن تقترب من الله جلَّ وعلا الذي آمنت به، فقالت: ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ).

وهذا يدل على ماذا؟ على أنها كانت تُحارَب وتُصَدّ عن الدين، لذلك يقول ابن عاشور: والظاهر أن قولها: ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) مؤذِنٌ بأن فرعون وقومه صدّوها عن الإيمان، وزيّنوا لها أنها آمنت بموسى، إن آمنت بموسى سيضيع ملكها، وستترك ما هي فيه من النعيم والقصور، فأصرَّت على ذلك.

وطبعًا ورد بأنها عُذِّبت حتى قُتلت، ومعروف؛ هذا شيء طبيعي لأن فرعون إذا كان يُقتِّل الناس كلهم؛ لأجل إتباع موسى u والإيمان، فما بالكم بأقرب الناس له ومن تحت يده؟ فمع ذلك كله صبرت وثبتت وكانت تقول: ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ).

(وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وهذا مَطلب لأهل الإيمان: البُعد عن أهل الكفر، والبعد عن أعمالهم مطلب لأهل الإيمان، لأنه يؤرِّقهم ويسؤوهم رؤية الكفر وأهله، (وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وهذا مطلب لأهل الإيمان.

وقال الله U: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)[التحريم: 12]. هذا عطف على مَنْ؟ على امرأة فرعون. (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ )[التحريم: 11]، (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)[التحريم: 12]، أي: وضرب الله مثلاً للذين آمنوا مريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها، فضرب مَثلَين في الخير كما ضرب مَثلَين في الشر، و«مريم» هذه معروفة، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من موضع، وما يبين فضلها ومكانتها، ويكفيها فضلًا أن الله أثنى عليها وجعلها صدِّيقة، ورزقها عيسى u الذي هو أحد أولي العزم من الرسل.

أثنى عليها بثناء عظيم ووصف عظيم وهو: (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)[التحريم: 12]، أي: حفظته، وجعلته حصينًا، ومعناه: عدم الوقوع فيما يسوء من الفاحشة، لأنها اتُّهمت بهذا، فأثنى الله عليها بما يبين أنها كانت عفيفة محصنة؛ لا مجال لرميها ولا للتنقص منها، رحمها الله.

(فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)، النفخ كان عن طريق جبريل u؛ حيث أرسل الملك فنفخ في درعها أو في جيبها؛ فكانت النفخة هذه سببًا لحملها (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم: 12].

فاتّصفت بالإحصان والتصديق (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا) والمراد بالكلمات: الكلمات التي أُلقيت بطريق الوحي، و«كتابه» و«كتبه» فيه قراءتين:

- يجوز أن يكون المراد «الإنجيل» الذي نزل بعد ذلك.

- ويجوز أن يكون ما كان مكتوبًا قبل من الكتب التي أنزلها الله على الرسل.

(وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)[التحريم: 12]، أي: مديمي الطاعة، طبعًا «القانتون»: هم المكثرون من الطاعة، فكانت منهم رحمها الله.

وهذا ثناء على مريم -عليها السلام- كما هو ثناءٌ على امرأة فرعون بالإيمان والاتصاف بالإيمان، والمقصود بذلك: بيان فضل الإيمان وأنه به تعلو المنزلة، وأن لم يحقق الإيمان فعاقبته النار -والعياذ بالله- ولو كان من أقرب الناس، فمسألة الإيمان لا ترتبط بالصِلات والقرابات، وإنما ترتبط بقوة الاتّصال بالله وتحقيق الإيمان، وبهذا نختم التعليق على هذه الأمثال.

ونسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياكم لمرضاته، وأن يعيننا وإياكم على فهم كتابه وتدبر آياته، وأن يجعلنا جمعيًا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وشكر الله لكم إنصاتكم وبارك فيكم وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل