دورة الأمثال في القرآن - سورة الجمعة - د. محمد جابر القحطاني

دورة الأمثال في القرآن - سورة الجمعة

د. محمد بن جابر القحطاني

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

نأتي إلى مثل مهم جدًا، في سورة الجمعة جديرٌ بالتأمل والوقوف معه، (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[الجمعة: 5].

مثلٌ صريحٌ واضحٌ بين، (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ) مَنْ هم؟ اليهود وعلماء اليهود، من كُلِّف بحمل التوراة وهي: الكتاب الذي أنزله الله على موسى u، (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) ما معنى (لَمْ يَحْمِلُوهَا) ؟

- لم ينتفعوا بها.

- ولم يعملوا بما فيها.

(كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) أسوأ مَثَل في القرآن: الحمار والكلب، ضُربت لِمَنْ؟ لِمَنْ أُوتي العلم ثم لم ينتفع به، نسأل الله العافية.

(ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ) الظاهر الحمار معروف ما يحتاج نعرفه؛ الحمار: الذي يُضرب به المثل في البلادة والهوان (يَحْمِلُ أَسْفَارًا) "الأسفار" يعني: الكتب، على ظهره كتب كثيرة يحملها، ولكنه لا يفقه شيئاً مما فيها، ولا يمكن أن يصير بهذه الكتب التي على ظهره، لا عالم ولا ...، ما ينفعه، ما وجه الشبه؟ وما هو المقصود؟ عدم الانتفاع، أنَّ من لم ينتفع بالعلم الذي يتلقاه فهذا -والعياذ بالله- بلغ غايةً من السوء إلى أن مُثِّل بالحمار (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) نسأل الله العافية.

ولذلك قال: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ)، هذا من أشد الأمثال وأسوأها، (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). ما هو المقصود يا إخوان؟ نحن معنيون بهذا المثل، ونحن الذين نقرأ القرآن ونتعلَّم ونتلقَّى العلم، والعجيب أن هذا المثل ذُكر في سورة الجمعة، والجمعة اسم لليوم الذي فيه خطبة، وفيه تعليم للناس، فكأنَّ فيه حثّاً للناس؛ انتبهوا لمَّا يخطب الخطيب يوم الجمعة، ويعلمكم ويقرأ عليكم آيات الله U فلا تكونوا كالذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها.

ومن اللطيف: أنِّي تأملت الجمعة، وجدت أنه يَرِد ذكر الحمار مرتبطًا ببعض مسائل الجمعة، فمثلًا الآية عندنا: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) فكأنَّ فيه دعوةً لحسن تحمل العلم والذكر الذي يقوله الخطيب أثناء الخطبة، وأن من لم ينتفع بالخطبة التي تضمَّنت العلم والقرآن والسنة، ففيه شبه بالحمار الذي لا ينتفع بما يحمل من كتب.

خذوا مثل ثاني في السنة: عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله r: «من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا» والذي يقول له: «أنْصِت ليست له جمعة»          كلها في الجمعة، طبعًا الحديث أخرجه أحمد وغيره بإسنادٍ لا بأس به.

قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله-: وإنما شبَّهه بالحمار، من هو؟ الذي يتكلَّم والإمام يخطب، قال: وإنما شبَّهه بالحمار يحمل أسفارًا، لأنَّ الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار بشيء، فكذلك من لم يستمع الإمام يوم الجمعة، ما ينتفع من الخطبة، لأنه جالس يتكلم ولا يستمع.

ولذلك روى ابن أبي شيبة عن علقمة بن عبد الله قال: «جلست قريبًا من ابن عمر فجاء رجلٌ من أصحابي فجعل يحدثني والإمام يخطب، فلما أكثر قلت له: اسكت، فلما قضينا الصلاة، ذكرتُ ذلك لابن عمر فقال: أما أنت فلا جمعة لك، وأما صاحبك فحمار». لأنه يتكلَّم، هو يطبق الحديث طبعاً.

وطبعًا فيه مثل آخر يتعلَّق بالخُطباء -نسأل الله العافية- «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابُه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى»، لماذا؟ يقولون: «كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر»، يستغربون، قال: «كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه». هذا الخطيب والمتكلم إذا كان يأمر ويأمر وهو أبعد ما يكون عن الامتثال، فعلينا يا إخوان أن نتفكَّر في هذه الأمثال، نعقل، لا يليق بالإنسان العاقل أن يتشبَّه بهذه الأشياء.

والمثل الآخر في سورة الأعراف -مرَّ معكم الظاهر-: (كمثل الكلب) من هو؟ الذي آتاه الله علم فتركه، وانسلخ منه، وآثر الدنيا وسعى وراء حطامها، وتخلَّى عن قِيَمه ومبادئه وما يقتضيه العلم من قول الحق، ومثل الذي لا ينتفع بالعلم كمثل الحمار، نسأل الله العافية، فلا ينبغي ولا يجوز لنا ولنحذر -أيها الإخوة- أن يكون لنا مثل السوء، علينا أن نجتهد في العمل بالعلم، ليس الشأن في العلم، وإنما الشأن في التطبيق، وما أكثر ما نتلقَّى من العلم لكن أين العاملون؟ نسأل الله أن يعيننا وإياكم على أنفسنا، وأن يوفقنا لمرضاته.

 

وهذه السورة يُشرع قراءتها يوم الجمعة، من السور التي تُشرع قراءتها يوم الجمعة سورة الجمعة والمنافقون، تذكير بهذه القيم، تذكير بهذه الأمور، حتى لا يكون لنا هذا المثل السيئ، نسأل الله العافية.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل