دورة الأمثال في القرآن - سورة الحشر - د. محمد جابر القحطاني

دورة الأمثال في القرآن - سورة الحشر

د. محمد بن جابر القحطاني

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

قال الله تعالى بعد ذلك  في سورة الحشر، ذكر مثَلين قد يكون بينهما تعلُّق فهما كالمثل الواحد: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[الحشر:15-16] مثل عظيم، طبعًا نزلت هذه الآيات في سياق ما ذكره الله عن أهل النفاق مع أهل الكتاب.

(أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ)[الحشر:11-12].

ثم قال الله بعد ذلك: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من قَبل هؤلاء المنافقين (قَرِيبًا) من قبل هؤلاء اليهود الذين وعدهم المنافقون بنصرهم والوقوف معهم، (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) مَنْ هم الذين من قبلهم قريبًا؟

- إما الذين كفروا في بدر وما حصل لهم من خداع ممن؟ من الشيطان.

- أو مَثَل يهود بني قينُقاع الذين كانوا قبلهم فغرَّهم بعض مواليهم، وقالوا: سنقف معكم ضد المسلمين وننصركم فما نفعوهم وأُخرجوا، (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ) مثل هؤلاء الذين يزعمون بأنهم يقفون مع أهل الكتاب وينصرونهم (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)[الحشر:16]. أظن الصورة واضحة.

مَثَل هؤلاء ومَثَل الكفار لما خُدعوا من أهل النفاق ومن الشيطان بأنه سيكون معهم وينصرهم وهو جار لهم، (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ) ويُزيِّن له الكفر، ويغويه، ويوسوس له، ويَعِده بأنه إن كفر فله كذا وكذاوكذا فلما وقع وكفر واستجاب له، سُرعان ما تبرأ منه (قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).

والمقصود من هذا المثل والله أعلم: التحذير من الاغترار بأهل الخِداع والنفاق الذين يدعونك إلى الباطل ويُزيِّنون لك الإثم والسوء والكفر، بحُجَّة أنهم سيقفون معك، وسيعينونك وسينصرونك ولن يخذلوك، فاعلم أنَّ هؤلاء سرعان ما يتركونك عندما تقع، كحال الشيطان عندما يُزيِّن للإنسان الكفر، فإذا كفر -مثل ما صنع معهم في بدر- (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ) يُزيِّن للكفار فعلهم وقتالهم لأهل الإسلام، لا؛ اقتلوهم؛ أنتم أقوياء (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) وأنتم على الحق، وأنتم أصحاب الحق في هذا لأنهم هم الذين خرجوا عليكم، وخالفوا ما أنتم عليه، وصبأوا عن دينكم. (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) أنتم أقوياء ما أحد يستطيع يغلبكم.

(وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ) "الجار" يعني: المُعين الذي يقف معهم ويساعدهم، (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ) على طول(نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[الأنفال:48]. هذا شأن الشيطان وشأن أولياء الشيطان، وشأن أصدقاء السوء من شياطين الإنس؛ يزينون للعبد المعصية، ويدعونه إليها، ويُظهِرون له ما يتعلق من فوائد وماذا سيخرج بنتائج ثم إذا وقع تركوه.

فالمقصود: التحذير من كيد الأعداء ومن كيد أهل النفاق وأنَّ مَثَلَ من انخدع بهم كمثل الذين كفروا قريبًا وهم المشركون لما انخدعوا بالشيطان، فذاقوا العذاب الأليم، (ولهم عذاب أليم).

وطبعًا الشيطان وإضلاله للعباد لا يخفى عليكم، ولا يخفى تبرؤه من الناس، كما قال الله U: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ)[إبراهيم:22].

ومن شأن الشيطان دائمًا أن يُزيِّن للعبد المعصية وأن يُسهِّل له التوبة بعدها، وأنت تتوب، فإذا وقع جرَّه من معصية إلى أخرى، حتى يموت أحيانًا على الكفر والعياذ بالله. فالحذر الحذر من كيد الشيطان ومن كيد أولياء الشيطان، فإنهم يخدعون ثم يتبرؤون سريعًا (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين).

ثم قال الله U في مَثَلٍ آخر في سورة الحشر: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[الحشر:21] هذه الآية العظيمة تدخل في فوائد ضرب الأمثال.

يقول الله U: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) لو أنزلنا هذا القرآن، طبعًا جاء هذا بعد تحذير أهل الإيمان من نسيان الله، (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ)[الحشر:19-20].(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) هذا القرآن، طبعاً المراد بالقرآن في وقت النزول ما نزل من القرآن، لأن القرآن يُطلق ويُراد به جزؤه؛ بعضه.

ثم بعد اكتمال النزول يُراد به القرآن كله، (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ) جبل شديد الصلابة، (جَبَلٍ) والجبل يُضرب به المثل في القوة والصلابة والشدة (لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). ما هو المقصود بالآية؟

  عِظَم شأن القرآن وقوة تأثيره حتى إنه لو جعله الله U للجبال، يعني: لو أنزله في شأن الجبال، طبعاً هو أنزله للناس وليس للجبال، لكن لو أنزله على جبل وكان هو المُخاطَب به والمقصود به وهو يفهم معانيه وما جاء فيه، (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ) لرأيت هذا الجبل(خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) فكيف بكم أنتم أيها البشر؟ عندما ينزل عليكم هذا القرآن العظيم ولا تتأثَّرون به ولا تخشعون له، وهذا يُبين شدة قساوة قلوب من لم يتأثَّر بالقرآن ولا يخشع عند الاستماع إليه وتلقيه، لأن هذا القرآن مِن شأنه أن يؤثِّر على أشد الأشياء قسوة، لو كانت مقصودة بالإنزال، لكن الله لم ينزله عليها، أنزله علينا نحن، فإذا لم نتأثَّر به فنحن أشد قسوة من الحجارة ومن الجبال، نسأل الله العافية.

ولذلك ينبغي لمن لا يتأثَّر بالقرآن:

- أن يخاف.

- وأن يراجع نفسه.

- وأن يعلم بأنه مصاب بمصيبة عظيمة وهي القسوة، قسوة القلب وشدة الغفلة، فعليه أن يُصلح شأنه وأن يُراجع فساد قلبه وأن يسعى في علاج حاله، حتى يتأثر بالقرآن، وإلا فإنَّ هذا القرآن من شأنه أنه لو أُنزل على الجبال لتصدَّعت من خشية الله U، فما بالكم بالإنسان وهو إنسان.

لذلك قال الله U: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ),  تفكَّر في أمرك وفي حالك وفي شأنك، لماذا لا تتأثَّر بالقرآن؟ أكيد هناك موانع تمنعك، فيه حُجُب، فيه أقفال تحول بين قلبك وبين القرآن، وإلا لو وصل القرآن إلى القلب، فلابد أن يؤثر عليه لو كان قلبًا سليمًا ولذلك قال الله U: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[محمد:24].

فالمقصود -أيها الإخوة الكرام- من هذا الآية: الحثّ على التفكر الذي خُتمت به الآية ومعرفة سبب عدم التأثُّر، فما يحصل للإنسان من غفلة وقسوة لابد أن يكون له سبب، والسبب طبعاً مع الكفار ومع غيرهم هو التكذيب وردِّ الحق، والله U يعاقب من رد الحق وكذب به بأن يحول بينه وبين الانتفاع بهذا القرآن.

من أعظم أسباب القسوة والغفلة: عدم الاستجابة لله وللرسول؛ لأن الله I يحول بين المرء وبين قلبه، فلا يملك قلبه، ولا يستطيع أن يتأثر بالهدى ويستجيب له.

ولذلك علينا -أيها الإخوة- أن نتفكَّر، وقد خُتمت هذه الآية بالدعوة للتفكر في حالنا وفي سبب قسوة قلوبنا، ومن أطال التفكر وأطال التأمل فلابد أن يصل إلى السبب إن كان مريدًا للهُدى راغبًا في التأثر، لأن من شأن القرآن أن يُؤثِّر، فمن لم يتأثر فليراجع نفسه، والعيب ليس في القرآن وإنما فيه، فهو هدى ونور وله تأثير عجيب، فمن لم يتأثَّر فليبحث عن السبب.

الأسباب كثيرة -وليس هذا محل بسطها- وقد يختلف السبب من شخص إلى آخر:

- الغفلة-عياذًا بالله-.

- المعاصي والذنوب (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين:14].

- الكبر لأن الله قال: (سأصرف عن آياتي) -عن فهمها  والتأثر بها- (الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق).

- الظلم (والله لا يهدي القوم الظالمين).

- الفِسق.

- الكفر.

 

 لا يهديهم هؤلاء ولا يوفقهم ولا يجعلهم يتأثرون بالقرآن، فلابد من إزالة المانع وتغيير الحال حتى يحصل التأثر بالقرآن، مثل الكوب هذا، لو كان مقلوبًا معكوسًا مهما سكبت فيه من الماء لا يقبل؛ بس غير الوِجهة، وكذلك القلب، الذنوب والمعاصي تجعل القلوب كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، فلابد من إزالتها بالتوبة والاستغفار والإنابة والذكر، حتى ينجلي ما عليها، تتأثر بعد ذلك، لأن من شأن أهل الإيمان أن يتأثروا، لذلك قال الله U: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[الأنفال:2]. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل