دورة الأمثال في القرآن - سورة الحديد - د. محمد جابر القحطاني

دورة الأمثال في القرآن - سورة الحديد

د. محمد بن جابر القحطاني

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

ننتقل إلى مثلٍ آخر، سنضطر للاختصار من أجل الوقت، طبعاً الآية السابقة: فيها بيان فضل صحابة رسول الله r -ولاشك يا إخوان- أن من عقيدة أهل السنة والجماعة -وأنهم يختلفون عن غيرهم من أهل البدع-: في تعظيم الصحابة وإجلالهم والترضِّي عنهم، وأنهم كلهم عدول –رضي الله عنهم- أجِلاء، وأن بعضهم أفضل من بعض كما لا يخفى ذلك، وليس هذا محل تفصيله.

قال الله تعالى في سورة الحديد: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[الحديد:20].

سورة الحديد فيها موضوع رئيسي تكرَّر، وهو إيش؟!

- (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا)[الحديد:7].

- (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ)[الحديد:11] الإنفاق.

- (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ)[الحديد:18], (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)[الحديد:19].

ثم قال الله U: (اعْلَمُوا) تنبيه؛ وأمر بالعلم، وهذا يدل على أهمية ما يأتي، (اعْلَمُوا) أيها الناس أيها المُخاطبون (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ)  تمثيل هنا .

المقصود: اعلموا يا عقلاء يا أيها الناس يا أهل الإيمان أن الدنيا حقيرة؛ وأن الذي يُمسك عن الإنفاق إنما يمسك تعلُّقًا بالدنيا، وحُبًا للمال، فالدنيا هذه كُلُّها ليست إلا (لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ) وهي فانية؛ زائلة -كما سيأتي في التمثيل- فالمقصود: الحث على الإنفاق، وبيان حقيقة الدنيا التي جعلت أكثر الناس يمتنعون عن الإنفاق؛ تعلقًا بالدنيا وركونًا إليها، وهي لا تستحق هذا.

فبيَّن الله حال الدنيا -وتأمَّلوا أيها الإخوة حال الترتيب- يكفي اسم الحياة أنها "دُنيا":

- (لَعِبٌ).

- (وَلَهْوٌ).

- (وَزِينَةٌ).

- (وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ).

 - (وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ).

 جميلٌ ما أورده ابن عاشور في ترتيب هذه الأشياء بناءً على الإنسان وعُمر الإنسان:

-  فاللعب في الطفولة، لأن الطفولة تُحب اللعب.

- واللهو في الشباب.

- والزينة في الفتوة؛ يبدأ يهتم بالزينة.

- ثم يأتي التفاخر في الكهولة.

- ثم التكاثر في الشيخوخة.

يغلب اللعب في الطفولة، ولذلك رتَّبها هكذا، اللهو في الشباب، الزينة يتزين الواحد لما يصير قوي ويشتد واقترب الزواج يبدأ يهتم بالزينة بعد أن كان لا يهتم فيها.

ثم لما يصير عنده أولاد يبدأ يفاخر غيره، لأنه نضج عقله فيبدأ يفتخر بما عنده من الصفات، ثم في الأخير: إيش ناتج حياتي؟ يبدأ أنا كذا وكذا ويتكاثر. (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)[التكاثر:1-2]. ولذلك ارتبط التكاثر بزيارة المقابر.

اللعب ما هو اللعب؟ اللعب: قول أو فعل، يُراد به المزح؛ الهزل، إضاعة الوقت، إزالة الوحشة، وهذا يُقبل في سن الطفولة، لأن الطفل عنده نقص عقل ويحب اللعب بطبعه، لكن إذا وُجد اللعب من الكبير؛ مدح ولا ذم؟ ذم. لأنه دليل على نقص العقل، كأنه طفل، فهو من نقص العقل ومن السفاهة الإكثار منه، ولذلك قال المشركون -قوم إبراهيم- (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ)[الأنبياء:55], بالذم، فاللعب والاشتغال باللعب لا يليق بأهل العقل، وإنما يليق بالأطفال والصغار ومن في حُكمهم من أصحاب العقول ... ، لذلك اللعب ليس مدحًا، يعني: فلان لعب؛ إيش لعب؟ هل هو مدح ذا؟ المشكلة أنما يُذم صار مدحًا، فاللعب لَعِب يُراد به الذم وبيان نقص العقل، ولذلك جعل الله الدنيا لعب في مقام الذم.

واللهو: يُقصد به الأقوال والأفعال التي يريد الإنسان بها أن يتلهَّى عن شيء، عنده طفش يبغى يلهو، لذلك يقولون: اللهو يُقصد منه التذاذ النفس وصرفها عن ألم حاصل أو تعب جسد أو حزن أو كمد، فيلهوا لأجل أن يخرج عن واقع مؤلم، فيلهو بشيء لأجل أن ينسى شيئاً آخر، وهذا يكثر في الشباب، اللهو؛ الخروج عن الواقع، يريد أن يلهو، يتلهى عن واقع يعيشه، هم؛ ضيق؛ حزن، ولذلك غالبًا ما يلجأ الشباب إلى اللهو عندما لا يجدون ذواتهم ولا احترام ولا تقدير، فيذهب يلهو لأجل أن يخرج عن واقع.

(وَزِينَةٌ) الزينة: هو ما يُتزيَّن به، والدنيا زينة يُتزين بها، طبعًا الزينة هي الشيء الخارج عن الإنسان لأجل أن يُكمِّل نفسه به، يُظهر نفسه في صورة حسنة، فالزينة ليست ذاتية وإنما خارجة، ولذلك غالبًا ما يحرص عليها ويُبالِغ فيها -هي طبع في الإنسان يحب التزيُّن- لكن لا يبالغ فيها إلا من يشعر بالنقص، فيريد أن يُكْمِل ما يشعر بالنقص فيه بأشياء كثيرة يُضيفها إليه.

ولذلك تجدون العقلاء وأصحاب الرجاحة ما يُكثِر من التزيُّن؛ لأنه ما يشعر بالنقص، لكن لما يكثر الجهل؛ يكثر النقص في الإنسان يتزين أكثر، ولذلك أكثر من يتزيَّن مَنْ؟ النساء لشعورهن بالنقص، فعندهن نقص أصلًا في جوانب، (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ)[الزخرف:18]. فبطبعها عندها نقص في أشياء، فطرها الله على هذا، فالتزيُّن في حقها ما فيه مشكلة، مطابقٌ لأصل خِلقتها، لكن مبالغة الرجال فيه لا تحْسُن.

فالدنيا زينة على كل حال الدنيا يتزيَّن بها الناس، ولذلك كثير من الناس يتزيَّنون بالدنيا، والمبالغة فيها والبيوتات والتحف والأشياء الكماليات، عندما يشعرون بنوعٍ من النقص، ولكن العقلاء....

ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام أكمل الناس عقلًا وأرجحهم، ماذا كان حاله؟ كل بيته زينة في زينة؟! ما يلتفت إلى هذه الأشياء، لكماله ورجحان عقله، فكلَّما عَظُم عقل الإنسان وتعلَّق بالآخرة قلَّ اهتمامه بالزينة، وكلَّما قلَّ عقله وركونه إلى الدنيا اهتمَّ بالزينة أكثر، ولذلك الاهتمام بالزينة مظهر من مظاهر النقص، ولذلك غالبًا ما يكثر الاهتمام بالزينة عند أهل الجهل، أهل النقص، يبالغ في الزينة.

(وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ) التفاخُر: هو ذكر الأوصاف لأجل أن يفتخر بها على غيره، التفاخر أنا كذا أنا كذا أنا كذا، طبعاً الله (لا يحب كل مختال فخور) لا يحب الافتخار.

(وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ) هذه الدنيا.

قال الله: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) ( كَمَثَلِ غَيْثٍ) الغيث ما هو؟ المطر، ذُكر المطر للتحسين وإلا المقصود ما ينبت، لا المطر نفسه، (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) يعني: كمثل النبات الذي ينبت بالغيث، لأن الصورة تشبيه الدنيا بالنبات، وليس بالغيث، لكن كما يقول: ذُكر الغيث لأنه سبب النبات ولتحسين الصورة (كمثل غيث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) أول ما يطلع النبات يُعجب الكفار، ما المقصود بالكفار؟ الزُرَّاع، لماذا قلت الزراع؟ للسياق، عندنا سياق، وعندنا ظاهر مُتبادَر للذهن عندما يُطلق لفظ الكفار، لما يُقال الكفار ما المراد بهم؟ الكفار كفار؛ الذين كفروا، فهل المراد الكفار الكفار الذين كفروا بالله ورسوله؟ أو المراد بالكفار الزُرَّاع وسُمِّيَ الزراع كفارًا؛ لأن الكَفْر هو الستر وهم يسترون البذر لمَّا يزرعون، إيش رأيكم؟! الكفار الكفار ولا الزُرَّاع؟

طيِّب، هل من مانعٍ يمنع من حمل اللفظ على معنييه؟ فيه مانع؟! لا، ما فيه مانع، يعني: يصح أن يُقال:

- يعجب الزُرَّاع الكفار.

- ويعجب الكفار الكفار، لأن الكفار هم أكثر الناس اشتغالًا بالدنيا وإعجابًا بها، وركونًا إليها، لأنه لا آخرة عندهم، ولا يؤمنون بها، وليس لهم حظٌّ فيها، فهذا حظهم في الدنيا، فيركنون إليه ويعجبون به.

أما أهل الإيمان فمهما عَظُمت الدنيا عند مؤمن، فهي قليلةٌ وحقيرة، لأن فيه آخرة وفيه جنة وفيه ما هو أعظم منها، فلا مانع من أن يُحمل؛ بل ابن القيم-رحمه الله- قرَّر بأن الكفار حيث ورد ذِكرهم في القرآن فهم الكفار، لأن هذا يوافق عُرف القرآن والمعهود من استعماله، وهذه قاعدة من قواعد الترجيح: (إذا دار اللفظ واحتمل اللفظ معنىً نادرًا قليلًا، ومعنىً ورد كثيرًا في القرآن، فإنه يُحمل على المعنى المعروف المعهود في القرآن). والمعهود في القرآن من أوله إلى آخره أن الكفار إذا أُطلقوا فهم عكس أهل الإسلام؛ عكس المسلم، الكافر الذي كفر بالله ورسوله.

ونقول هنا مع ذلك: إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى فإنه يُحمل على المعنيين:

- يُعجب الكفار الزراع.

- ويعجب الكفار الذين كفروا؛ لأنهم شديدوا الإعجاب بالدنيا.

(كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا)، ما معنى (يَهِيجُ)؟ أحد عنده تفسير أو يعرف تفسير أو مرَّ عليه التفسير؟ (يَهِيجُ): ييبس، تكاد تتفق كلمة المفسرين على أن "يهيج" بمعنى ييبس، لكن هل يتفق هذا التفسير مع معنى اللفظ "هاج" هاج الثوران.

لذلك يقول ابن عاشور ويعلِّق على هذا، يقول: اتفقت كلمة المفسرين على أن المراد بـ"يهيج" ييبس، وليس لهذا أصلٌ يُعتمد عليه في اللغة -هذا كلامه طبعًا- ولكن الهيجان معناه الثوران، ولذلك سياق الآية (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا) يعني: الاصفرار مع هَيَجان وهو قوة النبات، لمَّا يصفّر يعني: يستوي وليس ييبس، اليُبس بعد ذلك، فيقول إن معناه: المقصود بهيجان يهيج، يعني: يشتدّ حتى يصل إلى مرحلة القوة، وهي التي تكون مُقارنة لمرحلة النضج والاستواء.

(ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا). وماذا بعد الاستواء؟ الانتهاء، لذلك العامة عندنا يقولون: (الله يكفينا شر الدنيا إذا استوت)، تسمعون بهذا؟! يعني: لأنه ليس بعد الاستواء إلا ....، ما ليس بعد الكمال إلا النقص، فإذا استوى النبات وهاج وصار مصفرًا ما بعده إلا الحطام.

(ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا) هذه هي الدنيا، بدايةٌ؛ تُعجب الناس؛ خاصة من كان يُعظِّم الدنيا، ثم اشتدادٌ واستواءٌ وقوةٌ، ثم بعد ذلك ضعفٌ فموت، فهل تستحق الدنيا التي هذا حالها أن يُعظِّمها الناس وأن يجعلوها هي المقصد من أعمالهم وأن يجعلوها هي أكبر همهم؟ لا والله، لا ينطلي ذلك على أهل العقول، لأن الشيء الذي ينتهي ...؛ يقولون: (لو كانت الدنيا ذهبًا يفنى, والآخرة خشبًا يبقى لكان العاقل يؤثر الخشب الذي يبقى على التبر والذهب الذي يفنى، فكيف وهي العكس؟).

لو خَيَّرت أي واحد وقلت: تعال هذا بيت متواضع جدًا؛ أرض من أدنى أنواع البيوت والمنازل وملكك، وخذ هذه الفيلا الفخمة لمدة أسبوع وتُسحب عليك، ماذا تختار؟ السفيه والخبَل والطفل سيختار الفيلا لأن فيها ألعاب وفيها أشياء حلوة، والعاقل يختار الذي يبقى.

مَثَلُنا ومثل الدنيا مثل طفل أُدخل على غرفة فيها ذهب وأموال وفيها حلويات وألعاب، وأنت أخوه الكبير أو أبوه، قلت: اذهب يا ولد وهذا كرتون واملئه مما في الغرفة ، ودخل الطفل ورأى الشوكولاتات والحلويات والألعاب وجواهر -ذهب- وأموال، ماذا يأخذ؟ ويخرج يعطيك، لك ما أخذ، هذا حالنا مع الدنيا مع الأسف، كثير من الناس في صورة الطفل هذا، يعمل للدنيا ويتعب للدنيا ويكدح للدنيا، ولا يصلي ركعتين لله تبقى، ولذلك هذه الدنيا لمَّا ننظر لها بهذا المنظار تهون الدنيا علىنا حتى أن الواحد ينفق ماله كله إذا المسألة مسألة آخرة، لماذا كان الصحابة ينفقون أموالهم كلها؟ أبو طلحة أفضل حديقة عنده ويقول: هي لله؛ لأن الدنيا عندهم يعرفونها هذه حقيقتها، بكرة ستنتهي، فأنا أريد شيء يبقى.

ولذلك من أعظم ما فَتن الناس في هذه الأزمان الدنيا، تعلَّقوا بها وتقاطعوا لأجلها، وهمُّهم كلّه لأجلها إلا من رحم الله، فتنة هذه الأمة الدنيا وما يتعلق بها، فلابد أن نعرف الدنيا على حقيقتها، وأنها مهما كانت إلى زوال، وأما الآخرة فباقية؛ هي الحياة الحقيقة التي لا تنتهي، ولذلك قال الله U: (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[الحديد:20]. (مَتَاعُ الْغُرُورِ) متاع، خداع، متاع زائل.

فمن أعظم ما ينبغي -أيها الإخوة الكرام- لأهل العقل والإيمان: أن ينظروا إلى الدنيا بميزانها وإلى الآخرة بميزانها الذي جعله الله لها، فمن كانت نظرته للحياتين بمقتضى الشرع والله ما يُؤثِر الدنيا على الآخرة، بل يؤثر الآخرة على الدنيا، ويكون أكثر همّه وأكثر شغله وأكثر تعلُّقه وأكثر علمه لأجل ما عند الله والدار الآخرة (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)[الإسراء:19].

فالمقصود من هذا المثل: بيان حال الدنيا، وأنها مهما أعجبت الناس وغرَّتهم فهي إلى زوال وفناء سريع، لأن الزرع سريع الزوال، ليس مثل نبات يجلس ثلاثين سنة أربعين سنة خمسين سنة، لا، الزرع إما في السنة مرة أو في نصف السنة مرة ويذهب، وهذا المقصود بالزرع الذي يُحرث فينبت؛ عادة يكون في أشهر وينتهي.

 

فينبغي أن نعلم هذه القضية جيدًا -أيها الإخوة- وأن نتعامل مع الدنيا بهذا الميزان وأنها زائلة، هذا المقصود بهذا المثل، وألا نشتغل لا بالتفاخر ولا اللعب ولا باللهو، لأنه لا وقت في الدنيا لهذه الأشياء كلها (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)[العنكبوت:64].



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل