دورة الأمثال في القرآن - سورة الفتح - د. محمد جابر القحطاني

دورة الأمثال في القرآن - سورة الفتح

د. محمد بن جابر القحطاني

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

ننتقل إلى مثلٍ آخر عظيم فيه فوائد كثيرة، في آخر سورة الفتح (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الفتح: 29].

 تعرفون سورة الفتح، ما المقصود بالفتح؟ المراد بالفتح في سورة الفتح بإجماع: صُلح الحديبية، سمَّاه الله فتحًا مبينًا، تعرفون أنه حصل في الصلح لمَّا أرادوا أن يكتبوا: «هذا ما صالَح عليه محمد رسول الله كذا» إيش قال الكفار؟ ما فيه رسول الله لو كُنّا نؤمن به ما منعناك.

فالرسول قال: امحوا، والصحابة قالوا: لا؛ كيف نمحو؟ ما يصلح، فأصرَّ المشركون قال: لا تكتبوا فقال الله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)[الفتح: 29]، غصب عنكم، شئتم أم أبيتم، سجِّل هنا: محمد رسول الله، الآيات قبلها (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ)[الفتح: 27-28] من هو هذا الرسول؟ هو محمد رسول الله r.

فجاء الخبر هنا مناسبًا لمُلابسات السورة وما تحدَّثت عنه من الفتح لأنه وقع في نفوس المسلمين شيء، يؤمنون؛ هذه قضية كبرى عندهم أن محمداً رسول الله وبعدين ينازعون في هذه القضية ليس رسول الله!! ما عليكم منهم، يكفيكم أن الله قال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)[الفتح: 29] عليه الصلاة والسلام. هذا شأنه، ويكفيه تكريمًا وتشريفًا وفضلًا أنه رسول الله r، لأن الله لا يختار لرسالته إلا من تجاوز الناس كلهم بالكمال والفضل، اصطفاه الله، فجعله أهلًا لرسالته.

ثم بيَّن حال أصحابه الذين معه، قال: (وَالَّذِينَ مَعَهُ) والأشهر أنها جملة مستأنفة، (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)[الفتح: 29] إما مبتدأ وخبر أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره لسؤال: من هو الرسول الذي (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا)[الفتح: 27] (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ)[الفتح: 28] من هو هذا الرسول؟ هو (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)[الفتح: 29] عليه الصلاة والسلام.

ثم قال الله: (وَالَّذِينَ مَعَهُ) «مَعَهُ»: معيّة تقتضي المُصاحبة والمُلازمة والشراكة في المبدأ والإيمان (وَالَّذِينَ مَعَهُ): وهم صحابته رضي الله عنهم وأرضاهم (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ) هذا المَثَل، هذا شأنهم في التوراة، طبعًا أوصاف عظيمة جليلة ينبغي أن يتّصف بها كل مؤمن وقد اتّصف بها الصفوة، خِيرة هذه الأمة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام.

(أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وهذا لكمال إيمانهم وقوة علمهم ورجاحة عقولهم، أشداء على الكفار، أقوياء، أصحاب بأس وعِزّة على الكفار، لأن «على» تُفيد الاستعلاء، فهم أعلى قدرًا وأعظم شأنًا من هؤلاء الكفار الذين كفروا مثل: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة: 54]، وهنا تظهر قضية مهمة جدًا -يا إخوان- وهي: أن أهل الإيمان يجعلون الإيمان هو الذي يتحكَّم في عواطفهم، وفي أخلاقهم، وفي تصرفاتهم، فيبنون علاقاتهم مع الآخرين ومواقفهم معهم بناءً على مقتضى الإيمان لا على مقتضى البشرية والعواطف، لأن هذا الكافر قد يكون أبًا لك، وقريبًا لك أو صاحب أيادي عليك، ومع ذلك كله؛ فيبقى كافر بالله ومقتضى الإيمان أن تكرهه وأن تعامله بما يقتضيه الإيمان.

أُعيد: لذلك أوثق عرى الإيمان، لماذا؟ لأنك خرجت من دواعي النفس وجعلت الذي يتحكّم في مشاعرك وعواطفك هو الإيمان؛ مقتضى الإيمان؛ مقتضى ما يحبه الله ورسوله، لأن الله يكره الكفار ويبغضهم وهم أعداؤه، فلابد أن تكون شديدًا معهم، ولابد؛ مهما كانت عاطفتك، لا تقول كيف إذا أحسنوا ليّ وما أدري ويش؟ّ قد تتصنّع الإحسان إليهم، لكن لا يمكن أن تكون مُحِبًا لهم ولا لينًا لهم ذليلًا لهم.

أنا أضرب أحيانًا مثل هذا؛ بعضهم يقول: كيف طيِّب أحيانًا يكون أب أخ قريب، أقول: ما شأنك؟ ما تعاملك مع قاتل أبيك -لو فُرض- أو أمك؟ كيف تنظر له؟ واحد قتل أباك وأمك أمامك، هل يمكن أن يكون في قلبك رحمة له؟ يمكن؟!

طيِّب؛ لوكان يتحبَّب لك ويُظهِر الودّ هل ستقبله؟ يمكن أن تقبله؟! ما تقبله وهو أب وأم، فكيف بالله؟ الذين قالوا: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا*لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا)[مريم: 88-89]، آذوا الله؛ كذّبوا الله؛ شتموا الله، «كذبني ابن آدم؛ شتمني ابن آدم» كيف يكون عندك استعداد لقبول الكافر وهو هذا؟

دعونا من العواطف أو الضغوطات التي تأتي، الكافر كافر (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا)، الكافر كافر، لا قيمة له عند الله، مبغوض من الله ، فينبغي أن يُبنى بُغضك وعلاقتك بالكافر بناءً على مُقتضى الإيمان، لا مقتضى داعي النفس والهوى، لذلك (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) وقد يكون هذا الكافر أبًا له أو أخًا أو قريبًا؟ لكنه شديد عليه، لأن هذا مقتضى القوة والإيمان، ترى لمّا تلين له لن يحبك، بل يحتقرك، وقد يحتقر دينك الذي معك، ليس معنى الشدة أنك تُسيء إليه، لكنك صاحب أنَفَة، صاحب قوة، صاحب عِزّة، لأنك على الحق وهو على الباطل، لأنك (وأنتم الأعلون).

هل يمكن لأحد عاقل أن يُذِلّ نفسه مع بهيمة؟ يذل نفسه لها، هي بهيمة، أنت أفضل منها، الكافر أسوء من البهيمة بنص القرآن، فينبغي أن تتعامل مع الكافر بالتعامل المستعلي بإيمانه، القوي بدينه، أيًا كان منزلة هذا الكافر، ولذلك بإجماع ولا خلاف، واحد مسلم بسيط جدًا متواضع ما عنده علم ولا شيء ولا مال، وعايش في الصحراء، ومع غنمه، ولا يعرف إلا أن يقول: أشهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله؛ أفضل من كل الكفار؛ ولو كانوا عباقرة، ولو كانوا مخترعين، هذا هو مقتضى الإيمان، هل هذا فيه شك؟ ما فيه شك، فلذلك هم أشداء على الكفار، فحتى لا يُفهم من قول (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ) أن هذا طبعهم وشأنهم الشدة، قال: (رحماء بينهم)، عزيز هنا وقوي هنا، وبعدين في منتهى الرحمة واللين للمؤمن.

عمر بن الخطاب t الشيطان يهرب منه، لمَّا يجيء عند أهل الإيمان يذهب ويحلب لهم ويجلس وينفخ، ذليل لهم، يذل؛ يحملهم كأنه خادم عندهم، لأنهم يستحقون، انظر هذا الوصف العظيم، وهذا من أعظم ما بدأ الله به أوصاف الصحابة رضي الله عنهم، هذه هي العظمة (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ).

وبعدين علاقتهم بالله كيف؟ (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) ما أعظم هذا الوصف؟ يعني: حالهم لا تراهم إلا ركعًا سجدًا، طبعاً المقصود بالصلاة، ركعاً سجدًا إيش؟! يُصلون، لأن العلماء يقولون-طبعاً فائدة لطيفة-: إذا كان الشيء مهم يُطلق؛ يُسمى الكل به، إذا كان الشيء مكون من أجزاء، وسُمِّي الشيء بجزء من أجزاءه، فإن هذا الشيء يُعتبر من أركانه، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا معناه: «إذا سُمِّي الشيءُ بجزءٍ من أجزاءه، فهذا الجزء ركنٌ من أركانه»، خذوها قاعدة.

- إذا سمَّى الله الصلاة بالقيام، فالقيام ركن (وَقُومُوا لِلَّهِ) [البقرة:238].

- إذا سمّاها ركعًا يعني: ركّعاً سجداً؛ الركّع السجود يعني: المصلون فعبَّر عن المصلين بالركّع السجود، إذن الركوع والسجود ركن. لأنه لا يُسمى الشيء بجزءٍ من أجزاءه إلا إذا كان ركنًا من أركانه.

فالمقصود (رُكَّعًا سُجَّدًا) يعني: مُصلِّين، أنظر إلى التعبير (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) إذن فيه مدح كثرة الصلاة، كثرة السجود كثرة الركوع التعبد الله منقبة، كثرة العبادة منقبة، ما يُقال فلان عابد، يعني: للتقليل منه، العبادة منقبة، كثرة الركوع منقبة، أثنى الله عليها (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) طول الركوع طول السجود مدح.

(يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) إخلاص لا يريدون مدحًا ولا ثناءً؛ يبتغون فضلًا من الله ورضوانا.

(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) ما المقصود من (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)؟ ما السيمة؟ طبعًا السيما هي العلامة، العلامة الحسية، نور ولا الجزاء في الآخرة، النور الذي يكون في الآخرة، ثلاثة أقوال ذكرها المفسرون؟

- أن المقصود العلامة المحسوسة التي تكون في جبين الإنسان، بسبب كثرة السجود، وذلك شيء طبيعي يحصل للإنسان بسبب ملابسته للأرض، خاصة لما تكون حصباء أو فيها رطوبة، فيظهر أثرها على جبهته، وخاصةً الذين يُطيلون السجود وهم لا يتكلّفون ذلك، ويطلبون وإنما ينشأوا تبعًا لكثرة السجود، ما رأيكم في هذا التفسير؟ مقبول ولا غير مقبول؟ مقبول، ليس في اللفظ ما يمنعه، والواقع يشهد له، وليس معنى كل واحد فيه علامة أنه يعني ....: الله أعلم، لكن هي علامة قرينة، لأن اللفظ يحتمل، والسيما العلامة، وتقع في الواقع.

والمعنى الثاني: أن المراد بالسيما: السيمة المعنوية، وهو حُسن السَمت، ووضاءة الوجه، ونور الإيمان، وبهذا أيضاً ورد التفسير عن الصحابة والمفسرين، أن المقصود السَمت الحسن، والهدي الصالح وإن للحسنة نوراً في الوجه، فلطول سجودهم أعطاهم الله جمالًا وبهاءً حتى إنك ترى الشخص المؤمن كثير العبادة أيّا كان شكله؛ ترى في وجهه نورًا وإشراقًا.

والمعنى الثالث: في الآخرة، وقد رُوى فيه حديث مرفوع، أن المراد ما يكون في الآخرة، قال: (أخرج الطبراني وابن مردويه عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله r في قوله: (سيماهم في وجوههم) قال: النور يوم القيامة)، نور، يُعرف المصلون يوم القيامة بنورٍ في وجههم، وحسَّن إسناده بعض أهل العلم، طبعاً هذا تفسير لو ثبت نبوي؛ وهو من أعلى ما يكون؛ لكن لا يعني هذا أنه المعنى الوحيد، والقاعدة: أن اللفظ إذا احتمل أكثر من معنى فإنه يُحمل على جميع المعاني، إلا بقرينة تُخرج أحد المعاني، واللفظ صالح لهذه الأشياء كلها، وهذا يدل على كثرة سجودهم (مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) وطول سجودهم، وهذا من علامات أهل الإيمان، قال الله: ذلك صفتهم وشأنهم في التوراة، قال: (وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ) إيش؟ (كَزَرْعٍ) إيش هو الزرع؟ إذا أُطلق الزرع في القرآن وكثيرًا ما يُطلق فما المراد به؟ هو نوعٌ مما ينبت؛ وهو ما ينبت بعد حرث. (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)[الواقعة63-64].

فقال العلماء: إنَّ الزرع هو ما ينبت بالحرث، يعني: تُحرث الأرض فينبت؛ هذا الزرع، القمح الشعير وما شابه ذلك مما ينبت بحرث الأرض، (أَخْرَجَ شَطْأَه) إيش شطأه؟ فِراخُه صغاره التي تنبت وتخرج بعدما يخرج ما حُرث من الأرض.

والشطأ: هو ما ينبت ابتداءً يُسمى فروع الحبة أول ما تنبت، (أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) ، آزر يعني: قوّاه، (فَاسْتَغْلَظَ)يعني: صار شديدًا، (فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)، لأنه تعرفون أنتم أنَّ النبات الذي يُزرع كالقمح والشعير وما شابه ذلك يبدأ ضعيف، ثم يستوي على سوقه، (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) والسوق جمع ساق، فاستوى على سوقه. 

(فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) طبعًا هذا المثل الأول: (ذلك مثلهم في التوراة)، يعني: شأنهم وصفتهم، والإنجيل فيه تشبيه حال الصحابة بالزرع الذي (أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) المراد بهذا المثل: تشبيه حال بدأ المسلمين ونماءهم حتى كَثُروا بحال الزرع، يبدأوا شيئًا فشيئًا؛ ضعيفًا ثم يتقوَّى حتى يكون مستويًا (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) المزارعين، (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) وهذا شأن أهل الإيمان، يبدؤون، الصحابة بدأوا شيئًا فشيئًا مع الرسول عليه الصلاة والسلام ثم كَثُرَ عددهم، وقوّوا شيئًا فشيئًا، فتكوَّنت لهم دولة، فصاروا أصحاب قوة وبأس حتى صاروا من قوتهم يُغيظون الكفار؛ الذين كفروا بالله ورسوله، هذا المراد بالمثل الذي كان في الإنجيل (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ).

و(لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) فيها فائدة لطيفة ذكرها العلماء، ونقلوها عن الإمام مالك، جاء في تفسير القرطبي، قال أبو عروة الزبيري: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا عنده رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله r، فقرأ مالك: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينهم) إلى أن بلغ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)، فقال مالك -تأمَّلوا هذا الاستنباط-: من أصبح من الناس في قلبه غيظٌ على أحدٍ من أصحاب رسول الله r فقد أصابته هذه الآية (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ), طبعًا الآية لا تقتضي التكفير المطلق؛ وإنما فيه من أفعال الكفار، فإن كان غيظه منهم كُرهاً لهم أو تنقُّصاً لهم فهو كفر، لأنه تكذيبٌ للقرآن، لأنَّ الله زكَّاهم، وأثنى الله عليهم، ومدحهم ورضي عنهم، وأرضاهم، فمن كذبهم أو انتقصهم فقد كذَّب القرآن الذي ورد فيه الشهادة لهم بالفضل، وهذا من أعجب الاستنباطات من الإمام مالك.

لذلك قال ابن عاشور: (قلتُ رحم الله مالك بن أنس ورضي عنه، ما أدقّ استنباطه)، وما أجمل عبارته أيضًا؛ لأنه قال: فقد أصابته هذه الآية، ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).

 

ثم قال الله U: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الفتح:29]. هذا ختمٌ للمثل، والمقصود بالمثل في الإنجيل: تشبيه حال الصحابة-رضي الله عنهم- في ابتداء أمرهم ثم قوتهم شيئًا فشيئًا في حال الزرع الذي يَنْبُت ويخرج ضعيفًا، ثم لا يزال يقوى ويتقوى حتى يستوي ليعجب الزراع –المزارعين- الذين زرعوه ثم قال:(لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل