دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة 11

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة 11: تفسير سورة النبأ - 7

توقفنا عند قول الله تبارك وتعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾) بعد أن بين الله ما أعده لأهل النار المكذبين بالبعث الذين لم يؤمنوا ذكر الله هذين السببين: السبب الأول: لا يرجون حسابا وقلت معناه غير مؤمنين ولا يرتجى منهم الإيمان لأن السبب الثاني الذي بعد ذلك يؤكد هذا (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا). جعل الله تبارك وتعالى لكل إنسان منا قوتان: قوة علمية نظرية وقوة عملية إرادية. القوة العلمية النظرية تكونب معرفة الإنسان بخالقه تبارك وتعالى وتوحيده ومعرفة الطريق الذي يوصل إلى ربه، هذه تسمى القوة العلمية النظرية. أما القوة العملية الإرادية فهي لا تكون إلا بمراعاة حقوق الله تعالى والقيام بها خير قيام إخلاصًا وصدقًا ونصحًا لله تبارك وتعالى يعني قوة علمية وقوة عملية. هذا الكلام ذكره ابن القيم في كتابه الفوائد. ففي قول الله تعالى (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) الشعراء) دعاء خليل الرحمن. (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا) هذه هي القوة العلمية النظرية أي يا رب أعطني الحكمة. و(وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) تمثل القوة العملية الإرادية. ولذلك في قول تبارك وتعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾) (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) هي القوة العلمية النظرية فهم لم يؤمنوا بآيات الله الكونية المشاهدة فعطّلوا قوتهم العلمية النظرية. وبالتالي كانوا لا يرجون حسابا كانوا لا يعملون بما يستعدون له في هذا اليوم فهم بالتالي أيضًا لديهم فساد في قوتهم العملية الإرادية. هناك قوة علمية نظرية هذه بداية لا بد منها ثم بعد ذلك لا بد من القوة العملية الإرادية لكي يكون الإنسان متدبرا للقرآن الكريم لا بد أن يوفق في القوتين تكون لديه قوة علمية نظرية يتعلم ويعرف القواعد ويستمع ويستفيد ثم بعد ذلك عليه بالتطبيق العملي حتى تكون القوة العملية أيضًا عاملة لديه. إذن هنا يبين الله تبارك وتعالى فساد قوة هؤلاء العلمية والعملية لكنه عند بيان فساد القوة العلمية النظرية في قوله (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) عبّر فيها بالفعل الماضي والتعبير بالفعل الماضي بالتأكيد يختلف عن التعبير بالفعل المضارع فلم عبّر بالماضي هنا (وكذبوا)؟ وعبّر عن القوة العملية بالفعل المضارع (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) دليلا على أن التكذيب استقر في نفوسهم ولم يترددوا فيه. إذن في القوة العلمية النظرية جاء بالفعل الماضي ليؤكد أن هذا التكذيب مستقر في نفوسهم ولم يترددوا فيه لحظة لأنهم قالوا ذلك وأعلنوه كما ذكر الله تعالى في آية أخرى (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) ذكر الله تبارك وتعالى هنا (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) [فصلت: 5] أكنة أغطية بعد أغطية ساترا فوق ساتر يقولون وضعنا قلوبنا في أغطية متعددة. (في) حرف يفيد الظرفية والتمكن وما بعده وعاء له بمعنى أنهم يقولون أننا وضعنا قلوبنا في داخل الأغطية هذا معنى (في أكنة) ولذلك رب العباد عندما أخبر عن هذا تحقيقا لرغبتهم قال الله تعالى (وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) هم قالوا قلوبنا في أكنة متمكنة الأغطية والساتر متمكن من قلوبنا حتى لا نسمع والله قال جعلنا على قلوبهم (على) حرف يفيد الاستعلا يعني جعلنا الغطاء فوق القلب يعمي من الممكن أن يتخلصوا من الغطاء إذا أرادوا. هم قالوا (في أكنة) الأكنة متمكنة من قلوبنا بينما أخبر الله بعد ذلك (وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) عندما ذكر الله القول على لساتهم قال (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) وقر صمم لا نحب أن نسمع (وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) بعض أهل اللغة يقولون إن (من) هنا زائدة، الآية وبيننا وبينك حجاب فلماذا (ومن)؟ الحجاب متنوع ما غرضهم من الحجاب؟ أنهم لن يسمعوا للقرآن فلكي يكون الحجاب قويا ولكي يكون الحجاب ساترا سترا قويا كأنهم يقولون سنجعل الحجاب بدايته من عندنا إلى عندك ولذلك أخبر الله تبارك وتعالى عن هذا بقوله (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45) الإسراء) الحجاب مستور أم الحجاب ساتر؟ الحجاب ساتر لكن من قوة ستر الحجاب قال الله تبارك وتعالى حجابا مستورا دليلا على قوة الحجاب أصبح مستورا وليس بساتر.

(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴿٢٩﴾)

الإحصاء حساب الأشياء لضبط عددها ففيه دلالة على الضبط يعني أن الله تبارك وتعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فكل صغير وكبير مستطر. في قول الله تعالى (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) ما الذي نصب كلمة (كلَّ)؟ فيها قاعدة لغوية: هناك ما يسمى بالاشتغال. اسم يتقدم على فعل هذا الفعل مشغول بالعمل في ضمير بحيث لو حذفت الضمير وسلطت الفعل على الاسم المتقدم لنصبه. (وكل شيء) كل هو الاسم الذي تقدم على الفعل أحصينا، الفعل مشغول بالعمل في الضمير (أَحْصَيْنَاهُ) لو حذفت الضمير وأخذت الفعل وسلطته على الاسم المتقدم لنصبه: أحصينا كل شيء أحصيناه كتابا.

(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) إحصاء مساويًا في القوة والثبات والتأكيد للمكتوب، الشيء المكتوب فيه قوة وفيه ثبات ولذلك يقولون: العلم صيد والكتابة قيده. أحيانًا لو أنك لم تقيّد المعلومة بالكتابة ستنسى فأنت ينبغي أن تقيد المعلومة بالكتابة حتى لا تنسى.

بعد ذلك خاطبهم بما يدل على كمال الغضب عليهم (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴿٣٠﴾) ابتداء الجملة ابتداء مُطمِع يجعلهم يطمعون (فلن نزيدكم) فيظنون أن العذاب الذي هم فيه الآن لن يزيدهم الله عذابًا فوقه ثم يقول (إلا عذابا) فإما أن يزيدهم عذابا فوق العذاب وإما أن يزيدهم عذابا من جنس العذاب لكن أقوى منه.

بعد أن انتهى من بيان أهل النار وأهل جهنم وأهل الجحيم بدأ الله تبارك وتعالى يذكر مكانة المتقين وما أعدّه الله للمتقين من نعيم فقال تبارك وتعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾) المتقون هم الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح صفاتهم متعددة في القرآن الكريم لكن هنا يحكم بأن لهم مفازا. مفاز إما أن تكون اسم مكان يعني إن للمتقين مكان فوز، المكان نفسه مكان فوز وإما أن يكون مصدرا ميميًأ بمعنى الفوز أيضًا. سينالون الخير كله في مكان أعدّ لهم لكن هنا سؤال وهذا السؤال من فوائد التدبر عندما تقرأ (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾)

هذا الفوز هل بنجاتهم من الشر والهلاك ومن النار؟ أم بتنعّمهم بجنة ربهم ونعيم رب العالمين؟ وأيهما أهمّ؟ النجاة من الهلاك أهم من التنعم بالنعيم، لماذا لم يذكر الله تبارك وتعالى إن للمتقين مفازا بنجاتهم من عذاب النار ؟ لم يذكر نجاتهم من عذاب النار مع أنه أهم وأولى من التنعم بالنعيم ؟ لأن النجاة من الهلاك لا تدل على التنعم بالنعيم بالضرورة بينما التنعم بالنعيم يدل على النجاة من الهلاك والدليل من القرآن الكريم: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِح عَنِ النَّارِ) [آل عمران: 185] هذه النجاة من الهلاك ذكر الله تبارك وتعالى بعدها (وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ) دليل على أن النجاة من الهلاك لا يدل بالضرورة على الفوز بالنعيم لذلك قال (فَمَن زُحْزِح عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ) جمع هنا بين الأمرين. إذن لا بد أن نعلم أن النجاة من الهلاك أهمّ لذلك بعض الناس يتساءل في سورة الرحمن فيقول يذكر الله تبارك وتعالى فيها (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) بعد جهنم وآيات جهنم (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿٤٣﴾ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ ﴿٤٤﴾ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٤٥﴾ الرحمن) فيقولون أين الآلآء هنا؟ ويقول (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ﴿٣٥﴾ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿٣٦﴾) أين الآلآء؟ لأن الإنعام على العباد نوعان إنعام بإبعاد الشر والأذى عنهم وإنعام بإيصال الخير لهم، أيهما أولى؟ إبعاد الشر والأذى أولى من إيصال الخير. فعندما يذكر الله تبارك وتعالى عذاب المجرمين المكذبين الضالين معناها أنه يخبرك لتبتعد عن مصيرهم عما يسيرون فيه ولتبتعد عن طريقهم فهذا من أكبر النعم.

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾) بتنعيمهم بنعيم ربهم بعد أن نجاهم الله من الهلاك من النار ولم يذكر نجاتهم لأن ذكر التنعيم يدل على النجاة من الهلاك دون العكس. (مفازا) معنى ذلك أن لهم مكانا كله فوز ولهم فوز في كل شؤون أمورهم.

بعد ذلك يبين الله تبارك وتعالى هذا المفاز بقوله (حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾) الحدائق جمع حديقة، والنعيم المعد لأهل الجنة أكبر بكثير مما يذكره الله لكن الله يذكر ما يرغبه الإنسان في الدنيا من النعيم تقريبا للأذهان والعذاب أشد بكثير من المذكور والله يذكره تقريبا للأذهان. والأعناب جمع عنب.

بعد ذلك (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾) الكواعب وصف للحور العين ووصف لهن في سنّ الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة ووصف بأنهن مساوون في كل شيء ومتاسوون في كل شيء ومتناسقون حتى إن أجسادهن متناسقة تماما، هذا معنى (وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾) لأن التِرْب هو المساوي.

(وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴿٣٤﴾) الكأس هو الكوب المملوء بالشراب، ولذلك قال الله تبارك وتعالى في موضع آخر (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ ﴿١٥﴾ الإنسان) أكواب فارغة، الكوب عندما يكون فارغا والكأس عندما يُملأ بالشراب. (دهاقا) الكأس الدهاق هو الممتلئ بالشراب هل هناك تكرار؟ الكأس هو الممتلئ والدهاق هو الممتلئ الذي لا يفرغ أبدا. الدهاق اسم مصدر من أدهق لأن الكأس في أصله مدهقا وليست دهاقا ممتلئا وهذا التعبير له دلالة في النعيم أن هذا الكأس ممتلئ لا يفرغ أبدًا مهما شربت منه كلما شربت امتلأ الكأس مرة أخرى وفي هذا دلالة على النعيم، كيف هذا؟ لأن الإنسان بطبيعته في الدنيا إذا كان يشرب كأسا من شراب وهذا الشراب طعمه لذيذ جدا وفيه من الروعة ما فيه كل همّ الإنسان وحزن الإنسان وهو يشرب هذا الكأس أن يفرغ الكأس من الشراب، ما يريد للشراب أن ينتهي حتى لو كان ماء باردا أو ايّ مشروب، كل حزنك أن ينتهي فالله تبارك وتعالى جعل الكأس هاهنا ممتلئ دائما لا ينتهي أبدا.

الكأس المدهق هو الذي يملؤه أحد، الكأس الدهاق هو الذي يمتلئ بذاته فلا يحتاج إلى من يملؤه وهذا فائدة التعبير باسم المصدر بقوله (دهاقا) ولذلك في قول الله تبارك وتعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) [الإنسان] الأبرار يشربون من كأس، الكأس لآلة الشرب فيقولون كان ينبغي أن يعبر إن الأبرار يشربون بكاس لأن الكأس آلة للشر بوالعين منبع الماء والأصل أن يشرب منها مما جعل البعض يقول بأن عباد الله أكثر تنعما من الأبرار وأن هؤلاء غير هؤلاء، أبدا، عباد الله هنا هم الأبرار لكن الله تبارك وتعالى جعل الكأس الذي هو آلة للشرب جعله كأنه هو منبع العين لجعل الكأس لا يفرغ أبدا لا ينتهي الشراب منه فقد أصبح كالعين وهذا يتفق مع قول الله تعالى (وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴿٣٤﴾) وجعل الله المنبع وهو العين كأنه آلة شرب العين يشربون بها والباء للملابسة والمصاحبة إشارة إلى أنهم ملابسون للعين فهم قريبون منها فيتمتعون بالشرب منها ويتمتعون بالنظر إليها.

(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾) الله تبارك وتعالى نفى هنا عن أهل الجنة سماع اللغو والكذّاب وفي قرآءة أخرى متواترة هي قرآءة الكسائي بتخفيف الذال (وَلَا كِذَّابًا) فهناك كِذاب من الكذب وكذّاب من التكذيب واللغو، هذه ثلاثة أممور نفى الله عن أهل الجنة سماعها وهناك نوع رابع زاده الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾) إذن أصل الاشتقاق إذا كان من التكذيب كذّب (كذّابا) قليل الاستعمال ولكنه موجود وكِذاب من كَذَب كذب كِذّابا وتكذيبا وكذب كِذابا. نفى الله سماع اللغو والكذب والتكذيب والتأثيم وطالما نفى الله سماع ذلك عن أهل الجنة إذن سماع هذه الأشياء الأربعة يؤذي أخاك ويؤذي أختك فالله تبارك وتعالى يلفت نظرنا أننا لا ينبغي أن نكذب ولا أن نكذّب ولا أن نلغو ولا أن نؤثّم. ما التأثيم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في سورة الواقعة؟ (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾) التأثيم هو أن يؤثّمك غيرك يجعلك ترتكب إثما وكأنه يُجبرك عليه. بمعنى أحيانا تجلس في مكان ما تستغفر تقرأ القرآن تسبّح فإذا بمن يأتيك ويجلس بجوارك ويبدأ بالكلام في أمور الدنيا فهو بذلك جعلك تأثم على اٌل إن لم يتكلم معك فيما يؤثم فقد جعلك تبتعد عن الاستغفار والتسبيح وقرآءة القرآن ولذلك أوصي كل إنسان عندما نجد أخا أو أختا يجلس يقرأ القرآن لا تشغله ولا تؤثمه فتأثم أنت، اتركه. لذلك أنصح دائمًا في الأماكن المقدسة وفي أماكن العبادات في الحرمين الشريفين لا تجلس ولا تجلسي بجوار من تعرفي، لا تجلس بجوار من تعرف حتى في المسجد لأنه بين كل تسليمة وأخرى سيكلمك في أمر من أمور الدنيا لكن إذا كان من جاورك في الصلاة لا تعرفه لن يكلمك.

اللغو هو كل كلام لا فائدة فيه لكنه ينصرف إلى الكلام القبيح عند الغالب من الأعمّ. اللغو هو الكلام غير المفيد. تأملوا مثلا من صلاة الفجر حتى الآن كم كلمة تكلمتها غير مفيدة لا في دنيا ولا في دين؟ كثير! ولذلك رب العباد يذكره في مقام الرقي دائمًا (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) المؤمنون) (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان: 72] (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) [القصص: 55] يمرون مرور الكرام، في صفات عباد الرحمن. (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) كرر الله تبارك وتعالى (مروا) الله تبارك وتعالى يذكر أن عباد الرحمن سيمرون باللغو بالضرورة يعبّر الله عنه مرورا بالباء والباء تفيد الملابسة واللاصقة يعني أن عباد الرحمن سيعيشون في مجتمعات فيها اللغو يلاحقهم قد يكون اللغو في بيتك وقد يكون في مجلسك كيف أمرّ مرور الكرام من اللغو؟ أحيانًا الوالدة الكريمة معها ضيفة ويتكلمون في لغو كثير وأنت تستمعين أو وأنت تستمع للغو في بيتك كيف تمر منه مرور الكرام؟ الخطوة الأولى أن تحاول تغيير الكلام، أسأل الموجودين ما أخبار ولدك ماذا فعلتك في الموضوع الفلاني؟ قد تنجح وقد لا تنجح، قد يغيرون الموضوع فعلا وقد لا يغيرون الموضوع بل من الممكن أن يقال لك اخرس، لا تتكلم ولهم عليك سلطان فلا تحرجهم ولكن قم واترك المكان وانشغل بموضوع آخر ولك أن تسوق نصيحة إلى الوالدين بعد أن يمشي الضيف لكن احذر إياك أن تجعل نفسك وصيّا عليهما أو تجعل نفسك تفهم أكثر منهما أو ناصحا لهما، لا، إذا أردت أن توجههما فعليك بالثناء عليهما أولًا، إذا أردتم أن توجهوا أحد والديك لا تنصبوا أنفسكم معلّمين عليهما بل تخيروا صفة فيهما وامدحوها، ما أجمل حواركما! هكذا تكون البداية صحيحة يمكن بعدها توجيههما بعد ذلك، لو كان الكلام أكثر عموما بدل أن أعطي معلومات خاطئة لأن الله رب العالمين يحاسب (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [الكهف: 49].

الكِذاب هو الكذب أي لا ينبغي أن تكذِب لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل أيكون المؤمن كذابا؟ قال لا، ومع ذلك الناس أصبحوا يستهينون بالكذب، وأسهل شيء على الناس الكذب وفي نفس الوقت التكذيب، الأصل في المؤمن أن يكون صادقا وينبغي تصديقه فيما يقول والله بينك وبينه ورب العالمين سيحاسبنا جميعا، البعض يقشعر قلبه والبعض يجدها فرصة للهروب. ليس بالضرورة أن تنجح في كل شيء لكن خذ بالأسباب والله تبارك وتعالى يوفقك لأن تكون من المفلحين الصادقين.

الكذب أن يقع الكذب من المتكلم وهو أن يُخبر بغير الحقيقة والواقع استعمل الله ألفاظًا أخرى بمعنى الكذب سنبدأ بها بحول الله وقونه في اللقاء القادم ونتوقف عند قول الله تعالى (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾)

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل