دورة الأمثال في القرآن - سورة غافر - د. محمد جابر القحطاني

دورة الأمثال في القرآن - سورة غافر

د. محمد بن جابر القحطاني

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

ننتقل إلى سورة غافر، من باب التنبيه على مَثَل ذُكر عندكم وإنْ كان في الحقيقة ليس بمَثَل، لكن يبدو أن الإخوة الذين جمعوا الأمثال راعَوا اللفظ ولم يُراعوا المعنى (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ)[غافر: 30]،(مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)[غافر: 31]، أنتم أمس أخذتم تعريف «المثل» في أول درس، مَنْ يُعيده؟ بدون ما يرجع للأوراق، هذه مشكلتنا أننا لا نُذاكر، والله يقول: (لعلهم يتذكرون) هذا في اللغة بس معناه في الاصطلاح القرآني، مَنْ يذكره؟ هو: تصوير المعنى المعقول في صورةٍ محسوسة لها وقعها في الذهن، هو تشبيه أصلاً، طيِّب؛ هل في هذه الآية تشبيه شيء بشيء؟! (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ)[غافر: 30]، أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب؛ هل شبَّه شيء بشيء؟! في الحقيقة ما فيه تشبيه؛ وإنما فيه مجيء لفظ «مثل» (مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)[غافر: 31]، على كل حال الآية واضحة من حيث معناها، وطبعًا هذا جاء في سياق الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه في سورة غافر في قصة موسى مع فرعون، فكان يوصي فرعون والملأ من قوم فرعون ومن اتّبع فرعون وصايا، ومنها: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ)[غافر: 30] تلطُّف في العبارة (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ)[غافر: 30]، يعني إيش مثل يوم الأحزاب؟! «اليوم» يُطلق عند العرب على اليوم الذي يُغلب فيه الإنسان أو يَغْلِب، يوم يكون فيه نصرٌ له أو هزيمة، فيقولون: أياماً له، يوم كذا، يوم بدر، يوم وقع فيه حادثة لها شأن أما عُذِّب أهلها أو انتصروا (مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ)[غافر: 30]، يعني: مثل اليوم الذي أُهلك فيه الأحزاب، والأحزاب: هم الأمم، والحِزب: الأمة المجتمعة على أمرٍ تجتمع عليه وتتحزَّب عليه مثل بيان لمراده.

(مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)[غافر: 31]، دأب عاد أو شأن، باختصار كما مرَّ معنا سابقًا بأن الداعية يُذكِّر قومه بالأحداث السابقة، والحوادث المماثلة حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم فيصيبهم ما أصابهم، أخاف عليكم العذاب والهلاك الذي لَحِق بالأحزاب من قبلكم، ومنهم قوم نوح وعاد وثمود.

طبعًا هذا دليل على أنَّ المخاطبين كانوا يعرفون شأن هؤلاء وخبرهم، وإلا ما ذكر لهم أسمائهم! أما قوم نوح مشهور عند الأمم كلها وقصة نجاته لأنه انبنى عليها بقاء الناس بعده، وعاد وثمود يعرفونهم لأنهم كانوا قريبين منهم، هذه في مصر؛ وعاد وثمود في جزيرة العرب، فهم يعرفونه.

 

والمقصود بهذا: هو تذكير الناس بغيرهم من الأمم، سواء كانوا من السابقين أو من القريبين الذين حصل لهم العذاب والهلاك بسبب تكذيبهم، فيقول: يا قوم لا تكذبوه، آمنوا بموسى، أنا أقول لكم: آمنوا به، أخاف عليكم إن كذبتموه ولم تتبعوا ما جاء به من الحق، مثل ما حصل للأمم قبلكم، قوم نوح وعاد وثمود (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)[غافر: 31]، سبحانه وتعالى(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)[غافر: 31] فالله لا يظلم أحدًا، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل