دورة الأمثال في القرآن - سورة محمد - د. محمد جابر القحطاني

دورة الأمثال في القرآن - سورة محمد

د. محمد بن جابر القحطاني

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

ننتقل إلى مثل ذُكر في سورة محمد؛ سورة القتال؛ سورة الذين كفروا، وش الفرق بينها؟ محمد، القتال، الذين كفروا؟ تعدُّد الأسماء والمسمى واحد، والشيء واحد، سورة محمد تُسمَّى سورة القتال، وتُسمى سورة الذين كفروا، طبعًا سورة محمد قائمة على المقارنات بين الشيء وضده:

- (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)[محمد: 1]، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ)[محمد: 2].

- (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ)[محمد: 3]، مقارنات.

- وقبل هذه الآية (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)[محمد: 14]، (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ..... كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) [محمد: 15]، المقارنة في الجزاء والعاقبة، كما أن الذين كفروا لا يستوون مع الذين آمنوا فكذلك الجزاء، كما أن الذي على بينة من ربه وهُدى لا يستوي مَعَ مَنْ زُين له سوء عمله واتبع هواه، فكذلك الجنة والنار؛ وأصحاب الجنة وأصحاب النار.

فقال الله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [محمد: 15] شأن الجنة، صفة الجنة،(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [محمد: 15] طبعاً جاء قبلها بقليل(إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)[محمد: 12]، هنا (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)[محمد: 15]، نعوذ بالله، طبعًا مثل صريح، لأنه مقارنة بين اثنين وتصوير، لذلك يقول ابن عاشور: (والمقصود بيان-ما هو المقصود بالمثل- بيان البون الشاسع بين حالي المسلمين والمشركين بذكر التفاوت بين حالي مصيرهما المذكور في قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ))، فيبين هذا المَثَل: بيان التفاوت والتبايُن بين المسلمين والمؤمنين بمعرفة التباين الشديد والتفاوت بين مصيريهما في الآخرة.

وهذا مما يبين لك التفاوت بين أهل الإسلام والإيمان في الدنيا بتفاوت الجزاء والمصير في الآخرة، (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [محمد: 15]، وقال بعده: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) [محمد: 15]، طبعًا: هذه الآية تفصيل كما سبق لبيان الجنة التي ذُكرت في قول الله: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) فأراد الله عز وجل أن يبين لهم مَثَل هذه الجنة، وشأنها وصفتها حتى تتشوَّف النفوس إليها، ويُعرف من خلال ما فيها من النعيم والأنهار والجزاء العظيم لأهل الإيمان كرامة المسلم ومكانته في الدنيا، بأن هذا سيكون جزاءه في الآخرة.

(مَثَلُ الْجَنَّةِ) [محمد: 15] نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة (الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) [محمد: 15] وهم أهل الإيمان والذين عملوا الصالحات، ثم ذكر جملة معترضة بين المقارنة بين الجنة والنار، ( فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ)[محمد: 15] ، ذكر ثلاث أشياء: الأنهار والثمرات والمغفرة.

الأنهار فصَّلها هنا تفصيلًا لم يُذكر في القرآن إلا في هذا الموضع، وبقيّة آيات الأنهار في القرآن تُذكر الأنهار فقط، ما هي هذه الأنهار؟ أنهار من أربعة أشياء:

1- مِنْ -وهو المتبادر للذهن- ( مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ)[محمد: 15] ما معنى « غَيْرِ آسِنٍ»؟ غير متغيِّر، يُقال: أسِنَ الشيء إذا تغيَّر، ( مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ)[محمد: 15] غير متغيِّر، لأن العيب الذي يلحق بالماء هو التغيُّر بسببٍ من الأسباب: إما لطول المكث أو لملامسة شيء من الأشياء فيتغيَّر، خاصة بالنسبة للمخاطبين، كان يهمهم هذا الوصف، لأن أهل الجزيرة ليس عندهم أنهار، وليس عندهم مصادر للماء غير ماء السماء والماء الذي ينبع من الأرض، وكثيرًا ما يتغيَّر، لكن أنهار الجنة ( مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ)[محمد: 15].

2- (وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ)[محمد: 15] ، ذكر العيب المشهور في اللبن، وهو تغيُّر الطعم، فاللبن إذا طال أو بقي مدة طويلة يتغيَّر، أما في الجنة فأنهار (مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ)[محمد: 15].

3- (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ)[محمد: 15] ما العيب التي في الخمر في الدنيا؟ أنها لا تُستساغ وإنما تؤخذ -كما يقول من يعرفها- لما فيها بعد من النشوة، وإلا فطعمها غير مستساغ؛ كريهة، لكن خمر الجنة فيها لذة (مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ)[محمد: 15]

والنوع الرابع من أنواع الأنهار: ،( وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى)[محمد: 15]، لأن عيب العسل هو ما يشوبه من بقايا الشمع أو بقايا النحل فيُنقص من قيمته، أما عسل الجنة فمصفَّى.

 والأنهار لا تُسمى أنهار إلا إذا كانت تجري وتكون كثيرة، وهذا من أعظم ما يكون في الجنة؛ ( أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ)[محمد: 15] معروف قد تتصوَّر، لكن من لبن ومن خمر ومن عسل؛ أنهار تجري؛ لا شك أنه نعيم عظيم وصورة بالغة في الغرابة بالنسبة للناس، لأنهم ما يتصوَّرون هذا.

(وَلَهُمْ فِيهَا) مع ذلك (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)[محمد: 15] ، (وَلَهُمْ فِيهَا) مع هذه الأنهار (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)[محمد: 15] طبعًا «مِنْ» للتبعيض و« كُلِّ الثَّمَرَاتِ » كل؛ لأن للواحد بعض من كل، يعني: له من كل شيء شيء، فكل الثمرات على عمومه، لكن لا يُتصوَّر أن تكون كل الثمرات له، لأنه لا يستطيعها، ولهم فيها من كل الثمرات.

ومع هذا وقد يكون أعظم (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ)[محمد: 15]، مغفرة عظيمة تقتضي الرضوان من الله عليهم، ومغفرة من ربهم، نسأل الله أن يغفر لنا، وطبعاً المغفرة هناك أيضًا تقتضي لازمَها، وهو الرضوان لأنه غفر لهم ورضي عنهم.

(كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) [محمد: 15]، هذا الجانب الثاني (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)، طبعاً إعراب الآية فيه اختلاف؛ لكن من أجود ما وجدته للعلماء في بيان تركيب الآية وإعرابها حتى يتبين المراد؛ هذه اللطيفة التي ذكرها القاسمي في «محاسن التأويل» تأمَّلوا ما قال، قال: مثل الجنة مبتدأ وأين خبره؟ طبعًا بعضهم قال: مثل الجنة ماء يُتلى عليكم؛ ماء يُضرب عليكم، هذا قول مشهور في إعراب الآية.

لكن قال القاسمي: لا، قال: مثل الجنة مبتدأ، خبره: كمن هو خالد في النار، يجي؟! طبعًا ما يجي، لكن قال: بتقدير حرف إنكارٍ ومضاف، والتقدير: أي أمثل أهل الجنة كمن هو خالد في النار، إذن استفهام إنكاري، والجواب: لا. وهذا مُطابق لما قبل، (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)[محمد: 14] لا. أمثل أهل الجنة الذين لهم ما ذُكر كمن هو خالد في النار، لا.

 يقول-رحمه الله- في تقرير هذا: أَمَثَلُ أهل الجنة كمثل من هو خالد أو أَمَثَلُ الجنة كمثل جزاء من هو خالد؟ فلفظ الآية وإن كان في صورة إثبات هو في معنى الإنكار والنفي لانطواءه تحت حكم كلام مصدَّر بحرف الإنكار وانسحاب حكمه عليه، وهو قوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ)[محمد: 14].

قال: وثم أعاريب أُخر وهذا أمتنها وهو لطيف؛ وبه يتّضح روعة المقارنة مع ما جاء في الصورة من المقارنات بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فكما أنهم لا يستوون في الدنيا، ولا أحد يُقِرّ باستواءهم فكذلك جزاؤهم في الآخرة، أَمَثَلُ أهل الجنة التي وُعد المتقون- الجنة التي وُعد المتقون فيها وفيها ...- كمن هو خالدٌ في النار أو أَمَثَلُ الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار، طبعاً الجواب: لا، وبهذا يُعرف التمايُز الشديد بين أهل الإيمان وأهل الكفر في الدنيا والآخرة:

- ففي الدنيا لا يستوون: لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتبعون الحق، والذين كفروا يتبعون الباطل والذين آمنوا على بينة من ربهم وهدى، والذين كفروا زين لهم سوء أعمالهم واتبعوا أهوائهم.

 

- وفي الجنة المتقون في جنات تجري من تحتها الأنهار فيها أنهار من ماء ولهم فيها من كل الثمرات ولهم مغفرة من ربهم، وأهل النار-عِياذًا بالله- خالدون فيها (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ)[محمد: 15]؛ نعوذ بالله من النار، (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا)[محمد: 15] معروف الماء الحميم الشديد الحرارة الذي يُقطِّع الأمعاء، عياذًا بالله من النار، والمقصود من المَثَل ماذا؟ بيان البون الشاسع بين أهل الإيمان وأهل الكفر في الدنيا وفي والآخرة، في الدنيا بحالهم وإتباع أهل الحق وأولئك باتباعهم بالباطل وفي الآخرة بالجزاء؛ يختلف تمامًا، وهذا مقتضى حكمة الرب جل وعلا.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل