دورة الأمثال في القرآن - سورة الروم - د. مساعد الطيار

دورة الأمثال في القرآن - سورة الروم

د. مساعد الطيار

التفريغ لموقع إسلاميات حصريا

قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)[الروم: 28].

وهنا أَيْضًا استطرادًا تنتبهون للخواتيم، يعني: لو واحد بحث؛ مقالة "خواتيم الأمثال"، مرة: "يعقلون"، مرة "يعلمون"، "يتفكرون"، "يتذكرون" ولا لا؟ "لأولي الألباب"، "العالمون"، "وما يعقلها إلا العالمون" يعني الخواتيم، يعني ركَّز على الخواتيم وعلاقتها بالأمثال، يعني الخواتيم وعلاقتها بالأمثال هذا موضوع مستقل، وهو صالح للبحث.

يقول ابن الجوزي: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا)، قال: (إن سبب نزولها أن أهل الْجَاهِلِيَّةِ كانوا يلبون فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، فنزلت هذه الآية وهذا قول سعيد بن جبير ومقاتل.

ومعنى الآية قال: بيَّن لكم أيها المشركون شبهًا، وذلك الشبه من أنفسكم ثم بينه فقال: (هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، أي من عبيدكم: (مِنْ شُرَكَاءَ)، يعني: أنتم الآن يا كفار قريش أو غيرهم ممن يدخل في هذا الخطاب، هل فيه واحد منكم يجعل عبده سيدًا مثله يساويه في الأمر والنهي؟ تلتقي إذًا العبودية والسيادة ولا لا؟.

يقول: (هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، أي من عبيدكم: (مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ)، من المال والأهل والعبيد، أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم؟ (فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)؟ أي: أنتم وشركائكم من عبيدكم: (سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، كما تخافون أمثالكم الأحرار، وأقربائكم كالآباء والأبناء.

قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا، وهذا وجه أو نوع من أنواع الخوف، وقال غيره: تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم كما يفعل الشركاء، وهذا وجه أخر من الخوف، المعنى كما قال: هل يرضى أحدٌ أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله، حتى يساويه في التصرف في ذلك؟ يعني: فيه أحد منكم يرضى؟ الجواب طَبْعًا: لا.

فإذا كنتم لا ترضونه لأنفسكم فكيف تجعلون لله شركاء؟ إذن هذا هو المراد بالمثل، رجعنا الآن إلى المثل وجعلناه من الوحدة الموضوعية، في أي موضوع؟ رجعنا موضوع: الشرك والتوحيد.

يعني: ارتبطنا بين التوحيد والشرك، فإذن الآن في جلسة الظهر وجلسة العصر كم أخذنا من مثل من الأمثلة مرتبطة بالتوحيد والشرك؟ مجموعة ولا لا؟.

فهذا أَيْضًا يدل على القضية السابقة التي ذكرتها لكم في: أهمية موضوع الشرك والتوحيد.

الطاهر بن عاشور يبين علاقة هذا المثل الذي في سورة الروم، علاقته بما قبله من السياق:

يقول: (أُتْبِعَ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِإِمْكَانِ إِعَادَةِ الْخَلْقِ، عَقِبَ دَلِيلِ بَدْئِهِ بِضَرْبِ مَثَلٍ لِإِبْطَالِ الشِّرْكِ، عَقِبَ دَلِيلَيْهِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)[الرّوم: 19]، وَقَوله: (وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)[الرّوم: 19] لِيَنْتَظِمَ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْمُهِمَّيْنِ: أَصْلِ الْوَحْدَانِيَّةِ، وَأَصْلِ الْبَعْثِ، وَيَنْكَشِفَ بِالتَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ بَعْدَ نُهُوضِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ).

طيب، معنى ذلك أنه -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- إذا كان هو المتفرد بالخلق، هو -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- الذي يحيي؛ فلا يمكن أن يكون له شركاء، فكيف تجعلون له شريكًا.

يعني: هل ترضون وأنتم أصحاب الملك والسيادة أن تجعلوا عبدًا من عبيدكم يساويكم في هذه المنزلة يأمر وينهى كما تأمرون؟ يعني: تصوَّر أنت؛ تصورها عقليًا ذهنيًا لا يمكن أن تكون.

يعني: لا يمكن أن تكون ولا يرضاها أحد، إلا إذا انقلب عاد السيد صار عبدًا والعبد صار سيداً، هذه قضية أخرى؛ لكن أن يكون سيدًا ويرتقي العبد إلى درجة سيده في الأمر والنهي والتصرف، هذا لا يكاد يوجد ولا يرضاه السيد، وإن رضيه فمعنى أنه هناك خلل معين في ذلك، ولذلك الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- ضربه مثلًا لهم يعني المشركين، فكيف أنتم تجعلون مع الله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى- شركاء، والله لا يرضى هذا الشيء.

لعلنا نكون عند هذا قد انتهينا سريعًا، يعني: من إلمامة سريعة لا تكفي؛ لكن على الأقل لعلها تكون تفتح الذهن لمراجعة هذه الأمثال وقراءتها مرةً بعد مرة.

وأنا أوصيكم بالكتب التي تكلمت عن الأمثال، يمكن تراجعوها وتستفيدون منها ستجدون فيها مجموعة من القضايا المرتبطة باللغة والبلاغة، وكذلك بعض الفوائد، ولعلنا نقف عند بعض الأسئلة، ونجيب على ما يمكن منها.

 السائل: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)[فاطر: 28]، لماذا لا يتحقق ذلك عند طلب العلم؟.

الشيخ: وهذا موضوع طويل؛ لكن أقول: احرص على العمل يحصل لك تطبيق هذه الآية، لأنه لا يوجد عندنا عمل فقط.

السائل: (هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[النحل: 75]، الحمد هنا لبيان عدم الاستواء وبيان الحق، أم الحمد لأجل: أن أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ؟.

الشيخ: لكليهما يجوز أن تكون لهذا وهذا.

السائل: هنا "يعملون" و "يصنعون"، الفوارق المعنوية والبلاغية؟.

الشيخ: طَبْعًا ليس عندي شيء فيها كثير الآن؛ لكن يمكن أن يرجع إلى الفروق اللغوية؛ ولكن إذا جاءت الصُنع ففي الغالب تدل على كَلَفَة، يعني تكلُّف عمل شيء معين.

والعمل قد لا يكون فيه ذلك؛ يعني العمل أوسع، يعني: كل صنعٍ عمل وليس كل عملٍ صنعًا، لأن العمل أوسع، والصنع في الغالب يدل على التكلف، فلو رجع إلى الفروق اللغوية يمكن يجد فيها إشارة لهذا.

السائل: قد ترد في القُرْآنِ أَحْيَانًا في نهايات الآيات أحرف متشابهة، مثل: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)[النجم: 1-3]، ما هي الحكمة من ذلك؟.

الشيخ: طَبْعًا هذه ترجع إلى مسألة كبيرة جدًا جدًا، في طريقة القُرْآنِ في أداء هذا الكلام عربيًا، يعني: أداء هذا الكلام عربيًا، المجال لا يتسع لذلك، لكن يمكن أن يرجع إلى كتابات الشيخ الدكتور: محمد أبو موسى، وسيجد فيها إجابة عن سؤاله، محمد أبو موسى له أكثر من كتاب في بلاغة القُرْآنِ، سيجدها -إن شاء الله-.

السائل: عن خواتيم الآيات وعلاقتها بالبلاغة، كالتذييل مثلًا يا حبذا التوضيح لو قليلًا؟.

الشيخ: لا ارجع إذا أردتم الزيادة والتوضيح ارجعوا في الغالب إلى الكتب التي ذكرتها: تفسير الطاهر بن عاشور، وتفسير البقاعي الذي هو "نظم الدرر"، ستجدون أمثلة كثيرة من هذا النوع تفيدكم بإذن الله.

السائل: ما المقصود بـ"التفسير بلازم المعنى"؟.

الشيخ: يعني: لازم المعنى يعني هو يترك المعنى الأصل إلى لازمه، أنا أريد أن أبين الأصل واللازم، على سبيل المثال في قوله -سُبَحّْانهُ وَتَعَالَى-: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي أن هذا إشارة إلى اسمه "النور" وإلى صفته، هذا هو المعنى المراد.

من لوازمه: أن الله منوِّر السموات والأرض، فيصير أن الله نور وأن صفته النور هذا هو الأصل، هذا هو المعنى الأصل، ومن لوازمه: أنه منوِّر السموات والأرض، فهذا يصير تفسير باللازم، أمثلة كثيرة لا تحضرني الآن لكن لأجل الوقت ما نريد أن نطيل.

السائل: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ)[إِبْرَاهِيم: 18]، هل فيها دليلٌ لأحدٍ من الطائفتين القائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة من عدمه؟.

الشيخ: والله هذه استنباطات لطيفة؛ لكني ما أستطيع أن أجزم بشيءٍ منها الآن، يعني يمكن أن ترى أو يراجع فيها أهل الأصول، من باب الفائدة أنبهكم: مثل هذه الدقائق من أراد أن يضبطها فعليه بعلم أصول الفقه، خاصة باب الدلالات.

السائل: آية إِبْرَاهِيْمَ: (وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)، المراد بالسماء؟.

الشيخ: السماء المراد بها العلو عمومًا.

السائل: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ)[سبأ: 15]، وقصة أصحاب الجنتين، هل يمكن الاستئناس بآية سورة سبأ؟.

الشيخ: طَبْعًا لاشك يُستأنس بها في آية سورة الكهف قطعًا، فتكون من باب الأمثال.

السائل: القُرْآن لا يفسر بلفظٍ حادث، قرره ابن تيمية في مقدمته، أليس حلًا لقضايا الإعجاز العلمي الحديثة؟.

الشيخ: لو كان حل كان انتهينا من زمان؛ لكنهم لا يرونه حلًا.

السائل: ذكر أحد الباحثين أن السورة كاملة تتحدث عن اسمها سواءً من قريب أو من بعيد، لا يصح أن تكون سبب تسميتها اسم في آية في السورة؟.

الشيخ: هذا لازم، يعني: ما فيه سورة سميت باسم ليس موجودًا في السورة، هذا إذا كنت فهمت السؤال كما ذكره، الكلام فيه نظر طَبْعًا.

ما فيه سورة سميت باسم إلا هذا الاسم موجود في السورة، ما فهمت ما هو السورة كاملة تتحدث عن اسمها، أيش لون ما فهمت أنت صاحب السؤال؟.

السائل: . . . ؟.

الشيخ: هذا محتمل ليس دائمًا محتمل؛ لكن أَحْيَانًا يكون فيه تكلف نحن نقول: على الأقل الموضوع التي تحدثت عنه اسم السورة، الآيات أغلب الآيات تدور حوله.

الموضوع التي تحدثت عنه الآية التي فيها اسم السورة، أغلب السورة تدور حوله حتى ما يكون فيه نوع من التكلف، نقول: أغلب السورة؛ هذا صحيح.

 

بهذا تكون الأسئلة اكتملت، فيه طَبْعًا أسئلة خارج الموضوع ولعلنا نكتفي بهذا قليلًا، سبحانك الله وبحمدك نشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا أنت نستغفرك ونتوب إليك.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل