مساق الأصول القرآنية في أسماء الله الحسنى - د. أحمد القاضي - الوحدة الثانية - الدرس 4 و5

مساق الأصول القرآنية لأسماء الله الحسنى

المحاضر: الشيخ الدكتور أحمد القاضي

منصة زادي للتعلم الشرعي المفتوح

تفريغ الأخت الفاضلة فاطة جزاها الله خيرا

الوحدة الثانية: الأصول القرآنية لأسماء الله الحسنى – قواعد تأصيلية

الدرس الرابع: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى ‏آله وصحبه أجمعين. سنتحدث عن أصل عظيم نستمده من قول الله تعالى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36] في بيان أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، ولبيان وظيفة العقل في باب الصفات، فقد نهى الله عباده عن القول عليه بغير علم أو الخوض فيما لا سبيل لهم للعلم به في غير ما موضع من كتابه، ومن شواهد ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)} [البقرة:168-169] ومنها قوله تعالى في سورة الأعراف {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33] وقوله تعالى في سورة الإسراء {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36].

وقد نعى الله على المشركين والزائغين اتباع الظن والمتشابه في غير ما موضع من كتابه، ومن شواهد ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148] وقوله في سورة النجم {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[النجم:28] وفي سورة آل عمران {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران:7]. وهذا أصل عظيم وركن شديد في كل باب، وفي باب الأسماء والصفات بصفة خاصة وذلك لأن المقام خطير والزلل فيه ليس كزلل في غيره، فأسماء الله وصفاته توقيفية يجب الوقوف فيها على موارد النصوص وحسب دون زيادة أو نقصان فلا يستقل العقل بإثباتها. قال الإمام أحمد رحمه الله: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز القرآن والحديث".

وقد جمع الله تعالى فيما وصف وسمّى به نفسه بين النفي والإثبات كما في سورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما.

فالواجب في الإثبات أمران:

·        أحدهما: إثبات ما أثبته الرب لنفسه أو أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم

·        والثاني: الاحتراز من التعطيل والتحريف ومن التمثيل والتكييف

أما الواجب في النفي، فأمران:

·        نفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم

·        إثبات كمال ضد الصفة المنفية

وأما ما لم يرد فيه نفي ولا إثبات بل كان مسكوتًا عنه مما أحدثه المتأخرون من الألفاظ كلفظ الحيّز والجهة والجسم والحركة ونحوها، فالواجب فيه أمران:

أحدهما: التوقف في لفظه فلا يُثبت ولا ينفى لما تقدم من أن أسماء الله وصفاته توقيفية لا يُتجاوز فيها موارد النصوص، فمن أثبت وصفا طُولب بالدليل ومن نفاه طولب بالدليل أيضًا. فيلزم جانب الأدب ويحترم جناب الربوبية. قال ابن القيم رحمه الله: القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فهو أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال من له الخلق والأمر، وقدحٌ في نفس الربوبية وخصائص الرب، فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثمًا عند الله، فإن المشرك المقرّ بصفات الرب خير من المعطّل الجاحد لصفات كماله."

أما الأمر الثاني فهو: الاستفصال عن معناه، فإن أراد معنىً صحيحا قُبل ومن أراد معنىً فاسداً رُدّ، وذلك أن من الناس من يعبر عن المعاني الصحيحة بالألفاظ المُحدَثة فيُرَدّ اللفظ ويقرّ المعنى، ومن الناس من يجمع بين اللفظ المبتدع والمعنى الفاسد فيرد هذا وهذا. مثال ذلك لفظ الجسم فإنه لم يرد في الكتاب والسنة بنفي ولا إثبات، فمقتضى الأدب أن لا يُخبر به المؤمن عن ربه نفيًا ولا إثباتًا بل يتوقف فيه ويمسك، ولكن يُستفصل عن مراد من أثبته أو نفاه فإن أراد إثبات ذات لا تشبه الذوات تقوم بها صفات كالوجه واليدين والسمع والبصر فهذا معنى صحيح ثابت لله لا يجوز نفيه لكن دون التعبير بلفظ الجسم. وإن أراد به جسما كأجسام المخلوقين بتركب من أبعاض وأجزاء يفتقر بعضها إلى بعض فهذا معنى فاسد يُنزه الله عنه فيُبطَل اللفظ والمعنى.

ولا ريب أن العقل من أعظم أدوات العلم والإدراك إلا إنه لا يستقلّ بإثبات ما ينبغي لله أو ينفى عنه، بل هو تابع للنقل مستنير بنور الوحي بخلاف طريقة المتكلمين الذين جعلوا العقل حاكمًا على النقل وسيدًا له، فما أثبته العقل أثبتوه ولو خالف الكتاب والسنة وما نفاه العقل نفوه ولو دل عليه الكتاب والسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: العقل شرط في معرفة العلوم وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل لكنه ليس مستقلًا بذلك بل هو غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه لم تأتِ بما يُعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفون فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقًا وهي باطل وعارضوا بها النبوات وما جاءت به". انتهى كلامه رحمه الله.

وللعقل السليم في باب الأسماء والصفات وظائف شريفة تليق به فمنها:

فهم معانيها، فإن الله تعالى خاطب عباده بلسان عربي مبين ليعقلوا مراده ويفهموا خطابه، قال تعالى {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)} [الشعراء:193-195] وقال {وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ }[الأحقاف:12] وقال {وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا }[طه:113] وقال {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[يوسف:2] وقال {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[الزخرف:3] فعربية القرآن سببٌ لحصول فهم معانيه، ولم يزل علماء الملّة من أهل التفسير واللغة والبيان يشتغلون ببيان مراد الله تعالى لا يستثنون شيئًا مما أُنزل.

الوظيفة الثانية للعقل: التفكر والتدبر والنظر في آثارها ومقتضياتها، فقد أمر الله عباده بتدبر كتابه وجعله الغاية من إنزاله فقال { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29] وهذا قدر زائد على مجرد العلم بالمعنى، فإنه يستدعي التأمل في ملكوت المساوات والأرض والنفس والآفاق لكونها آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلا كما قال {فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[الروم:50].

ومن وظائف العقل في باب الأسماء والصفات: استعمال الأقيسة العقلية الصريحة في تأييد الأدلة النقلية الصحيحة، فإن الله أنزل الكتاب بالحق والميزان كما قال تعالى {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى:17] قال ابن جرير (وأنزل الميزان) وهو العدل ليقضي بين الناس بالإنصاف وروى ذلك بسنده عن مجاهد وقتادة. وحقيقة العدل التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات.

ومن أمثلة الأقيسة الصحيحة:

الاستدلال على توحيد الألوهية بالإقرار بتوحيد الربوبية، قال تعالى {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ (32) } [يونس:31-32].

ومن الأقيسة العقلية الصحيحة: إثبات الكمال باستعمال قياس الأولى، قال تعالى { لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل:60] فهو سبحانه منزّه عن قياس التمثيل وقياس الشمول، أما قياس الأولى فيفيد أمرًا يختص به الربّ وإن كان جنسه مشترك في الأذهان، وقد جاء لفظ (أعلم) بصيغة (أفعل) التفضيل في حق الله تعالى في نحو خمسين موضعًا في القرآن.

ومن الأقيسة الصحيحة أن نفي الصفة إثبات لنقيضها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذه الطريقة هي أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجّون بها ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم فقد عبد ربًا ناقصًا مَعيبًا مؤوفًا. انتهى من درء تعارض العقل والنقل.

الوظيفة الرابعة: إبطال الأقيسة العقلية الفاسدة التي تعارض الأدلة النقلية الثابتة، فقد استعمل القرآن العقل لإبطال عقائد المشركين، ومن شواهد ذلك:

إبطال نظرية الصدفة ونسبة الخلق إلى الطبيعة، قال تعالى {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}[الطور:35]

ومن ذلك إبطال الشرك في الربوبية والألوهية، قال تعالى {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون:91]

ومن ذلك أيضًا إبطال التمثيل بين الخالق والمخلوق فقال تعالى {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل:17]

وقد استطال المتكلمون في باب الصفات بمقدمات فاسدة للوصول إلى نتائج باطلة زاعمين ذلك أن مقتضى العقل، ولكن العقل الصحيح يعود عليهم بالنقض.

ومن ذلك زعمهم أن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء بناء على أن صفات الله غير الله فإثباتها إثبات لقديم يشاركه في القِدَم، عجبًا !!! وهذه نتيجة باطلة مبنية على أصل فاسد وذلك أن الصفات المضافة إلى الله ليست أعيانًا منفصلة عن الذات بل هي قائمة بها فلا يلزم من إثباتها تعدد القدماء.

ومن ذلك أيضًا زعمهم ان إثبات الصفات يستلزم التجسيم بدعوى أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام وأن الأجسام متماثلة، فالمقدمتان باطلتان، فالصفات تقوم بالأجسام وغير الأجسام كما نقول ليل طويل، نهار بارد، كما أن الأجسام متغايرة في صفاتها صغرًا وكبرًا وخفّة وكثافة وغير ذلك.

ومن ذلك زعمهم أن إثبات الصفات الفعلية يستلزم الحدوث فيتذرعون بذلك إلى نفي الاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك من صفات الأفعال الاختيارية التي أثبتها الله لنفسه بدعوى تنزيه الله عن الحوادث وهذا تلازم ليس بلازم، فإن الله تعالى لم يزل فعالًا، ونفي ذلك تنقّص له ووصف له بضده من الجمود والعجز، ويقال إن جنس الفعل قديم وآحاده وأفراده حادثة حسب ما تقتضيه حكمته ككلامه سبحانه قال تعالى {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } [الأنبياء:2] وقال {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء:5].

 

مساق الأصول القرآنية لأسماء الله الحسنى

المحاضر: الشيخ الدكتور أحمد القاضي

منصة زادي للتعلم الشرعي المفتوح

تفريغ إسلاميات

الوحدة الثانية: الأصول القرآنية لأسماء الله الحسنى – قواعد تأصيلية

الدرس الخامس: (فعّال لما يريد)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سنتناول في هذه الحلقة موضوعًا مهمًا يتعلق بأفعال الله سبحانه وتعالى ننطلق فيه من هذه الجملة القرآنية، من هذا الأصل العظيم وهو قول الله تعالى (فعّال لما يريد) في بيان حقيقة الصفات الفعلية والرد على منكريها بدعوى نفي حلول الحوادث 

صفات الله تعالى نوعان:

صفات ذاتية وهي الملازمة لم يزل ولا يزال متصفًا بها لا يتصور انفكاكها عنه سبحانه وتعالى مثل صفات العلم والقدرة والحياة. ومنها الصفات الخبرية مثل الوجه واليدين والعينين مما هو ثابت في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

النوع الثاني صفات فعلية وهي المتعلقة بمشيئته وحكمته فيفعلها إذا شاء كيف شاء فقد وصف تعالى نفسه صريحًا في مواضع من كتابه على أحوال:

منها ما يكون مقرونًا بإرادته كقوله تعالى (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) [البقرة: 253] وقوله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [هود: 107] وقوله (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) [الحج 14] وقوله (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج: 16]

ويأتي مقرونًا بمشيئته كقوله (كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران: 40] وقوله (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الحج: 18]

ويأتي مطلقًا كقوله تعالى (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) الأنبياء) وقوله (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿٦﴾ الفجر) وقوله (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾ الفيل) غير مقيّد بصفة أخرى.

إذن قد جاء هذا الوصف الشريف بأنواع التصرفّات اللغوية: بصيغة الفعل الماضي والمضارع واسم الفاعل

وأما أنواع الأفعال وأفرادها فلا تكاد تُحصر فمن ذلك الاستواء قال تعالى (ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ) [يونس: 3] في ستة مواضع من كتابه في الأعراف ويونس والرعد والفرقان والسجدة والحديد وأما الموضع السابع ففي سورة طه (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5) طه).

ومن أفعاله سبحانه وتعالى الإتيان والمجيء قال تعالى (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ) [البقرة: 210] وقال (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴿٢٢﴾ الفجر)

ومن أفعاله سبحانه النزول إلى سماء الدنيا فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟" ومجموع ذلك وغيره يدل على أنه سبحانه يفعل ما يشاء متى شاء كيف شاء وهو عقيدة السلف الصالح وأئمة الحديث والسُنّة. وقد أنكر المتكلمون ثبوت الصفات الفعلية لله تعالى وأوّلوها تأويلًا فاسدًا إلى معاني مجازية بلا بينة أو آثارة من علم وشُبهتهم في ذلك قاعدة قعّدوها وهي نفي حلول الحوادث التي يجعلونها من أخصّ خصائص الله فقد قال أبو المعالي الجويني: مما يُخالف الجوهر فيه حكم الإله قبول الأعراض وصحة الإتصاف بالحوادث والرب سبحانه وتعالى يتقدس عن قبول الحوادث، هكذا قال، فيزعمون أن إثبات الصفات الفعلية لله يستلزم أن يكون محلًا للحوادث ويتوصلون بهذا النفي إلى إنكار الاستواء والنزول والمجيء والفرح والضحك والعجب وغيرها مما جاء به ناطق الكتاب وصحيح السنة ويحملونها على معاني مجازية فرارًا من هذا اللازم، والجواب عن هذه الشبهة في مقامين:

أحدهما الاستفصال: قال أبو العزّ رحمه الله: وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سُنة وفيه إجمال فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحلّ في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن فهذا نفي صحيح، وإن أريد به نفي الفصات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء إذا شاء ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل

المقام الثاني هو مقام التحقيق فقد قال عمرو بن عثمان المكي رحمه الله: خلصت له الأسماء السنيّة فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليًا أو اسمًا كان منه بريًًا تبارك وتعالى فكان هاديًا سيهدي وخالقًا سيخلق ورازقًا سيرزق وغافرًا سيغفر وفاعلًا سيفعل لم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في وصفه أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة فعله كذلك. قال الله تعالى (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴿٢٢﴾ الفجر) بمعنى أنه سيجيء فلم يستحدث الاسم بالمجيء وتخلّف الفعل لوقت المجيء فهو جاء سيجيء ويكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه لأن ذلك فعل الربوبية فتحسر العقول وتنقطع النفس عن إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطًلا ولا مشبهًا وارضَ لله بما رضي به لنفسه وقِف عند خبره لنفسه مسلمًا مستسلمًا مصدقًا بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير. انتهى كلامه رحمه الله.

وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: صفات الأفعال نوعها قديم لم يزال ولا يزال وأفرادها وجزئياتها لا تزال تتتجدد كل وقت بحسب إرادته وحكمته التي يحمد عليها أما الصفات الذاتية فهي التي لم تزل ولا تزال ولكن ليس لها مفعولات تتجدد وتحدث عنها وذلك كالحياة والسمع والبصر والعلم والعظمة والكبرياء وبهذا عرفت الفرق بين الصفات الفعلية والذاتية وأن الجميع اشتركا بأن الله موصوف بها وافترقا بأن صفات الأفعال لها آثار ومفعولات تتجدد عنها وكلها أي صفات الأفعال تدخل في معنى أن الله فعّال لما يريد وأنه لم يزل ولا يزال متكلمًا فعالًا متصرّفًا فاحفظ هذا التفصيل الذي لا تكاد أو لا تجده مسطرًا في كتاب على هذا الوجه ولكن معانيه موجودة في كتب المحققين فسلكناه في هذا الأسلوب الواضح الجليّ والله تعالى هو الميسر لذلك انتهى كلامه رحمه الله.

 

وقد صدق الشيخ فهذا تقرير بليغ ونظم بديع ينسف شبهة الاستدلال بنفي حلول الحوادث على إنكار الصفات الفعلية الاختيارية فكما أن صفة الكلام قديمة النوع حادثة الآحاد فكذلك صفة الفعل فجنس الفعل قديم وآحاده تتنوع وتحدث فتارة يكون استواء وتارة يكون مجيئًا وتارة يكون نزولًا كما أن صفة الكلام قديمة النوع لكن آحاد كلامه يتجدد فتارة يكون توراة وتارة يكون انجيلًا وتارة يكون قرآنًا، وقد كلّم الأبوين في الجنة ويكلم عيسى بن مريم عليه السلام وغيره يوم الحساب. هذا والله تعالى المسؤول أن يهدينا للعلم النافع والعمل الصالح وأن يعرّفنا به سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل