مساق الأصول القرآنية في أسماء الله الحسنى - د. أحمد القاضي - الوحدة الثانية - الدرس 1-2-3

مساق الأصول القرآنية في أسماء الله الحسنى

المحاضر: الشيخ الدكتور أحمد القاضي

منصة زادي للتعلم الشرعي المفتوح

تفريغ الأخت الفاضلة فاطمة جزاها الله خيرا

الوحدة الثانية: الأصول القرآنية لأسماء الله الحسنى – قواعد تأصيلية

الدرس الأول: في قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مرحبا بكم طلبة العلم وطالباته في هذه الأصول القرآنية العظيمة التي نقعِّد فيها للعلم بالله وأسمائه وصفاته. وأول أصل من هذه الأصول نستمده من قول الله تعالى {ولِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180] الذي يدل على استحقاق الله للأسماء الحسنى وتفرّده بها. فقد ورد إثبات الأسماء لله تعالى بصيغة الجمع في أربعة مواضع من كتابه:

1.    أولها: في آخر سورة الأعراف حيث قال تعالى: {ولِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180].

2.    الثاني: في آخر سورة الإسراء، قال الله تعالى {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [الإسراء:110]

3.    وثالثها في مطلع سورة طه حيث يقول تعالى {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ }[طه:8]

4.    ورابعها في ختام سورة الحشر حيث يقول تعالى{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [الحشر:24]

فدلّت هذه الآيات الكريمات على أمور عدة:

أولها أن أسماء الله من عند الله فقد سمى نفسه يما يليق بجلاله وجماله وكماله من الأسماء المقدسة، ولم يكِل ذلك إلى خلقه، ولم يبتدعها الناس كما ادعت الجهمية أنها مستعارة مخلوقة.

وأما الثاني فإن أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف: فهي أعلام باعتبار دلالتها على ذاته، وأوصاف باعتبار دلالتها على معاني صفاته إذ لا معنى لوصفها بالحسن إلا لتضمنها كمال معنى الصفة. قال ابن القيم رحمه الله: "والوصف بها لا ينافي العَلَمية بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم لأن أوصافهم مشتركة فنافَتها العَلَمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى".

وأما الأمر الثالث الذي يستمد من هذه الآية فهو أن أسماء الله الحسنى تختص به فلا يشاركه فيها أحد ولهذا قدم الجار والمجرور في اللفظ الظاهر والمضمر فقال {ولِلَّهِ الْأَسْمَاءُ} [الأعراف:180] وقال {لَهُ الْأَسْمَاءُ ..} [طه:8، الحشر:24] وتقديمه يدل على الاختصاص، والاشتراك في الاسم لا يلزم منه الاشتراك في المسمى والحقيقية فأسماء الله تليق به، وأسماء المخلوق تليق به، قال تعالى عن نفسه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الإسراء:1] وقال عن خلقه {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}[الإنسان:2] وأمثال هذا كثير. فكما يجب توحيده في ربوبيته وألوهيته، يجب توحيده في أسمائه وصفاته باعتقاد أنه لا سميّ له، ولا كُفء له، ولا ند له، قال تعالى { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}[مريم:65].

(بحثت عن آية وردت فيها لفظة "وله الأسماء" فلم يتبين لي سوى الآيتين في (طه:8 والحشر:24) اللتان وردتا من غير حرف العطف (الواو) كما ذكر الشيخ هنا. وقد وردت في موضع آخر مسبوقة بحرف الفاء {فله الأسماء الحسنى}[الإسراء:110] وجميعها ذكرها الشيخ في الأربع مواضع التي وردت في الٌقرآن في إثبات أسماء الله بصيغة الجمع. وجب التنويه فقط على هذه النقطة فإن وردت هناك آية بلفظة (ولله الأسماء) بحرف العطف (واو) يرجى تنبيهنا حتى يتسنى لنا تصحيح التفريغ. وعلى كلٍ لن يؤثر ذلك على شرح الشيخ إذ تحدّث عن تقديم الجار والمجرور (له) وقد ورد التقديم في كلتا آيتي سورة طه والحشر).

وأما الأمر الرابع فهو أن أسماء الله قد بلغت في الحسن غايته فليس فيها نقص بوجه من الوجوه، وكل ما سمى به الرب نفسه فهو دال على الكمال المطلق سواء في ذلك أسماء الجلال كالعظيم والعزيز والجبار والمتكبر، أو أسماء الكمال كالعليم والقدير والسميع والبصير. فأسماء جلاله منزّهة عن العبث والسَفَه، وأسماء كماله منزهة عن النقص والعيب ومماثلة المخلوقين.

وقد يقرِن الرب تعالى بين اسمين كريمين من أسمائه الحسنى فينتج عن ذلك حسنٌ مضاعف قال تعالى {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا}[النساء:149] فأفاد أن عفوه مع المقدرة لا بسبب عجز وهوان وقدرته يكتنفها عفوه لا نزق فيها ولا حنق قال أيضا {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}[النساء:56] فدل ذلك على إن عزته مقرونة بحكمته فلا تقتضي ظلما وجورا، كما أن حكمته مصحوبة بعزته فلا يلحقها ذِل يحول دون نفاذها.

فاللَهج بذكر أسمائه الحسنى تسبيحًا وتحميدًا وتكبيرًا باللسان وتدبر معانيها بالجلال مفتاح كل سعادة وطريق كل خير.

وأما الأمر الخامس فهو أن أسماء الله تعالى توقيفية يجب الوقوف فيها عند موارد النصوص من الكتاب والسنة دون زيادة ولا نقصان، فلا يسمى بما لم يُسمّ به نفسه، ولا يُدعى بغير أسمائه الحسنى، ولا تُعبّد أسماء المخلوقين لغير أسمائه. غير أن بعض الصفات وباب الإخبار أوسع من باب الأسماء فتضاف الصفات إليه سبحانه، ويُخبر بها عنه على ما ورد لكن لا يُسمى بها، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم منزل الكتاب ومجري الكتاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم". وليس من أسمائه المُنزِل ولا المجري ولا الهازم، وكذلك ليس من أسمائه المريد ولا الجائي ولا الآخذ ولا الباطش ونحوها مما دلت عليه صفات الأفعال وإن جاز الإخبار بها عنه، قال ابن القيم رحمه الله: "إنما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإن هذا يُخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العلا".

ومن باب أولى صفات الأفعال التي تنقسم مدلولاتها إلى محمود ومذموم باعتبار الحال فتكون كمالا في مقابل ما يصدر منهم ضدها كصفات المكر والكيد والخداع والاستهزاء التي أضافها الله لنفسه الكريمة كما في قوله {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}[الأنفال:30] وقوله {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)}[الطارق:15-16] وقوله {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}[النساء:142] فلا يُشتق منها أسماء له تعالى ولا يُخبر بها عنه على سبيل الإطلاق فلا يقال الماكر والكائد والمخادع دفعًا لظن السوء، ويُقتصر على ما ورد مقيدًا. قال ابن القيم رحمه الله: "لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق منه اسم مطلق". كما غلط بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل والفاتن والماكر تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يُطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة.

الوحدة الثانية: الأصول القرآنية لأسماء الله الحسنى – قواعد تأصيلية

الدرس الثاني: في قوله تعالى (فادعوه بها)

تفريغ الأخت الفاضلة فاطمة جزاها الله خيرا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. مرحبا بكم مع الأصل الثاني من الأصول القرآنية الدالة على أسماء الله الحسنى وصفاته العليّة. وهذا الأصل مستمد من الجملة الثانية من قوله الله تعالى {ولِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180] لنبيّن كيفية التعبد لله تعالى بمقتضى أسمائه.

لما أخبر الله عباده المؤمنين باختصاصه بالأسماء الحسنى أمرهم بدعائه بها، وفي هذا إشارة إلى أعظم ثمرات العلم بالله وهو التعبّد له بمقتضاها لأن الدعاء أجلى صور العبادة، فعن النعمان ين بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[غافر:60]. ودعاء الله تعالى بأسمائه الحسنى نوعان:

أحدهما دعاء عبادة وله صورتان:

الصورة الأولى صورة قولية: وهو أن يلهج لسانه بحمده وتسبيحه سبحانه والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى كما في صدر حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال "اللهم لك الحمد أنت قيّم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق، والنار حق والنبيوون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق.")

وأما الصورة الثانية فهي صورة عملية وهو أن يُتَعبّد لله بمقتضى أسمائه الحسنى فيألهه محبة وخوفًا ورجاءً لعلمه أنه الله، ويشتغل بالكلم الطيب ويُعرض عن اللغو من القول لعلمه أنه السميع، وينهمك في العمل الصالح ويجتنب كبائر الإثم والفواحش لعلمه أنه البصير، ويتوكل عليه لعلمه أنه الوكيل، وهكذا.

أما النوع الثاني من أنواع الدعاء فهو دعاء المسألة، وذلك أن يسأل الله حاجته متوسلًا بذكر الإسم المناسب لتلك الحاجة كأن يقول: يا غفور اغفر لي، يا رحمن ارحمني، يا رزّاق ارزقني، ومن شواهده تتمة حديث ابن عباسٍ المتقدم وفيه (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدّم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك) وكما في حديث أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "علمني دعاء أدعو به في صلاتي" قال: قل "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغقر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم."

معشر طلبة العلم، لا يتم دعاء الله بأسمائه الحسنى حتى يقع الاسم في دعاء العبادة في جملة مفيدة وحتى يُصدّر في دعاء المسألة بـ(ياء النداء) ظاهرة أو مضمرة، وبهذا يتبين خطأ من يسردون الأسماء الحسنى أو أحدها مجردا حتى آل الحال ببعضهم إلى الاقتصار على بعض حروف الاسم فصار يردد (آه آه) بدلًا من (يا الله) او مجرد الضمر فيقول (هُو هُو) بدلًا من (لا إله إلا هو) ويتفنن بعض الناس في تدبيج الأدعية المسجوعة والمُتَكلَّفة مما يخرج هذه العبادة العظيمة عن جلالتها إلى نوع من الزخرفة اللفظية التي لا تباشر حقيقة العبودية وإن استدرّت المدامع أحيانًا.

وللدعاء منزلة عند الله وكرامة فليس شيء أكرم على الله من الدعاء، فالدعاء عنوان العبودية، ومظهر الافتقار للغني الحميد، وأكمل الدعاء دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم أعلم الناس بربهم ومعبودهم لا سيما الخليلين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. والمتأمل في دعوات الأنبياء الكرام المبثوثة في كتاب الله يجد أنها تجمع أوصافًا:

·        أحدها: كمال الصدق والإخلاص

·        ثانيها: كمال الأدب مع الله وحسن التعبير

·        ثالثها: القصد والإيجاز في موضعه والبسط والترسل في موضعه

وغالبا ما نجدهم عليهم صلوات الله وسلامه يصدّرون أدعيتهم باسم الرب، لما يتضمنه هذا الاسم الجليل من معاني الخلق والملك والتدبير الذي ينشأ عنه صنوف الرعاية والحفظ واللطف، ومن أمثلة ذلك:

دعاء نوح عليه السلام: { وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ }[المؤنون: 29] وقوله {رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}[نوح:28].

دعاء إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم:40] وقوله {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(83) وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}[الشعراء:83-89] وقوله عليه السلام:{ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات:100].

وكذلك أدعية موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35)} [طه: 25-35] وقوله عليه السلام {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف:151] وقوله {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص:16] وقوله { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24].

ومن أمثلة دعاء الأنبياء دعاء زكريا {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران:38]، {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:4-6] وقوله {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء:89].

وكذلك دعاء سليمان عليه السلام {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19]

أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده، وأما أكثر دعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مصَدّرٌ بكلمة (اللهم) المتضمنة لأشرف أسمائه وأجمعها وأعرفها وهو (الله) فإن الإله مَنْ تألهه القلوب محبة وتعظيمًا فتؤول معاني الأسماء الحسنى إليه، وأمثلة ذلك كثيرة جدًا في كتاب الدعوات في الصحاح والسنن وغيرهما من دوواين السنة. نسأل الله تعالى أن يرزقنا دعاءً مجابًا مسموعًا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الوحدة الثانية: الأصول القرآنية لأسماء الله الحسنى – قواعد تأصيلية

الدرس الثالث: (ولله المثل الأعلى)

تفريغ إسلاميات

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نتكلم عن أصل عظيم من أصول أسماء الله الحسنى وصفاته وهو الذي دلّ عليه قول الله تعالى (ولله المثل الأعلى) وذلك في بيان انفراد الله تعالى بصفات الكمال المطلق فقد ورد هذا المصطلح الشريف (المثل الأعلى) في موضعين من القرآن الكريم:

·        أحدهما في سورة النحل حيث يقول الله تعالى (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦٠﴾)

·        والثاني في سورة الروم يقول تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٢٧﴾)

فما المثل الأعلى؟

قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري رحمه الله (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) هو الأفضل والأطيب والأحسن والأجمل وذلك التوحيد والإذعان له بأن لا إله غيره. وقد روى بسنده عن قتادة رحمه الله تفسيره بشهادة أن لا إله إلا الله، وفي رواية أخرى عنه: الإخلاص والتوحيد، وبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسيره بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11] وفي أخرى: "مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره". وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير المثل الأعلى أي الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه فصار المثل الأعلى له تعلّقان:

1.    الأول بالربّ بمعنى أن له سبحانه أعلى صفات الكمال ونعوت الجلال على وجه لا يشاركه فيه أحد من خلقه ولا يتطرّق إليه نقص بوجه من الوجوه وهذا حقيقة توحيد المعرفة والإثبات.

2.    الثاني تعلّق بالعبد وهو ما يقوم بقلبه من التوحيد والإذعان والإخلاص وما يلهج به لسانه من الذكر الجميل وما تنبعث به جوارحه من العمل الصالح ثمرةً لعلمه بالأول فلا يصرفه إلا لله لأنه المستحق له دون ما سواه وهذا حقيقة توحيد القصد والطلب أو توحيد العبادة.

ولنضرب على هذا عدة أمثلة لأهمية المقام:

المثل الأعلى في اسم الله الحيّ كمال صفة الحياة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء المستلزمة لخصائصها من سمع وبصر وفعل وكلام وغير ذلك. قال تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) [الحديد: 3] وفسّرها نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء "رواه مسلم:

والمثل الأدنى لحياة المخلوق كونه مسبوقًا بعدم ويلحقه فناء وتعتري حياته الآفات والنقص قال تعالى (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) وقال (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿٢٧﴾ الرحمن)

والمثل الأعلى في قلب المؤمن باسمه الحيّ توحيده بذلك وتعلّقه به وتوكله عليه ولهذا قال (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان: 58]

مثال آخر: في بيان المثل الأعلى في اسم الله العليم فإنه دالٌ على كمال صفة العلم فلم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان وإحاطته سبحانه بكل شيء أزلًا وأبدًا كليًا وجزئيًا لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة، قال تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٥٩﴾ الأنعام) و قال (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) غافر) وقال (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴿٥٢﴾ طه) وقال أيضًا (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64]

أما المثل الأدنى لعلم المخلوق فكونه مسبوقًا بجهل قال تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون  شيئا) ويتطرق إليه النسيان قال تعالى (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) [الحج: 5]. وقصوره أيضًا وقلّته قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 85] وفي قصة موسى عليه السلام مع الخضر لما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، رواه البخاري.

والمثل الأعلى في قلب المؤمن باسم الله العليم توحيده بذلك وكمال مراقبته التي تحمله على فعل أوامره واجتناب مناهيه والأنس به الذي يُذهب وحشته كما قال إبراهيم في مناجاته لربّه (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) إبراهيم)

والمثل الأعلى في اسم الله القدير كمال صفة القدرة التي يحصل بها نفاذ المشيئة والتمكن من الفعل بلا عجز قال تعالى (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [النور: 45] وقال (وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر: 44]

وأما المثل الأدنى لقدرة المخلوق فكونها محدودة يعتريها العجز قال تعالى (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ (43) الأنبياء)

والمثل الأعلى في قلب المؤمن باسم الله القدير توحيده بذلك والتعلق به في دفع الضر وجلب النفع وصدق التوكل عليه قال تعالى (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) الأنعام)

والمثل الأعلى في اسم السميع كمال سمعه تعالى وإدراكه لجميع الأصوات ونفي الصمم عنه قال تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿١﴾ المجادلة) وقال (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) الزخرف)

وأما المثل الأدنى لسمع المخلوق فكونه محدودًا تلتبس عليه الأصوات ويلحقه الصمم، قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ) [الأنعام: 46] وقالت عائشة رضي الله عنها في قصة المجادلة: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عز وجل (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وأصله في البخاري.

وأما المثل الأعلى في قلب المؤمن باسم الله السميع فتوحيده بذلك واعتقاد إحاطته سبحانه بكل ما يلفظ به فيحمله ذلك على الكلم الطيب ويعقل لسانه عن اللغو قال الله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٢٧﴾ البقرة) وقال أيضًا (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾ آل عمران)

قال الإمام عبد العزيز ابن الماجشون رحمه الله فوالله ما دلّهم على عظم ما وصف من نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم إن ذلك الذي أُلقي في روعهم وخلق على معرفته قلوبهم فتأمل كيف أثبت هذا الإمام الاشتراك في أصل المعنى مع تفاوت الحقيقة والكيفية ولولا ذلك ما حصل العلم والاستدلال، فله سبحانه من كل صفة كمال أجلّها وأعلاها وهو المثل الأعلى منها والاشتراك في اسم الصفة بين الخالق والمخلوق اشتراك في أصل المعنى ككون السمع يعني إدراك الأصوات والبصر إدراك الذوات أما الحقيقة والكُنه فللمخلوق ما يليق به وهو المثل الأدنى وللخالق ما يليق به وهو المثل الأعلى. وهذا الاشتراك إنما يقع في الأذهان فإذا أضيف اختصّ بمن أضيف إليه وزال الاشتراك فيقال سمعُ الله وسمعُ المخلوق كما يقال عِلمُ الله وعِلمُ المخلوق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام. إن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيًنا مقيدًا وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله فسبحان من له المثل الأعلى في السموات والأرض والحمد لله رب العالمين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل