لمسات بيانية في آيات الصيام - 1- د. فاضل السامرائي و د. حسام النعيمي

اللمسات البيانية في آيات الصيام

د. فاضل السامرائي و د. حسام النعيمي - ورتل القرآن ترتيلا - د. أحمد الكبيسي

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185).

*موقع آيات الصيام كما جاءت في سياقها في القرآن الكريم*( د.فاضل  السامرائى )

آيات الصوم وقعت بين آيات الشدة وذكر الصبر وما يقتضي الصبر.قبلها قال (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)) والصوم نصف الصبر كما في الحديث والصبر نصف الإيمان وتقدّمها أيضاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (178)) هذه شدة وتحتاج إلى صبر وقبلها (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)) هذه شدة وتحتاج إلى الصبر.                                                                                                               وبعدها آيات القتال (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190)) (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (191)) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ (193)) الصوم من المشاق والقتال من المشاق والقتال يقتضي الصبر والصوم نصف الصبر.بعدها ذكر آيات الحج لأن الحج يقع بعد الصيام بعد شهر رمضان تبدأ أشهر الحج فذكر (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)) ثم ذكر المريض في الحج كما ذكر المريض في الصوم وذكر الفدية في الحج ومن الفدية الصيام (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (196)) إذن موقع آيات الصيام تقع بين آيات الصبر وما يقتضي الصبر وعموم المشقة.

آية (183):

*(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) الفعل كُتب مبني للمجهول وجاء مع(عليكم) تحديداً مع أنه ورد في القرآن (إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ (120) التوبة)؟( د.فاضل  السامرائى)

نلاحظ ربنا تعالى قال (يا ايها الذين آمنوا) ناداهم بنفسه ولم يقل (قل يا أيها الذين آمنوا) لم يخاطب الرسول وإنما ناداهم مباشرة لأهمية ما ناداهم إليه لأن الصيام عبادة عظيمة قديمة كتبها تعالى على من سبقنا فنادانا مباشرة ولم ينادينا بالواسطة. استعمال كتب فيه شدة ومشقة وما يستكره من الأمور عموماً لما يقول كُتب عليكم يكون أمر فيه شدة وشقة وإلزام، في أمور مستثقلة ومن معاني كتب ألزم ووجب وفرض مثلاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (178))، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ (216))، فيه شدة أما (كُتب له) فهو في الخير (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ (187)). إذن كُتِب عليكم فيه شدة ومشقة وإلزام والصوم مشقة يترك الطعام والشراب والمفطرات من الفجر إلى الليل فيه مشقة لذا لم يقل لكم.

بناء الفعل للمجهول (كُتِب) لأن فيها مشقة وشدة لأن الله تعالى يظهر نفسه في الأمور التي فيها خير أما في الأمور المستكرهة وفي مقام الذم أحياناً يبني للمجهول مثل (حبب إليكم الإيمان وزينه في لقوبكم) و(زّين للناس حب الشهوات) مبني للمجهول التي فيها شر لا ينسبها لنفسه ومثلها آتيناهم الكتاب وأوتوا الكتاب: في مقام الذم يقول أوتوا الكتاب مطلقاً وفي مقام الخير يقول آتيناهم الكتاب. لما كان هناك مشقة على عباده قال كُتب ولم يقل كتبنا. في الأمور التي فيها خير ظاهر يظهر نفسه (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (12) الأنعام) (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الأعراف) هذا خير. قوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ (45) المائدة) هذه فيها إلزام لهم، كتب على بني إسرائيل الأمور التي شددها عليهم شدد عليهم لأنهم شددوا على أنفسهم. حرف الجر يغير الدلالة وأحياناً يصير نقيضها مثل رغب فيه يعني أحبّه ورغب عنه يعني كرهه، وضعه عليه يعني حمّله ووضعه عنه أي أنزله.

*ما دلالة استخدام الصيام لا الصوم؟( د.فاضل  السامرائى)                           

هذا من خصائص التعبير القرآني لم يستعمل الصوم في العبادة وإنما استعملها في الصمت فقط (إني نذرت للرحمن صوماً). الصوم هو الإمساك والفعل صام يصوم صوماً وصياماً كلاهما مصدر وربنا استعمل الصوم للصمت وهما متقاربان في اللفظ والوزن (الصوم والصمت) واستعمل الصيام للعبادة أولاً المدة أطول (صيام) والمتعلقات أكثر من طعام وشراب ومفطرات فهو أطول فقال صيام. (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ)لم يستعمل الصوم في العبادة وهذا من خواص الاستعمال القرآني يفرد بعض الكلمات أحياناً بدلالة معينة كما ذكرنا في الرياح والريح في الغيث والمطر في وصى وأوصى ومن جملتها الصوم والصيام. في الحديث الشريف يستعمل الصوم والصيام للعبادة "الصوم لي وأنا أجزي به"، " الصوم نصف الصبر" لكن من خواص الاستعمال القرآني أنه يستعمل الصيام للعبادة.

*ختمت الآية (لعلكم تتقون) فما اللمسة البيانية فيها؟( د.فاضل    السامرائى)

قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) هذا يدل على علو هذه العبادة وعظمتها وربنا سبحانه وتعالى كتب هذه العبادة على الأمم التي سبقتنا معناها هذه العبادة عظيمة ولا نعلم كيفيتها لكن كان الصيام موجوداً. ثم يدل على الترغيب في هذه العبادة لأهميتها بدأ بها تعالى في الأمم السابقة ثم أن الأمور إذا عمّت هانت والصيام ليس بِدعاً لكم وإنما هي موجودة في السابق فإذن هذا الأمر يدل على أهميتها ويدل على تهوينها أنها ليس لكم وحدكم وإنما هي مسألة قديمة كما كتبت عليكم كتبت على الذين من قبلكم. كلمة (تتقون) أطلقها ولم يقل تتقون كذا كما جاء اتقوا النار أو اتقوا ربكم يحتمل أشياء مرادة تحتمل تتقون المحرمات وتحذرون من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة ويهذبها ويحُدّها (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يتسطع فعليه بالصوم فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج). تتقون المفطرات والاخلال بأدائها أي تحفظون الصيام وتتقون المفطرات الإخلال بأشياء تؤدي إلى ذهاب الصوم، لعلكم تتقون تحتمل تصلون إلى منزلة التقوى وتكونوا من المتقين فإذن فيها احتمالات عديدة وهي كلها مُرادة. إذا كان تتقون المعاصي فهي تحتمل لأن الصوم يكسر الشهوة وإذا كان تتقون المفطرات تحتمل وإذا كانت تصل إلى منزلة التقوى أيضاً تحتمل. في هذا السياق تكرر ذكر التقوى والمتقين قال (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)) (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)) (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَاللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)) (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)) تكررت التقوى في السياق وهي مناسبة لأنه في أول السورة قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)). في عموم السورة إطلاق التقوى. وسورة البقرة تردد فيها التقوى ومشتقاتها 36 مرة. التقوى فِعلها وقى وقى نفسه أي حفظ نفسه وحذر، المتقون أي حفظوا نفسهم من الأشياء التي ينبغي أن يبتعدوا عنها. قسم يقول أن التقوى هي أن لا يراك الله حيث نهاك ولا يفتقدك حيث أمرك يعني الابتعاد عن المحرمات والانهماك في الطاعات هذه هي التقوى. جاءت التقوى في سورة البقرة على الإطلاق ومنها قوله (لعلكم تتقون) يعني تتقون أي شيء عموماً.

آية (184):

*(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) لماذا معدودات وليس معدودة؟( د.فاضل  السامرائى)

فيها أمران من حيث اللغة قد يكون معدودات تقليلاً لها لأن معدودة أكثر، معدودات قليلة. الجمع في غير العاقل معدودات تدل على القلة ومعدودة تدل على الكثرة هذا قياس في اللغة. في غير العاقل المفرد يدل على الكثرة والجمع يدل على القلة حتى يذكرون بقولهم: الجذوع انكسرت (الجذوع كثرة فاستعمل انكسرت بالمفرد) والأجذاع إنكسرن (الأجذاع قِلّة فاستعمل انكسرن بالجمع) وفي الآية (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (36) التوبة). جمع القلة يكون من واحد إلى عشرة، قالوا (أياماً معدودات) تقليلاً لهن تهويناً للصائم. وقسم يقول أنها في أول فرض العبادة كانت ثلاثة أيام في كل شهر ولم يبدأ بالشهر كاملاً ثم نُسِخ وجاء شهر رمضان فصارت معدودات، ثم قال شهر رمضان بعد هذه الأيام. المعدودات تدل على القلة (حتى العشرة) ومعدودة أكثر من عشرة وإذا رجعنا إلى طتب التاريخ العرب تؤرخ بالليالي (لثلاث خلون، لأربع خلون يأتي بها بالجمع) (لإحدى عشرة ليلة خلت يأتي بها بالمفرد تدل على الكثرة) حتى نلاحظ في العدد نقول ثلاثة رجال، عشرة رجال، إحد عشر رجلاً، مائة رجل، مليون رجل.

*أياماً: ماهو اليوم؟المشهور الأيام بمقابل الليالي (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا (7) الحاقة).

*قال تعالى:(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لماذا على سفر؟( د.فاضل  السامرائى)

يقال لأنه أباح للمتهيء للسفر أن يفطر إذا اشتغل بالسفر قبل الفجر،على سفر أي لم يسافر وإنما هو متهيئ للسفر مثل (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ (283)) أي تتهيأون. (على سفر) لا تعني أنه سافر بالفعل وكثير من الفقهاء قالوا على سفر أي أباح للمتهيء للسفر وإن لم يكن مسافراً وقالوا لو كان يعني للمسافر فالمهتيئ للسفر لا يحق له الإفطار. لذا قال أو على سفر معناه أباح للمتهيء للسفر أن يفطر.

(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) كلمة يطيقونه فيها كلام قسم قال المقصود في بدء فرض الإسلام عند بداية الفريضة أنهم لم يكونوا متعودين على الصوم فمن شاء يصوم ومن شاء يفدي في زمن الرسول r لما نزلت هذه الآية كأنهم فهموا أنهم مخيّرون بين الصوم والافطار. ما المقصود بـ (يطيق)؟ قسم قالوا هذه الآية نسخت لأنه فعلاً في أول الاسلام كانوا مخيرين من شاء يفطر ويفدي ومن شاء يصوم. وقسم قال أطاق أي تكلفه بمشقة وصعوبة وتكون الهمزة للسلب يعني سلبت طاقته وجهده. الفعل الثلاثي طاق أي تحمل وأطاق فيها خلاف ما هذه الهمزة؟ هل أطاقه بمعنى قدر عليه؟ أو همزة السلب أي سلب طاقته؟ يعني الذي لا يستطيع الصوم يسلب طاقته بحيث لا يتمكن أن يصوم فيفدي (طعام مسكين) وإذا كانت بمعنى التحمّل يصوم (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) الصيام أفضل. الفدية مرهونة بعدم الصيام وعدم الصيام هو أحد أمرين إذا كان كما يقولون أنه في أول الاسلام كان المسلمون مخيرين في الافطار ودفع الفدية أو الصوم والصوم خير وإن كان غير ذلك أن الهمزة للسلب تبقى على دلالتها وليست منسوخة فالذي لا يستطيع أن يصوم والصوم يسلب طاقته بحيث لا يتمكن من الصوم فرب العالمين رخص بالفدية كالشيخ الكبير الهِرم والمريض الذي لا يرجى شفاؤه. تبقى على دلالتها مستمرة ليس فيها نسخ إذا جعلت للسلب والحكم عام ساري إلى يوم القيامة.

* لماذا قال الحق بعد الحديث عن الفدية ( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ )؟ ( الشيخ محمد متولي الشعراوي)
.. عندما كان الصوم اختيارياً كان لابد أيضا من فتح باب الخير والاجتهاد فيه، فمَنْ صام وأطعم مسكيناً فهذا أمر مقبول منه، ومن صام وأطعم مسكينين، فذاك أمر أكثر قبولا. ومَنْ يدخل مع الله من غير حساب يؤتيه الله من غير حساب، ومن يدخل على الله بحساب، يعطيه الحق بحساب، وقول الحق: ( وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ) هو خطوة في الطريق لتأكيد فرضية الصيام، وقد تأكد ذلك الفرض بقوله الحق: ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) ولم يأت في هذه الآية بقوله: ( وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ) لأن المسألة قد انتقلت من الاختيار إلى الفرض.
* (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) ما اللمسات البيانية في هذه الآية؟( د.فاضل  السامرائى)

ذكرنا ما المقصود بـ(على سفر) و(الذين يطيقونه) و(فمن تطوع خيراً فهو خير له) بأن زاد على القدر المذكور أو فعل أكثر من المطلوب يُطعم مسكينين أو أكثر أو جمع بين الصيام والفدية وبين الإطعام والصيام وقال (وأن تصوموا خير لكم) يعني أيها الأصحاء أن تصوموا خير لكم ملتفتاً من ضمير الغائب (على الذين يطيقونه) إلى المخاطب (وأن تصوموا). كان يمكن أن يقال في غير القرآن وأن يصوموا لكنه تحوّل من الغيبة إلى الخطاب لئلا يخص المرضى والمسافرين لأنه لو قال لو يصوموا خير لهم هذا يخص المرضى والمسافرين وتتداخل مع قوله (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) لكن هذه أعم كل من هو مرخص له بالإفطار من صام خير له وليس فقط هؤلاء وخاصة وإذا صح الكلام أنه في أول الصيام كان مخيراً بين الفدية والإطعام قبل أن يفرض شهر رمضان، كان مخيراً إما يصوم أو يخرج فدية لما قال أن تصوموا خير لكم دخل الجميع فيه لكن لو قال وأن يصوموا لكان يخص المرضى والمسافرين فقط بينما لما قال وأن تصوموا شمل الجميع المرخّص لهم وغيرهم وليس خاصاً بالمرضى والمسافرين فهذا الالتفات كان للجمع وهذا اسمه إلتفات في الخطاب.

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185))                                                                                             

فكرة عامة عن الآية:الملاحظ أنه ذكر الفريضة أولاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لم يحدد وقتاً ولا مدة ولا شيء وإنما ذكر الفريضة ثم بعدها ذكر الأيام مبهمة قال (أياماً معدودات) لم يُحّددها، ثم بيّن بقوله (شهر رمضان) فيما بعد، الآن تعيّن الوقت للصيام وحدّد إذن أصبح الفريضة هي صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي الذي ابتدأ فيه نزول القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل منجماً فيما بعد على مدى ثلاث وعشرون سنة. (أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) فيها دلالتان إما ما ذكرناه الآن أي ابتداء إنزال القرآن فيه أو أنزل في شأنه القرآن أي في تعظيمه. إذن فيها دلالتان أنه نزل فيه وأنه أُنزل في شأنه القرآن وهو من باب تعظيم هذا الشهر كما نقول قال فيه كلاماً طيباً والاحتمالان مرادان لما قال (إنا أنزلناه في ليلة القدر) أي أنزلناه في ليلة القدر وأنزل في تعظيمها قرآن. (الذي أنزل فيه) يعود الضمير على الشهر كله. فقال (أُنزل فيه القرآن) ولم يقل أنزلنا فيه القرآن لأنه يتكلم على شهر رمضان وليس على مُنزِل القرآن لو قال أنزلنا يكون الكلام عن الله سبحانه وتعالى وليس على الشهر لو قال أنزلنا يعود إلى ضمير المتكلم لكنه يريد الكلام على الشهر تعظيماً لهذا الشهر. بينما قال أنزلنا الحديد تعظيماً لله تعالى وعظمته والنعمة التي أنعمها على خلقه. (تنزيل من حكيم حميد) أنزل إليك ثم قال من لدن حكيم حميد لأن الكلام عن الكتاب وتعظيم الكتاب وليس عن الله سبحانه وتعالى. الفعل مبني للمجهول والفاعل مُضمر محذوف ليس له ذكر لأن سياق الكلام على شهر رمضان.

*ما دلالة إستخدام أداة الشرط (إن) هنا (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) البقرة)؟(ورتل القرآن ترتيلاً)

تأمل كيف جاء أسلوب الشرط مستخدماً (إن) التي تفيد التشكيك والتقليل ولم يستخدم (إذا) التي تفيد الجزم والتحقيق وفي ذلك إشارة إلى أن علمك أيها المؤمن بفوائد الصيام في الدنيا والآخرة عِلمٌ غير محقق لأن فوائده خفية وأسراره قد لا تتوصل إلى معرفتها ولذلك يرغّبك في هذه العبادة حتى لو لم تدرك فوائدها إدراكاً كاملاً.

* في الآية قبلها قال (أياماً معدودات) جمع قلة والشهر ثلاثون يوماً وجمع القلة حتى العشرة فكيف نفهمها؟( د.فاضل  السامرائى)

يجوز من باب البلاغة للتكثير يجوز وضع أحدهما مكان الآخر كما يستعمل القريب للبعيد والبعيد للقريب لكن قلنا هنالك أمران الأمر الأول أنه تهوين الأمر على الصائمين أنه شهر، أياماً معدودة وهو لا يقاس بالنسبة للأجر أنت تدفع هذه الأيام بالنسبة لما في الأجر فهي قليلة جداً، لا يقاس بأجره العظيم لما فيه من عظمة الأجر جزاء هذا الذي تعمله شيء قليل وليس كثيراً هذا ثمن قليل لما سيعطيك ربك هذا ثمن قليلة فهي معدودات. ومن ناحية قالوا أن الصيام كان فعلاً ثلاثة أيام في الشهر (أياماً معدودات) وكان مخيراً بين الفدية والصيام، فإذن كان فعلاً اياماً معدودات (ثلاثة أيام). إذن تؤخذ من باب التهوين وأنها هي قليلة بالنسبة لما سيعطيك الله تعالى فهي قليلة وتهوينها على الصائم .

آية (185):

* (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) ما إعراب كلمة هدى؟( د.فاضل  السامرائى)

فيها احتمالان أن تكون حال أي (هادياً للناس) أُنزل القرآن هادياً للناس أو مفعول لأجله أي لأجل هداية الناس. المفعول لأجله لا يشترط أن يسبق بلام وإنما هذا معنى المفعول لأجله وليس لازماً (فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله) لم يقل لابتغاء مرضاة الله، معنى اللام أو معنى من ولكن هي في المعنى هكذا (يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (19)البقرة) من الحذر، (حذر) مفعول لأجله. المفعول لأجله بيان عِلّة الفعل وسبب حدوث الفعل أي السبب الذي من أجله حدث الفعل سواء كان علّة مبتغاة كما تقول أدرس طلباً للنجاح هذه علة مبتغاة غير موجودة أو هي الدافع للنجاح. تقول قعد جبناً ليس لابتغاء الجبن لكن الجبن سبب قعوده، الجبن هو علة القعود. إذن المفعول لأجله نوعين إما أن يبتغي شيئاً غير موجود وإما يكون السبب الدافع لطلب الفعل علّة موجودة في نفسه دفعته إلى القيام بهذا الفعل وليست لابتغاء الفعل. (هدى للناس) في الآية هداية للناس الهداية غير موجودة لولا القرآن، لولا القرآن لم تكن هنالك هداية فإذن هي ابتغاء علة لم تكن حاصلة لكن بالقرآن يحصل هذا الأمر. فإذن فيها أمرين: إما حال وإما مفعول لأجله، بهذه الطريقة يجمع معنيين معنى الحالية ومعنى المفعول لأجله ولو أراد الحالية لقال هادياً للناس وهناك فرق بين الحال والمفعول لأجله الحال يبين هيئة صاحبه.                                                                                             

*ما الفرق بين هادياً وهدى؟( د.فاضل  السامرائى)

هادياً إسم فاعل وهدى مصدر وهناك فرق كبير بينهما حتى لو كان التنصيص على الحاليّة في غير هذا فهناك فرق كبير المصدر وإسم الفاع، فرق كبير بين أقبل راكضاً وأقبل ركضاً وكلتاهما حال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً (15) الأنفال) ما قال زاحفين هذه حال، (يأتينك سعياً) لم يقل ساعيات مع أنها حال لكن لماذا اختار؟ إسم الفاعل يدل على الحدث وذات الفاعل ،لما تقول قائم يدل على القيام مع الشخص الذي اتصف به، إذن قائم فيها شيئين الحدث وهو القيام وذات الفاعل لكن القيام هوالمصدرالمجرد ليس فيه نفس الارتباط الذي مع اسم الفاعل. لما تقول أقبل راكضاً، راكضاً يدل على الحدث وصاحب الحدث، أقبل ركضاً تحوّل الشخص إلى مصدر، هو صار ركضاً. ولذلك هذا ليس قياساً عند الجمهور مع أنه يقع كثيراً وربنا تعالى لما ذكر إبراهيم (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا (260) البقرة) ما قال ساعيات اي ليس فيهن شيء يُثقلهن من المادة يتحولن من أقصى الهمود إلى حركة أي هنّ أصبحن سعياً ولو قال ساعيات يعني فيها صفة من الصفات فيها الحدث وصاحب الحدث، هناك فرق أقبل ماشياً أقبل مشياً ليس فقط ماشياً وإنما تحوّل إلى مشي.

(الذي أُنزل فيه القرآن هدىً) يذكرون في الإخبار المصدرعن الذات أوالعكس أوالوصف: محمد ساعٍ هذا عادي ، لكن محمد سَعْيٌ هذا لا يجوز إلاعلى ضرب من التجوز أي محمد تحوّل إلى سعي لذلك لما قال تعالى لنوح عليه السلام(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ (46) هود) لم يقل عامل أي إبنك تحول إلى كتلة عمل غير صالحة لم يبق فيه شيء من البشرية والإنسانية ولذلك هذا لا يجوز إلا على ضرب من التجوّز والمبالغة.

إذن هدىً لها إعرابان إما حال وإما مفعول لأجله والاثنان مطلوبان لأنه لو أراد الحالية لقال هادياً.

المعنى الدلالي للمفعول لأجله هو بيان العلة. (بيّناتٍ) أي وأُنزِل آيات بينات واضحات الدلالة، (وبينات) الواو حرف عطف، بينات معطوفة على هدى، العطف يصح من دون تقدير، مثل أقبل محمد وخالد أي أقبل محمد وأقبل خالد، لا يحتاج إلى تقدير فعل مغاير هنا افعل واحد إذن أُنزِل آيات بينات واضحات الدلالة أُنزل هدى للناس وأُنزل آيات بينات واضحات الدلالة من الهدى والفرقان (بينات صفة منصوبة)، الصفة لا نقصد إعرابها نعتاً ولكن هي صفة يعني إما إسم فاعل أو إسم مفعول أو صفة مشبهة أو صيغ مبالغة أو إسم تفضيل هذه تسمى صفات وهذه صفة مشبهة (فيعل) مثل ميّت، جيّد، طيّب، ليّن، هيّن، بيّن، هذه صفات مشبهة. هنا أُنزل آيات بينات واضحات الدلالة فتكون بيّنات حال لأنها مصدر والمفعول لأجله لا بد أن يكون مصدراً هذا ليس مصدراً وإنما صفة مشبهة والحال إسم فضلة منصوب أما المفعول لأجله فلا بد أن يكون مصدراً مصدر فضلة مفيد عِلأّة (فضلة يعني لا مسند إليه ولا مُسند، والركن هو المسند والمسند إليه)، (بينات) حال. (الفرقان) أي الفارق بين الحق والباطل أي أُنزل بينات من الهدى، هو هدى للناس هذا للعموم وفيه آيات بينات تبين الحجج الدامغة على أنه من عند الله هذه هدى وفيها أحطام عظيمة جداً تهدي الناس. هدى للناس هذه عامة، وبينات من الهدى والفرقان خاصة. في أول سورة البقرة قال (هدى للمتقين) هنا قال (هدى للناس) والآيتين في البقرة فإذن القرآن فيه هداية عامة وفيه هداية خاصة (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)، هداية عامة (هدى للناس) (وبينات من الهدى) فيه آيات بينات تستدل منها على أن هذا القرآن قطعاً من فوق سبع سموات، فيه دلائل آيات واضحة تحتج بها على أن هذا القرآن هومن عند الله وهناك آيات أحكام هادية للناس في معاملاتهم تفرق بين الحق والباطل إذن هناك هداية عامة وهداية خاصة واستخدم الكلمتين بالمعنيين هنا، (هدى للناس) هدى عام (وبينات من الهدى) هدى خاص،والفرقان تأتي ليس خاصة فقط بالقرآن،(قرآناً فرقناه)نزل مفرّقاً بين الحق والباطل.الفاروق صفة مبالغة(فاعول)والفرقان مصدروهي أقوى.

 *(فمن شهد منكم الشهر) كيف يشهد الشهر؟ هل يراه مثلاً؟( د.فاضل  السامرائى)

(فمن شهد) أي من كان حاضراً غير مسافر، من كان مقيماً وليس مسافراً شهد الشهر ليس شاهد الهلال أو رأى الهلال. تقول أشهِدت معنا؟ أي كنت حاضراً معنا؟. (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) وشرط الشهادة أن تكون حاضراً وليس مسافراً لأنه ذكر المسافر فيما بعد. ثم قال (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لم يقل من كان منكم مريضاً كما قال ومن شهد منكم الشهر.

*قال في الأولى كُتب عليكم الصيام باستخدام عليكم فلماذا قال منكم؟ (د.فاضل    السامرائى )

قال كُتب عليكم، الفرق في الاية الأولى تقدمها قوله (كما كتب على الذين من قبلكم) لو قال فمن كان مريضاً ما قال منكم كات يُظن أن هذا حكم الأولين وليس لنا هذا الحكم (أي منكم وليس من الذين من قبلكم). هنا قيّد فلا بد أن يذكر (منكم) لئلا ينصرف المعنى للذين من قبلكم، إنما ليس لها نفس المكان في الثانية (ومن كان مريضاً) وليس في القرآن ولا حرف زائد مطلقاً. لم يقل تعالى (وأن تصوموا خير لكم) كما قال في سابقتها لأنه إذا قرأنا الآية نفسها (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) قال يريد بكم اليسر فكيف يقول أن تصوموا خير لكم؟ وهذا من تمام رأفته ورحمته بنا سبحانه وتعالى.

(وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)هذه اللام فيها احتمالان: احتمال أن تكون اللام زائدة في مفعول فعل الإرادة يعني يريد لتكملوا العدة والقصد منها التوكيد لأن فعل الإرادة يتعدى بنفسه (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وهنا جاء باللام وهو يقع كثيراً في مفعول فعل الإرادة للتوكيد فاحتمال أن تكون هذه اللام مزيدة في مفعول فعل الإرادة بقصد التوكيد. والآخر يحتمل أن يكون للتعليل والعطف على علّة مقدرة وذكرنا أمثلة وهناك أمور يريدها لكن الآن هو ذكر مناط الأمر وذكرنا جملة أمثلة مثل قوله تعالى(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) البقرة) الآن المقصود العلة ولكن هناك علل بدلالة الواو أن هنالك علل أخرى محذوفة لا يتعلق الآن غرض بذكرها لأنها ليست فقط لهذه العلة لأن أصل السؤال أنى يحيي الله هذه بعد موتها، فأماته الله، ما ذكرها بينما هو صاحب الشأن فذكر ما هو أهم وهنالك أمور أخرى وعِلل لكن ما ذكرها وإنما ذكر ما يتعلق بإرادة المتكلم وهو أن يجعله آية للناس وذكرنا كيف يكون العطف على مقدّر (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (36) النساء) في غير العلّة، قلنا وبالوالدين على أي شيء معطوف؟ ليس هناك شيء والمعنى أحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا كثير في القرآن الكريم وفي لغة العرب.

(وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (ما) تحتمل معنيين بمعنى التي والمصدرية بمعنى الهداية ونرجح المعنيين فهما مرادان، أي على الذي هداكم وعلى هدايته لكم. السياق أحياناً يعين على فهم دلالة واحدة. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (23) الأحزاب) بمجرد أن قال (عليه) تحدد معنى (الذي) ولو لم يقل عليه لاحتملت ما الموصولة أو المصدرية فطالما لم يحدد يُطلق.

*هل البَدَل يفيد التوكيد؟( د.فاضل  السامرائى)

للبدل عدة أغراض منها:

 أن يكون للإيضاح والتبيين كما في قوله تعالى (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) البقرة) طعام مسكين إيضاح للفدية.

*ما دلالة ذكر (منكم) وحذفها في آيتي سورة البقرة 184-185 (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (فَمَنْشَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)؟(د.حسام النعيمى)

في الآية الأولى قال (منكم) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). هنا ذكر قوماً آخرين (كما كتب على الذين من قبلكم) لما ذكر الآخرين قال (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الخطاب عن المسلمين. الآية الأخرى بدأها بقوله (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) الكلام معهم وذكر (منكم) (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) واضح (منكم) لأنهم مخاطبون. فلو قال في غير القرآن : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان منكم مريضاً يكون تكراراً لا معنى أن يقال ومن كان منكم لأنها مذكورة فلا تحتاج الإعادة بينما في المرة لم تذكر (منكم) وإنما ذكرت (من قبلكم) فقال (منكم) والخطاب والكلام مع المسلمين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل