بدائع الفوائد - معنى (لا إله إلا الله)

بدائع الفوائد

 

الشيخ الدكتور عبد الله السحيباني

برنامج تقدمه قناة الرسالة بإشراف وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

معنى لا إله إلا الله

أعظم كلمة نطقت بها الشفاه.

لأجلها أرسل الله عز وجلّ الرسل ولأجلها أنزل الكتب ولأجلها قامت سوق الجنة والنار ولأجلها انقسم الخليقة إلى مؤمنين وكفار ولأجلها نُصِبت الموازين ووضِعت الدواوين ولأجلها وضِعت القِبلة وأُسِّست الملّة وجرّدت سيوف الجهاد ولا إله إلا الله هي حق الله على العباد.

لا إله إلا الله هي حق الله سبحانه وتعالى على جميع العباد ومعناها الذي لا شك فيه هو أنه سبحانه وتعالى المستحق لأن يؤلّه وأن يُعبد وأن يُخصع له وقد اشتملت هذه الكلمة العظيمة على ركنين: على نفي وإثبات. (لا) حرف نفي وتسمى نافية للجنس، لا إله أي لا أحد يستحق العبادة إلا الله، لا أحد بحق إلا الله سبحانه وتعالى. والإله معناه المألوه المعبود الذي يُقصد ويُرجى ويُخاف منه ويُحبّ ويُخضع إليه.

(لا إله) هذا نفي (إلا الله) إثبات، تثبت الألوهية لله سبحانه وتعالى ولهذا الله سبحانه وتعالى في القرآن كثيرًا ما يكرر هذا المعنى فيقول سبحانه وتعالى (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ) [البقرة: 256] (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: 36]. (لا إله إلا الله) كلمة كررها الله سبحانه وتعالى في القرآن (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿٢٢﴾ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٢٣﴾ الحشر)

لا إله إلا الله كلمة ينطق بها المسلمون في صلواتهم ودعواتهم وفي أذانهم وفي إقامتهم وفي خُطَبِهم وفي مخاطباتهم وكتاباتهم فقلّما كتب أحدهم كتابًا إلا وصدّره بأشهد أن لا إله إلا الله وقلّ ما قام خطيبا إلا وقال لا إله إلا الله

هي كلمة التقوى (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) [الفتح: 26] وهي العروة الوثقى التي قال الله سبحانه وتعالى فيها (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ (22) لقمان) قال ابن عباس وغيره من المفسرين العروة الوثقى هي لا إله إلا الله.

لا إله إلا الله هي الكلمة التي جلعها الله عز وجلّ لإبرهيم كلمة باقية (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) الزخرف)

كلمة شهد الله سبحانه وتعالى بها لنفسه وأشهد على ذلك ملائكته وأشهد عليها أشرف خلقه من العلماء (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١٨﴾ آل عمران)

لا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص ولهذا ألّف الإمام ابن رجب كتابًا سماه "كلمة الإخلاص" ذكر فيه فضائل لا إله إلا الله.

وقد ذكر جماعة من أهل البلاغة والإراب والمعاني والبديع أن هذه الكلمة فيها أسرار منها أنها كلمة تخرج من الجوف كل حروفها جوفية فهي لا تخرج من الشفة ولهذا الذي ينطق بها لا يحتاج إلى أن يغلق شفتيه (لا إله إلا الله) قالوا إن ذلك إشارة إلى الإخلاص بها وأنها تخرج من الجوف ومن القلب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة.

(لا إله إلا الله) ليس فيها حروف معجمة أي منقوطة وإنما هي حروف مجرّدة ليس فيها نقط إشارة إلى التجرد إلى أن الذي يقولها يتجرد من كل المعبودات فلا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى

لا إله إلا الله هي أحسن الحسنات وأفضل الأعمال وخير الأعمال جعلها الله سبحانه وتعالى تعدل الرِقاب كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: من قالها مائة مرة كان له عدل عشر رقاب. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه من قالها بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيّ÷ا شاء فهي مفتاح الجنة وهي المنجية بإذن الله تعالى من النار.

لا إله إلا الله إنما تنفع قائلها إذا أتى بحقها. قال جماعة للحسن رحمه الله: إننا نعلم أن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال نعم ولكن من قال لا إله إلا الله وأتى بحقها. قيل لوهب بن منبه إن لا إله إلا الله مفتاح الجنة قال نعم ولكن لكل مفتاح أسنان فمن أتى بالمفتاح وله أسنان فإنه يوشك أن يُفتح له.

لا إله إلا الله هي الحسنة التي لا تقاومها أيّ سيئة، ثبت في سنن الترمذي وسنن النسائي والحاكم وقال إنه على شرط مسلم وصحح جماعة من أهل العلم من حديث عمرو بن العاص قال يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فيمد له تسعة وتسعون سِجِلًا كل سجل منها مدّ البصر – هذه السجلات كلها خطايا وموبقات وسيئات وجرائم - حتى إذا رآها ورأى أنه قد هلك قيل أتنكر من هذا شيئا؟ قال لا، قيل هل لك حسنة؟ يحجم عن الكلام ويخشى من الكلام يقول لا، قيل بلى إن لك عندنا حسنات وأنه لا ظلم عليك اليوم، فتُخرج له بطاقة مكتوب فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول له لا ظلم عليك اليوم، فتوضع البطاقة في كفة وتوضع السجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات. وهذا الحديث فيه أن لا إله إلا الله هي المنجية من النار وأنها هي سبب دخول الجنة. ولهذا ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فيهما إلا دخل الجنة وفي بعض الروايات إلا حرمه الله عز وجلّ عن النار.

لكن الذي ينبغي أن يعلم أن لا إله إلا الله لها شروط ينبغي أن يؤتى بها، فاعلم العلم واليقين والصدق والمحبة والإخلاص والانقياد وعدم الإعراض عن هذه الكلمة ينبغي أن يُعلم أن لا إله إلا الله إذا جاء بها العبد مخلصًا موقنًا راجيًا ربه سبحانه وتعالى منيبًا إليه لا يجحد شيئًا من الواجبات ولا يكفر بشيء مما فرضه الله، من أقرّ بلا إله إلا الله لم يجحد الزكاة ولم يجحد الصلاة ولم يجحد الصيام ولم يأت ما حرم الله سبحانه وتعالى عليه. من أتى بلا إله إلا الله موقنا بها وكانت آخر كلامه من الدنيا وفق لأن ينطق بها في آخر جملة من هذه الدنيا موقنا بها راجيا من الله فضلها أن يلقى الله عز وجلّ بها فإن الله سبحانه وتعالى يدخله الجنة.

 

أسأل الله تعالى بمنّه ولطفه أن يجعلنا ممن يختم له بهذه الكلمة وأن يثبته عليها وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل