مساق الأصول القرآنية في أسماء الله الحسنى - د. أحمد القاضي - الوحدة الأولى

مساق الأصول القرآنية في أسماء الله الحسنى

 المحاضر: الشيخ الدكتور أحمد القاضي

 منصة زادي للتعلم الشرعي المفتوح

تفريغ الأخت الفاضلة فاطمة جزاها الله خيرا

الوحدة الأولى: مقدمة أساسية

الدرس الأول: إحصاء أسماء الله الحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد،

فإن من أشرف المقامات العلمية والعملية الاشتغال بتحقيق العلم بالله وأسمائه وصفاته ودعاؤه بها والعمل بمقتضاها، وتلك حقيقة العبودية إذ أن معرفة ذلك أساس الدين وخلاصة دعوة المرسلين وأوجب وأفضل ما أدركته العقول واكتسبته القلوب. قال تعالى {لِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:180].

ولا ريب أن هذا العلم أشرف ما احتواه القرآن الكريم من أبواب العلم، وأحكم المحكمات، وأبين البينات لشدة الحاجة إليه، وتوقف العبادة عليه، فلم يدعه الله تعالى ملتبساً بل بيّنه غاية البيان، كما أن نبيّه صلّى الله عليه وسلّم قد أولاه العناية التامة، وبيّنه البيان الشافي لكونه عماد الدين قولاً وعملاً واعتقاداً. ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم (إن لله تسعة وتسعين إسماً مئةً إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة) وفي هذا إغراء عظيم وتحضيض على العلم بالله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته حيث رتب النبي صلى الله عليه وسلم على إحصائها دخول الجنة.

وإحصاء أسماء الله الحسنى يتناول في الواقع ثلاثة أمور: 

فأول معاني الإحصاء هو العد كما قال الله عز وجل {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}[النحل:18فيأتي الإحصاء بمعنى العد، فتكون وظيفة المؤمن في هذا أن يجتهد في استنباط أسماء الله الحسنى من كتابه العزيز ومن سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة. ولم يزل أهل العلم على مر القرون يعنون بهذا الباب ويشتغلون باستنباط أسماء الله الحسنى وعدّها لبلوغ هذا الحد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقد كفونا المؤونة بحمد الله. فمن الأسماء ما يثبت بالقرآن ومنها ما يثبت في السنة المطهرة.

المعنى الثاني من معاني الإحصاء هو معرفة معانيها لأن ذلك هو الوعي إذ الإحصاء يأتي بمعنى الوعي. فلذلك كان لا بد من العلم بما دل عليه كل اسم بمقتضى اللغة العربية، ذلك أن الله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين وخاطبنا بما نفهم فقال {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[يوسف:2] {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[الزخرف:3] وحضّنا سبحانه على تدبر كتابه ولم يستثنِ شيئاً فقال {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29] فكان من أعظم العلم بل أشرفه العلم بمعاني أسماء الله الحسنى، ودلالاتها، ومقتضياتها، ليستنير القلب بهذا العلم.

وأما المقام الثالث من مقامات الإحصاء فهو العمل بمقتضاها إذ أن كل اسم من هذه الأسماء له آثار عملية مسلكية على المؤمن بِه. وعلى سبيل المثال، إذا آمن العبد بأن الله تعالى هو (السميع) فإن ذلك يستدعي أن يعرف معنى السميع ومعنى السمع إذ السمع هو إدراك الأصوات، وأثر ذلك من الناحية العملية المسلكية أن يسمع منه ربه ما يرضيه، فيتكلم بالطيب من الكلِم من تسبيح وتهليل وتحميد وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ويعقل لسانه عن الخوض في الباطل فلا يقع في غيبة ولا نميمة ولا شتيمة ولا قذف ولا ما أشبه لعلمه بأن الله هو السميع. وإذا علم بأن الله تعالى هو البصير فينبغي أن يعلم أن البصر هو إدراك المرئيات فإذا علم ذلك يقينا أثّر عليه من الناحية المسلكية العملية أن يرى الله تعالى منه ما يرضيه من الأعمال الصالحة من صلاة وصوم وحج وزكاة وإماطة للأذى عن الطريق إلى غير ذلك من الأمور العملية. وحمله ذلك أيضًا إذا أوصد الأبواب وأرخى الستور ألا يقترف ما يراه الله عليه فيسخط عليه بسببه وهكذا، ومن ثم كان جزاء إحصائها الجنة، فسلعة الله غالية وسلعة الله هي الجنة.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعمر قلوبنا بالعلم به بمقتضى أسمائه وصفاته وأن يجعلها وسيلة لنا إليه سبحانه وبحمده، وأن يجعلنا ممن أحصاها فدخل الجنة. والحمد لله رب العالمين.

 -----------------------------------

الدرس الثاني: أهمية تعلم أسماء الله الحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العاليمن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد،

فقد يظن بعض الناس أن العلم بالله وأسمائه وصفاته من نافلة العلم، ولعمر الله إن هذا لخطأ عظيم وضلال مبين، ذلك أن العلم بالله سبحانه وتعالى هو أعظم العلوم فإنه أصل الإيمان وشجرته، وقد قال الله سبحانه وتعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم:24 -25] فالعلم بالله تعالى، والعلم بأسمائه وصفاته أصل شجرة الإيمان، وتتفرع عنها أغضانٌ وينتج عنها ثمار فيتفيؤ ظلالها أهل الله وخاصته العالمون به بمقتضى أسمائه وصفاته المقتفون خطى النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه فتثمر لهم الثمرات العظيمة. فالعلم بالله وأسمائه وصفاته يرتكز على أمور عدة مهمة منها:

تحقيق العلم النافع الذي هو الهدى والاعتقاد الصحيح الخالص من الشوب في أعظم أبواب الدين وحسن الظن برب العالمين، فالله تعالى قد أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق، فالهدى هو العلم النافع والدين الحق هو العمل الصالح.

وحقيقة العلم النافع ترجع إلى ظن العبد بربه، ولهذا جاء في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي) وقد أنكر إبراهيم عليه السلام على قومه قائلا {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات:87] وقال سبحانه في موضع {وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت:23].

ومن أوجه أهمية دراسة هذا العلم عمارة القلب بالعبادات الشريفة المستمدة من ذلك العلم ومقتضياته فتورثهم محبته وخشيته ورجاءه، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة: 165] وقال{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}[فاطر:28] وقال {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[البقرة:218] وهكذا سائر العبادات القلبية. فالعلم بالله تعالى هو الذي يورث القلب الخشوع والذل والخضوع، قال سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩ (109)}[الإسراء:107-109] فما الذي استدرّ مدامعهم وجعل جباههم في الأرض إلا شيء قام في قلوبهم؟!.

الوجه الثالث من أوجه أهمية هذا العلم حصول العمل الصالح الذي هو دين الحق الناتج من تأله القلب وانجذابه لمولاه فتخف جوارحه لطاعته وتنزجر عن معاصيه، قال صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)[متفق عليه] فينبغي لمن أراد أن يستسهل الطاعات أن يصلح قلبه أولًا فإن القلب ملك والأعضاء له جنود، وإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبُث الملك خبُثت جنوده.

الوجه الرابع: العصمة من الزيغ والأهواء المضلة في هذا الباب الخطير المفضية إلى القول على الله بلا علم وظن السوء برب العالمين والحرمان من أشرف علوم الدين. فمن ضبط هذه الأصول واعتصم بالعلم بالله تعالى سلم مما وقع فيه أهل الأهواء والبدع، فمقالة التمثيل تنقّصٌ للرب سبحانه وتسوية بصفات المحدَثين، ومقالة التعطيل جحد وإنكار لاتّصافه بصفات الكمال الثبوتية، ومقالة التأويل تحريف للكلم عن مواضعه وقول على الله بغير علم، ومقالة التجهيل سد لباب العلم بالله سمعًا وعقلًا وحرمان، ومقالة التوقف عجز وفشل وخذلان، ومقالة أهل السنة إقرار وإمرار وإثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. والناظر بعين العدل والإنصاف والتجرد يدرك أن أهل السنة والجماعة أسعد الناس بالدليل وأفرحهم بالتنزيل، تلقوه بالقلوب السليمة والفطر المستقيمة والعقول الصريحة فقروا به عينًا وطابوا به نفسا، قال تعالى {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}[طه:2] بخلاف أهل الأهواء من الذين في قلوبهم زيغ، المتبعين للمتشابه فقد شقوا بدلالته فسلّطوا معاول التحريف على معانيه وركبوا كل صعب وذلول ليصرفوه عن حقيقته فألفوه كتابا عزيزا وحصنا منيعا فلم يظفروا منه بطائل وانقلب البصر خاسئا وهو حسير.

ولا تزال في عصرنا الحاضر فلول من الورّاقين المبتدعة يستحيون رفات مقالات المتكلمين البائدة ويهجرون ناطق الكتاب وصريح السنة ويتخذونها قراطيس، ويشابهون بعض أسلافهم من أهل الكتاب الذين وصفهم الله بقوله {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام:91] فحريٌ بهم أن يقوموا لله مثنى وفرادى ويتفكروا أيُّ الفريقين أهدى سبيلا وأقوى دليلا، قال سبحانه وتعالى {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[الشورى:52].

اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ،،،



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل