دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة العاشرة

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة العاشرة: تفسير سورة النبأ - 6

في اللقاء السابق توقفنا عند قول الله تبارك وتعالى متدبرين قوله تبارك وتعالى (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾) الذوق هو إدراك طعم الطعام والشراب والبرد هو الشيء البارد الذي يحتاجه الإنسان فالمعنى هاهنا لا يغاثون بنسيم بارد. والحميم هو الشديد الحرارة والغسّاق هو الصديد الذي يسيل من جروح الحريق. هنا في قول الله تبارك وتعالى (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾) (إلا) أداة استثناء لكن المستثنى هاهنا وهو الحميم والغساق ليس من جنس المستثنى منه وإذا كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه يسمى استثناء منقطعا. والاستثناء المنقطع له دلالات في المعنى ليس مجرد استثناء منقطع وينتهي الأمر، لا، هو هاهنا يفيد تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه لأن كما نعلم أن الحميم والغساق ليس من جنس البرد والشراب. الاستثناء المفرّغ هو ما لم يُذكر فيه السمتثنى منه. فإذا كان لم يذكر المستثنى منه نقول عنه استثناء مفرغا، ما ذاكرت إلا درسا أي ما ذاكرت من دروسي إلا درسا. أما هنا فالمستثنى منه ذوق البرد والشراب والمستثنى والحميم والغساق لكننا ندرك أن الحميم ليس من البرد في شيء وليس من الشراب في شيء وكذلك الغساق لأن الحميم هو الماء الحار جدا فهو وإن كان في أصله شراب إلا أنه لا يروي والمقصود من الشراب هو ما يروي ظمأ الإنسان. إذن فالحميم هو المستثنى من البرد وهذا لف ونشر مرتّب، الحميم مستثنى من البرد والغساق مستثنى من الشراب وهما ليسا من جنس المستثنى منه وقانا الله شرّهما. تأكيد الكلام بما يشبه ضده لأن هناك ما يسمى في علم البلاغة تأكيد المدح بما يشبه الذم وتأكيد الذم بما يشبه المدح وتأكيد الشيء بما يشبه ضدّه.

تأكيد المدح بما يشب الذم عندما أقول: لا عيب فيك سوى، عندما أقول (لا عيب فيك) نفيت العيب كله عنك، عندما أقول (سوى) ستظن أني سأذكر فيك عيبا لأن ما ساثبته بعد (سوى) ربما ينافي ما قبلها، فإذا قلت لا عيب فيك سوى أو إلا فمعنى ذلك أنك تظن أني سأذكر فيك عيبا فأقول (سوى أنك شجاع) أتيت بمدح آخر لكنه جاء في صورة ما يشبه الذم لأنك توقعت أني سأذمّ، لا عيب فيك سوى أنك كريم، أكدت المدح بما يشبه الذم.

وهناك تأكيد الذم بما يشبه المدح. أقول فلان فاسق إلا أو غير أو سوى.. أداة الاستثناء تعطيك توهمًا أني سأذكر صفة مدح فأقول (إلا أنه جاهل) فآتي بصفة ذمّ فيه فهذا يسمى تأكيد ذم بما يشبه المدح.

إذا كان الكلام ليس فيه ذما ولا مدحا نقول إنه تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه وهذا هو الذي معنا الآن ومنه في القرآن الكريم في قول الله تعالى (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) [النساء: 22] (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) يتوهم أنه استثناء للجواز فإذا به تأكيد على تحريم ذلك، (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أي إلا ما مات من زوجات آبائكم، من أين ستأتيبها لكي تنكحها؟! لن تستطيع. (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) بمعنى إلا ما قد مات فالمعنى إن أمكن لكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن والغرض هنا هو المبالغة في تحريم ما نكح الآباء فالله تبارك وتعالى يبالغ في تحريم ما نكح الآباء بهذا الأسلوب الذي يفيد تأكيد الشي بما يشبه ضدّه كما قال هاهنا (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا) تتوقع بعد أداة الاستثناء أن يأتي برد وشراب يذوقونه فإذا به أمر مستحيل وهو الحميم والغساق فهذا يسمى تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه.

إذن (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾) الغساق هو الصديد الذي يسيل من جروح الحريق وهو المُهل المذكور في سورة الدخان وفي سورة الكهف (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ﴿٤٥﴾ الدخان) (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف: 29] وقانا الله شر هذا. إذن العذاب الذي أعده الله لهؤلاء أنهم لا يذوقون في جهنم بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا.

(جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾) وفاقا هاهنا أتى الله بها للدلالة على معنيين:

المعنى الأول أنه مصدر وافق أي موافقا لعملهم فلم يظلمهم رب العباد، عملهم أنهم كذبوا بالبعث وكذبوا بالقرآن وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فالجزاء وفاقا أي موافقا لما كذبوا به وهذا يدل على أن رب العباد لم يظلمهم لأن الله تبارك وتعالى أعطى الإنسان كل ما يتمكن به من تأدية مهمته في الحياة. تأدية مهمة الإنسان في الحياة هو عبادة الله تبارك وتعالى وهذا معنى فطر الإنسان، الله فطر الإنسان بمعنى خلق الإنسان لكن فيه معنى زائدا على الخلق وهو أنه خلقه على هيأة تمكنه من تأدية دوره. فطر الله الخلق جميعا بمعنى أنه خلقهم على هيأة تمكنهم من تأدية دورهم في الدنيا. مثلا الشمس والقمر فطرها الله تبارك وتعالى الليل والنهار، السموات والأرض فطرها الله تعالى أي خلقها على هيئة تمكنها من تأدية دورها وفطر الله الإنسان أي خلقه على هيأة تمكنه من تأدية دوره. إذن لم يظلمهم رب العباد. والجزاء الوفاق موافق لما كذبوا به من البعث أو من الحساب ومن الجزاء.

والبعض من المفسرين استشهد على هذا الجزاء الوفاق بقوله تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: 40] ولكن هذا في باب آخر لأن الله تبارك وتعالى عندما قال (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) أفادت أن الجزاء من جنس العمل لكن فيما بين العباد وبعضهم البعض أما (جزاء وفاقا) فهو العقاب من الله لهؤلاء المكذبين.

نتوقف مليًا مع قول الله تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا)

الله تبارك وتعالى هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفس هذا الإنسان. الإنسان يرغب في الانتقام بقوة فالله تبارك وتعالى يفتح له الباب ليريح نفسه، يفتح له الباب أن يأخذ حقه بنفسه إذا أراد لكنه ينفره منه حتى يكره ذلك. واحد أساء لي والله تبارك وتعالى يفتح الباب لي أن آخذ حقي من هذا الإنسان فلماذا يسمي الله أخذ حقي (سيئة)؟ هل الإنسان بطبيعته يحب الإساءة؟ المثلية يعني نفس المقدار لا يزيد ولا ينقص لكن لم يسميها الله سيئة لينفّرك الله منها، ابتعد عنها، هذا في البلاغة يسمى (المشاكلة) هذه من أسس التدبر أن نعرف في كل درس موضوعا من موضوعات البلاغة البعيدة عنا جميعا.

المشاكلة هي استعمال اللفظ في غير ما وُضِع له بقرينة. هنا استعمال السيئة الثانية في غير ما وضعت له بقرينة أني آخذ حقي ولحكمة أرادها الله تبارك وتعالى ولذلك شاعر كان مهلهل الثياب ذهب ليزور أحد أقاربه فلما وصل عندهم قالوا له: اقترح ماذا تحب أن تأكل؟ ماذا تحب أن نطبخ لك؟ - كعادة الناس إذا زارهم قريب – فصاغ هذا الكلام في بيت من شعر يقول:

قالوا اقترح شيئا نُجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جُبّة وقميصا

الشاهد (اطبخوا لي جُبة وقميصا) فقد استعمل الفعل اطبخوا في غيرما وضع له لأن الجبة والقميص لا تطبخ لكنه أراد أن يلفت نظرهم إلى أنكم بدل أن تفكروا في أكلة فكروا أن تصنعوا لي جبة وقميصا تعيش معي فترة، أنا أريد أن ألبس، الأكلة تؤكل وتنتهي فالرجل أراد أن يلفت نظرهم إلى الأهم.

(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) مشاكلة للتنفير منها. الله تبارك وتعالى يقول أنت تكره من أساء إليك ولا تحب من يسيء إليك فلماذا تفكر أنت في أن تأخذ حقك بيديك لذلك قال الله تعالى بعدها (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) لم يرد في القرآن أجره على الله إلا في موضعين اثنين في القرآن كله حتى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أجرهم عند ربهم والعندية ظرف بمعنى أن أجرهم مدّخر عند ربهم لكن هؤلاء أجرهم على الله لم ترد إلا في هذا الموضع والموضع الآخر (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [النساء: 100] هاتان الصورتان فقط هما اللتان ذكر الله فيهما (أجره على الله) ونتأمل ختام الآية (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). ما علاقة (لا يحب الظالمين) بسياق الآية؟ إلا أن تنفذ حقك بيديك، إلا أن تأخذ السيئة بالسيئة لأنك حتى لو افترضنا عقلا أنك استطعت أن تأذ حقك بالتمام فأنت ظالم فأنت ظالم لنفسك أنك تركت ما عند الله وتعجّلت وأخذت الحق الفاني في الدنيا الفانية وتركت ما عند الله وهو أعظم (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فأنت ظالم لنفسك أو أن تأخذ أكثر من حقك فأنت ظالم لأخيك أو تأخذ أقل من حقك فأنت ظالم في كل الأحوال والله لا يحب الظالمين كما قال تعالى (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

وهنا درس تربوي: ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم أسلوب (لا يحب) لا يحب المستكبرين، الكافرين، الفاسقين. ما معنى لا يحب؟ ما معنى (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)؟ لم يستعمل الله في القرآن أبدا قوله (إنه يكره) حتى الكافرين قال (لا يحب الكافرين) وهذا أسلوب يعلمنا التعامل في التربية مع أبنائنا. هل تعلم أن أحد الأولاد لم يطعك فأنت تقول له أنا لا أحبك لأنك لا تطيعني وتقول له في المرة الأخرة: أنا أكرهك لأنك لا تطيعني، الأسلوب الأول فيه تودد وتلطف وحسن التربية مع الأبناء (لا أحبك) وهذا من الأساليب التربوية التي علمنا القرآن إياها. إياك أن تقول لولدك أو لمن تتعامل معه: أنا أكرهك. أنا أكرهك ينبغي أن تخرج من حياتنا ومن تعاملاتنا مهما كان. (لا أحبك) معناها أني أتمنى أن أحبك لكن فيك صفة لو أنك تخليت عنها ستنال حبي ولا يمكن أن تُفهم أنها كراهية. الطفل الذكي إذا قلت له لا أحبك، يقول أتكرهني؟ فتوضح له. لكن لو سمع كلمة (أكرهك) سيكون شعوره سلبيًا جدا.

إذن الله تبارك وتعالى يبين لنا أن ننفر من أخذ حقنا بأنفسنا.

والمشاكلة أيضًا في سورة يوسف في الآية (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) بعض الناس يظن أن همّ امرأة العزيز همّ يوسف مثله بالضبط، لا، هناك فرق والدليل في القرآن الكريم.

أولًا عندما راودته امرأة العزيز وهيأت الأمور والمعصية أتته ولم يخطط لها هو وقال الله تعالى (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ) راودته عن نفسه ما معناها؟ هل هي راودته عن نفسه أو راودته على نفسه؟ المراودة تعني المغالبة والقهر وتعني المغالبة بطريق التحايل، هناك مغالبة بطريق القهر ومغالبة بطريق التحايل. أنا أراودك على جوالك يعني أغالبك عليه حتى آخذه منك (هذا بأسلوب القهر: راودت على) مراودة بالقر. هي ما تريد المغالبة بالقهر لأنها لو قهرته لن تصل إلى مرادها لكنها تريد المغالبة بالتحايل (راودته عن نفسه) (عن) حرف يفيد التجاوز والمجاوزة لأنها تعمل أن نفس يوسف الطيبة التي بين جنبيه لن توافقها ولن تسمح لها بما تريد فأفاد الحرف (عن) أنها تقول له يا يوسف تجاوز عن نفسك التبي بين جنبيه هذه واستبدلها بنفس أخرى تقبل ما أريد، هذا معنى المراودة بالتحايل وقد تحدث معنا عندما يكون أحد الأقارب سيفعل شيئا وهو يعلم أنك لن ترضى عنه في ذلك، كحفلات الزواج، يقول لك أغمض عنا اليوم لأنه يعلم أنه يفعل شيئا أنت لن تقبله فهو يريد أن يتحايل. حتى قوم لوط (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ) [القمر: 37] لم يقل راودوه على ضيفه، كأنهم قالوا له يا لوط أخرج الضيوف خارج بيتك واتركهم لنا نتصرف معهم، انصرف عنهم. ولذلك في إحدى المرات بعض المتابعين لدروسي أرسل لي سؤالا وقال: الملائكة عندما كشفوا نفسهم للوط قالوا (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ) [هود: 81] لماذا قالوا له (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) ولم يقولون (لن يصلوا إلينا)؟ الآية في سورة هود، عندما قالوا (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) علم لوط أن قومه لن يستطيعوا المساس بالملائكة لأنهم سيرجعون إلى ملائكيتهم بأي وقت، إذا اختفى الضيوف فجأة من أمام القوم والقرآن صور قوم لوط بقوله (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) [هود: 78] هناك يُهرعون وهناك مهطعين والاثنثان فيهما معنى السرعة، المهطع مسرع يجري كأن وراءه من يقوده فهم مسرعون في انتظام مثلما قال الله تبارك وتعالى (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ) [القمر:8] لا يملك أحد أن يلتفت يمينا أو يسارا أو ينحرف عن الذهاب إلى الداعي. المهرع كأن هناك من يقوده وسيؤذيه إذا تمكن منه، كأن أحدا يمشي خلفه بسلاح إذا وصل إليه سيؤذيه. المهرع مسرع خائف من أن يؤذيه من خلفه. عندما قالوا (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) علم لوط أنهم لن يصلوا إليهم. بقي لوط والخوف على لوط لأن الملائكة ستختفي في ملائكيتها ولوط سيكون وحيدا والقوم الذين جاؤوا يهرعون إليه لن يتركوه فأراد الملائكة أن يطمئنوه على نفسه فمن ناحيتنا (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) ومن ناحيتك اطمئن (لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ).

تلك المرأة امرأة العزيز راودته وقالت هيت لك قال (مَعَاذَ اللَّهِ) معاذ الله جملة إسمية تختلف عن (أعوذ بالله) لو قال أعوذ بالله كان معنى ذا أن نقول أن نفسه قد تكون مالت بنسبة قليلة لكن قوله (مَعَاذَ اللَّهِ) يعني لجوئي إلى ربي ثابت ومستقر في كل حال ولست أُنشئه الآن، لست بعيدا عن ربي حتى أنشئه الآن. (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ). وبعدها قال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) السوء هي المقدمات والفحشاء الوقوع في الأمر وقال الله تعالى (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) بفتح اللام منصوبة على المصدرية وفي قرآءة أخرى (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) بكسر اللام وقلنا سابقا أن المخلِص هو من يخلص لله في طاعته وعبادته والمخلَص هو الذي يخلصه الله لذاته فالعبد يُخلص فيخلصه الله تعالى له فيصبح مجتبى.

عندما راودته قال معاذ الله والله قال إنه من عبادنا المخلِصين والمخلَصين والمخلِص والمخلَص مستثنى من إغواء الشيطان (إلا عبادك المخلَصين) (إلا عبادك المخلِصين) فلو أن نفس يوسف كما يقولون مالت للأمر كأننا نقول إنه قال معاذ الله ونفسه مالت فكيف يقول معاذ الله والله يصفه بأنه مخلِص ومخلَص وتقولولن نفسه مالت؟ يقولون أين رجولة يوسف؟ هل رجولة يوسف لا تتحرك إلا مع الحرام؟ وهل يوسف أقلّ شأنا من شاب في أمة محمد صلى الله عليه وسلم دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله؟ وكم من الناس يقولون إني أخاف الله؟ لا نقول يوسف نفسه مالت بل هو من البداية أغلق الباب وأظن أن الإنسان لو فتح لنفسه هذا الباب لا يستطيع الرجوع لكن إذا أغلقه من البداية يستطيع السيطرة إذن (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) استعمل الله تعالى الهمّ لأنه من باب المشاكلة.

(لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) لفعل، برهان ربه هو الإيمان الذي لم يختفي عن قلبه لحظة، والإيمان هو الذي دفعه أن يقول معاذ الله والإيمان هو الذي جعل رب العباد أن يصفه (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) والمرأة اعترفت بعد ذلك (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) استعصم بحل الله من البدياة هي تقر أنها حاولت معه إلا أنه استعصم بالله.

(جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾)

(إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾) بعد أن ذكر الله تبارك وتعالى الجزاء الذي أعده لهم أتى بجملة تعليلية لذلك مبينا أنهم استحقوا هذا لسببين: السبب الأول أنهم لا يرجون حسابا والسبب الثاني أنهم كذبوا بآياتنا كذابا.

(إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) الرجاء يكون في الشيء المحبوب وهو الخير، الرجاء يستعمل في رجاء الخير فلم قال (لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) ولم يأت بفعل آخر مثل لا يخشون؟ المقصود من قول الله تعالى (لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) عدة أمور منها:

أراد الله تبارك وتعالى أن ينفي عنهم الإيمان بالكلية أي أنهم لم يؤمنوا لأن الذي يرجو الحساب إنما هو المؤمن فأراد الله تبارك وتعالى أن يبين أنهم لم يؤمنوا بالبعث ولا بالحساب ولا بالقرآن ولا بالذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية، فهم لو يؤمنوا.

الأمر الثاني يريد الله تبارك وتعالى أن يعطي المؤمنين درسًا وهو أنكم مع الله غلّبوا جانب الرجاء على جانب الخوف حتى تستطيعوا أن تعبدوه حق العبادة، جانب الرجاء يدعو الإنسان دائما إلى المزيد من الطاعة والمزيد من العبادة فهذا هو المراد. إذا كان جانب الرجاء لدى بعض الناس يدعوهم إلى المزيد من فعل المعاصي نقول هذا يحتاج لجانب الخوف. والأصل أن الإنسن طبيب نفسه، هناك نفس أحيانا تصل إلى درجة اليأس، درجة اليأس ودرجة الخوف عند الإنسان الذي في قلبه قرب من ربه وقرب من التقوى فإذا كان الخوف يبعدك عن طاعة ربك فغلّب جانب الرجاء (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾ الزمر) لمن أراد أن يتوب إلى ربه ويخاف من ذنوبه السابقة الله تبارك وتعالى يقول له اطمئن لا تقنطوا من رحمة الله. ومن دقة التعبير أن الله تبارك وتعالى لم يقل قل يا عبادي الذين أذنبوا أو الذين فعلوا المعاصي وإنما قال الذين أسرفوا على أنفسهم لكنه يرغب في العودة لربه فالله تعالى يفتح له الباب أما من يأخذ الآية على أن يفعل المزيد من المعاصي نقول له هذا استهزاء بالله، عندما تأخذ قول الله تعالى (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) لتفعل المزيد من المعاصي فهذا استهزاء بالله أسأل الله تبارك وتعالى أن يعيذنا من ذلك.

المهم موضوع تغليب جانب الرجاء أو تغليب جانب الخوف نتوقف عنده.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل