دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة التاسعة

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة التاسعة: تفسير سورة النبأ - 5

تدبر القرآن الكريم يحتاج من الإنسان أن يكون شديد الانتباه لأنه استنباط من بين ألفاظ القرآن الكريم ومن بين السياق.

توقفنا عند قول الله تبارك وتعالى (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾) وقلت إن القرآن الكريم قد ذكر قضية الجبال وهلاك الجبال ضمن أهوال يوم القيامة بصور متعددة ففي قول الله تبارك وتعالى (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ) التسيير جعل الشيء سائرا أي ماشيًا فهو انتقال من مكان إلى مكان وهذا هو معنى (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ) (فَكَانَتْ سَرَابًا) أي كانت كالسراب أي أنها لا شيء ويظن الرائي أنها شيء لأن السراب هو ما يلوح في الصحراء كأنه ماء وليس بماء. إذن السراب وهم غير واقع فيقول الله تبارك وتعالى (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾) على سبيل التشبيه البليغ أي فكانت كالسراب. الله تبارك وتعالى ذكر ستة أحوال في أهوال يوم القيامة بالنسبة للجبال نرتبها:

الحالة الأولى من أحوال يوم القيامة بالنسبة للجبال (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) الحاقة) أي أن المرحلة الأولى مرحلة الاندكاك أن تدك الجبال في الأرض مع ضخامتها ومع قوتها كما نعلم.

المرحلة الثانية أن تصبح كالعهن المنفوش كما قال الله تعالى (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) القارعة) العهن هو الصوف والمنفوش لأنها ستكون منفوشة هكذا كالصوف لكن عندما يضع الإنسان قدمه على هذا العين فقدمه تغوص في العهن. والعهن هو الصوف، لماذا لم يشبهها الله تبارك وتعالى بالقطن مثلا؟ لأن القطن في تلك الحالة كالصوف لكن لأن الجبال ألوان ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) فاطر) وكذلك الصوف متلون فمن دقة التشبيه أن شبّه الله تبارك وتعالى الجبال هذا اليوم بالصوف نظرا لتلونه. ونعلم أن الله تبارك وتعالى قبل تشبيه الجبال بالعهن المنفوس قال (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴿٤﴾ القمر) وهناك في سورة القمر قال الله تعالى (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴿٧﴾ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴿٨﴾ القمر) فيشبه الله الناس في آية بالفراش المبثوث ويشبههم في آية أخرى بالجراد المنتشر فأيّ التشبيهين نأخذ به؟ التشبيهان كلاهما نأخذ به لأن لكل تشبيه وقتًأ مختلفًأ عن الآخر فشبّه الله الناس بالفراش المبثوث عندما ذكر القارعة، القارعة من القرع وهو بداية النفخ في الصورة، النفخة الثانية (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر: 68] فيقوم الناس جميعا من قبورهم حائرين مضطربين فيكونون متخبطين ولذلك الفراش المبثوث لو أنكم ترونه يكون حول لمبات الكهرباء في الصيف تجد الفراش واحدة تسير يمينا والأخرى يسار لا يسيرون على هيئة واحدة ولا يسيرون منتظمين والناس حال خروجهم من القبر سيكونون كالفراش المبثوث متخبطين حائرين، وبعد أن يسمعون صوت الداعي سيتجهون إليه في صف واحد ونظام واحد وهذا شأن الجراد لا يسير إلا منتظما في صف واحد وكأن هناك من يقوده ولذلك يشبه الله الناس في توجههم إلى الداعي بالجراد المنتشر ويقول (مُهْطِعِينَ) يعني مسرعين لكن هناك مهطع وهناك مهرع، كلاهما فيه السرعة لكن المهطع يسرع في مشيته وكأن هناك من يقوده كأن هناك قائدا يقوده فهؤلاء هم المهطعون وهذا هو شأن الجراد المنتشر. المهرع هو المسرع الذي يسرع خشية أن هناك خلفه من إذا لحق به سيؤذيه ويضربه لذلك وصف الله به قوم لوط (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) [هود: 78] مسرعين كأن هناك من خلفهم سيؤذيهم إذا لحق بهم.

المرحلة الثالثة كالهباء. الهباء أن تتقطع الجبال وتتبدد بعد أن كانت كالعهن كما قال الله تعالى (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾ الواقعة) الهباء أن الجبال ستتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن ولذلك وصفها الله بكلمة (منبثا) منبثا من الانبثاث والانبثاث فعل من أفعال المطاوعة. ما أفعال المطاوعة؟ أفعال المطاوعة لها أوزان معينة إما انفعل وإما تفعّل معناها أن الحدث وقع عليها بسهولة مثلا أقول قطعت الورقة فتقطّعت (تقطّعت) من أفعال المضارع تقطعت بسهولة، كسرت الزجاجة فانكسرت بسهولة ولذلك لا أقول كسرت الحديد فانكسر. وأفعال المطاوعة لها معان دقيقة. ولذلك في قول الله تعالى في سورة الشمس (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴿١١﴾ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴿١٢﴾ الشمس) يظن الناس أن (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) يعني إذ بعثوا اشقاها، فرق كبير بين إذ بعثوا وبين انبعث، فبعثوا هم الذي قاموا ببعثه، أرسلوه إنما انبعث تدل على أنه بمجرد الإشارة له انبعث بسهولة، بمجرد أن قالوا له نريدك أن تعقر الناقة فانبعث بسرعة ونفّذ ولذلك رب العباد ينبئنا عن هذا في سورة القمر باسلوب آخر (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ﴿٢٩﴾ القمر) التعقيب بالفاء تعاطى بسرعة فعقر بسرعة أكثر. إذن فعل المطاوعة يدل على أن الشيء وقع عليه الحدث بسهولة لأن (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴿٦﴾ الواقعة) لو كانت القضية قضية البث لقال الله تعالى فكانت هباء مبثوثا كما قال (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴿١٦﴾ الغاشية) لكن (منبثا) بصيغة فعل المطاوعة ليقول لنا انتبه إياك أن تظن أن الجبال أصبحت هباء بصعوبة وبثّت بصعوبة، لا، هذه الجبال بما ترى فيها من قوة أصبحت هباء منبثا كأنه ينبث بسهولة دون الحاجة إلى من يبثّه,

المرحلة الرابعة: النسف كما قال الله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) طه) الجبال كان المشركون شغوفين جدا بالجبال وكانوا منبهرين بها ويرون أنها أعظم المخلوقات ويرون قوتها فكانوا يسألون سؤال استهزاء إذا كانت القيامة ستقوم فأين ستذهب هذه الجبال؟ اين ستكون هذه الجبال بضخامتها وبقوتها أين ستكون؟ ولذلك هناك أسئلة كثيرة ذكرت في القرآن (ويسألونك عن اليتامى) (يسألونك ماذا ينفقون) كل سؤال ورد عليه جواب بـ(قل) ليس فيه الفاء إلا هذا الموضع والعلماء في ذلك على اتجاهين:

الإتجاه الأول أنهم يقدّرون شرطا: إن سألوك عن الجبال فقل، وهؤلاء يرون أن تلك الآية نزلت قبل أن يسألوه عن الجبال ولكن لعلم الله أنهم سيسألوا فقال (فقل) إذن هي على تقدير: إن سألوك عن الجبال فقل ينسفها ربي.

الإتجاه الآخر أن تكون الفاء دالة على سرعة الجواب (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ) بسرعة رد عليهم سريعا لأنه سؤال فيه استهزاء منهم (فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا).

ينسفها أن تنسف من الأرض كالرمال التي تنسف وأكّد الله النسف بقوله (نسفا) وبالطبع حتى تُنسف ستكون قبل ذلك (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا (14) المزمل) الكثيب المهيل هو الرمل الكثير المتراكم، عندما يبني أحد عمارة ويأتي بعربة رمل كبيرة ويرميها أمام البيت، الجبال ستتحول إلى مثل هذا الرمل قبل أن تُنسف والله يقول (فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) ثم يبين بعد ذلك حتى لا يظن أحد أن تلك الجبال عندما تُنسف ستبقي آثارا أو سيكون هناك نتوءات أو ارتفاعات في الأرض فالله تبارك وتعالى يقول (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴿١٠٧﴾) قاعًا صفصفًا القاع هي الأرض السهلة الأرض التي فيها سهولة والصفصف الأرض المستوية التي لا نتوء فيها، ما فيها ارتفاعات صغيرة ولا شيء، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا والأمت هو النتوء اليسير القليل جدًا، عندما يأتون بحفّار يحفر الأرض يترك نتوءات صغيرة هذا يسمى الأمت والعوج ضد الاستقامة وتأملوا دقة التعبير القرآني: كلمة عِوج، العوج منه ما هو حسي ومنه ما هو معنوي. أقول في هذا الشارع عوج، عوج حسي، لكن عندما يقول لك أحد الناس: كلامك فيه عوج، هذا عوج معنوي. واختلف أهل اللغة في الفرق بين العوج الحسي وبين العوج المعنوي فبعضهم يرى العوج بالكسر للحسي وبالفتح للمعنوي والبعض يرى العكس العود بالكسر للمعنوي وبالفتح للحسّي فانظروا إلى دقة التعبير القرآني! القرآن ترك خلاف أهل اللغة وكان من الممكن أن ينزل قرآءتين بالكلمة بالفتح وبالكسر لكن الله تبارك وتعالى أتى بالفعل الذي سيتعدى إلى العوج إذا كان العوج معنويا يتعدى له باللام ولذلك (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾ الكهف) لأن هذا عوج معنوي. (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ) [طه: 108] عوج معنوي، أما في قول الله تعالى (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا) هذا عوج حسي، العوج في الجبال عود حسي فتعدى الفعل إليه بـ(في) (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا) نظرا لأن (في) له علاقة بالأجسام، (في) حرف يفيد الظرفية. (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴿١٠٧﴾) هذه مرحلة النسف. بعد ذلك أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتصير كالغبار.

المرحلة السادسة أن تصير سرابا وهي المرحلة الأخيرة التي في آية سورة النبأ معنا أن تصير سرابا بمعنى أن تراها شيئا وهي في الأصل لا شيء. إذن (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾ النبأ) هذه هي المراحلة الأخيرة للجبال. ولذلك بعدها مباشرة (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾ النبأ) لأن هذه هي نهاية أحوال الجبال.

قال الله تعالى (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾) مرصادا إما أن تكون صيغة مبالغة على

·         وزن مفعال من الرصد وهو الترقب، أي كانت كالمرقاب تترقبهم أي ترصد أعداء الله وتشقّ عليهم.

·         وقيل ترصد كل كافر وكل منافق

هذا هو القول في كلمة (مرصاد) إن جهنم ترصدهم وتترقبهم ويسمعون زفيرها من على بعد قيل مسيرة خمسمائة عام في سورة الفرقان (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴿١٢﴾ الفرقان) وقانا الله شرّها.

(لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ﴿٢٢﴾) المرصاد هاهنا إما أن تكون مرصادا للكافر والمنافق كما قال الله تعالى (إن الله جامع المنافقين  جميعا) فيكون هاهنا بينها وبين (للطاغين) صلة يعني: إن جهنم كانت مرصادًا للطاغين، ويكون التمام على (للطاغين) وقوله (مآبا) أي أوبًأ أي مصيرا ومقرًا فهي للطاغين تترقبهم وترصدهم فتصبح بالنسبة لهم مصيرا ومقرا. الله تبارك وتعالى ذكر كلمة (مأوى) في القرآن و(مثوى) كلاهما محل إقامة وهذه (مآبا) بمعنى مصير ومقر يرجعون إليه.

المثوى لم يستعمل كمقر في القرآن إلا لأهل جهنم (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين)  لم يجعل الله المثوى لأهل الجنة أبدًا

المأوى جعله الله لأهل الجنة ولأهل الجحيم تهكمًا بهم (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (39) النازعات) أي لو صلحت مأوى، تخيل أن مأواهم الجحيم ومأواهم جهنم أما (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (41) النازعات) تخيل أن الجنة مأوى لأهل الجنة جعلنا الله من أهلها. إذن المأوى استعمله الله لأهل جهنم تهكما بهم واستعمله الله تبارك وتعالى لأهل الجنة على سبيل الحقيقة.

ونحن نعلم أن نعيم الجنة أكبر بكثير مما ذكره الله في القرآن وعذاب أهل جهنم أكبر بكثير مما ذكره الله تعالى لكن الله يذكره بالصورة التي نستطيع أن نستوعبها ونفهمها لأن العقل البشري محدود لاستيعاب ومحدود التخيّل لأن الإنسان يخاطبه الله بما يعتبره نعيما في الدنيا فيذكره الله على أنه نعيم في الآخرة ولذلك لو قرأنا الآية (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) الفرقان) أصحاب الجنة سيكون لهم مقيل في الآخرة؟ هناك قيلولة في الآخرة؟ القيلولة تكون من التعب فقط، وقال الله تعالى (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) [الإنسان: 13] والناس تحتاج للقيلولة من الشمس الحارقة! فلم ذكر الله أنهم أحسن مقيلا؟ لأن الله تبارك وتعالى يعلم أن الإنسان في الدنيا من أفضل ما يتنعم به ويتلذذ به وقت القيلولة عندما تكون عنده استراحة جميلة فيها الهواء الجميل وفيها الهواء البارد وفيها الماء البارد والطعام فالله تبارك وتعالى يعلم أن الإنسان يتلذذ ويتنعم في هذا الوقت فذكر الله تبارك وتعالى أنه في الآخرة ستكون أحسن مقيلا، هذا دليل على أن رب العباد يذكر ما يدركه الإنسان نعيما في الدنيا على أنه سيكون نعيما في الآخرة.

(وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) أحسن نسميه أفعل التفضيل، أفعل التي هي للتفضيل معناها أن شيئين اشتركا في صفة واحدة وزاد أحدهما على الآخر. عندما أقول فلان أكرم من فلان، فلان أذكى من فلان، معنى ذلك أن الثاني هو الآخر كريم وذكي لكن الأول أشد كرما وأشد ذكاء. (وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) هل معنى ذلك أن أهل النار سيكون لهم مقيل في النار لكن بدرجة أقل من الأحسن؟! هل معنى هذا أن أهل النار لهم قيلولة لكن أقل حسنًا من قيلولة أهل الجنة؟! لا، هل كلمتكم عن معاني أفعل التفضيل قبل ذلك؟ أفعل التفضيل في القرآن الكريم ترد على ثلاثة معانٍ:

1.      الأول: للتفضيل (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 9] أقوم من كل شيء، هذه أفعل التفضيل مهما اخترعوا من طرق الهداية فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم.

2.      المعنى الثاني: أن تدل على مكانة شيء عندي على شيء آخر دون قصد المفاضلة، يعني أستعمل أفعل التفضيل قصدت بها مكانة شيء على شيء آخر دون أن أقصد مفاضلة بينهما. عندما نقول العسل أحلى من الخلّ. الخل ليس فيه حلاوة إذن أنا قصدت بيان مكانة العسل على مكانة الخل في بيتي ما قصدت مفاضلة بينهمما لأن المفاضلة بينهما لا تصلح أصلًا وإنما قصدت مكانة هذا على هذا ومنها قوله تعالى (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: 33] هل قصد يوسف عليه الصلام أن السجن أكثر حبًا عنده من الذي يدعونه إليه؟ لو قلنا ذلك يعني أنه يحب ما يدعونه إليه لكن في درجة أقل! نقول أبدأ ما قصد هذا، هو قصد بيان مكانة السجن يعني أن أكون في السجن أحب إلي في الموضع الذي يريدون فيه مني شيئا ما، مكاني في السجن أهم وأولى عندي من أن أكون في هذه المكانة، لا يعني أنه يحبه، ه لا يحب ما يدعونه إليه، هذا المعنى الثاني.

3.      والمعنى الثالث للتهكم وهو في قول الله تعالى (وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) إذا كان لهم مقيل في الأصل. التهكم أن أذكر عندك شيئا وهو ليس عندك أصلًا. أنا ما عندي سيارة وأنت تعلم ذلك فتقول سيارتي أحسن من سيارتك! إذن أنت تتهكم بي. وكما في قوله (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴿٤٩﴾ الدخان) هذه من أساليب التهكم.

(لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾) اللبث الاستقرار في المكان والذي لا يكاد ينفك منه، ماكث في المكان. وكلمة أحقاب جمع لكمة حُقب والحُقب عند أهل اللغة من ثمانين إلى مائة وعشرين سنة، فهل معنى ذلك أنهم سيمكثون في جهنم ميقاتا محددا ثم يخرجون؟ نعرف أنهم لا يخرجون. لكن كلمة (حقب) من الترادف والتتابع، الحقب المترادف والمتتابع ومنها كلمة حقيبة لأنها متتابعة مع من يجرّه أو يحملها ويقولون كل من حمل وزرًا فقد احتقب. (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾) حقبا متتابعة مترادفة متعددة متنوعة وهذا يتفق بآيات الله (  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) [النساء: 56] أشد أنواع العذاب العداب المعنوي، فمن العذاب المعنوي أن يؤملهم بالانتهاء ثم سرعان ما يدركون أنه لا ينتهي. لو قيل لسجين ستخرج غدًا سيعيش الليلة على أمل الخروج في الغد جاء الغد فقالوا له غدا إن شاء الله ويأتي الغد فيقولوا غدًا إن شاء الله، كلما انتهى حقب تجددت الأحقاب وقانا الله من شر هذه النار. (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾) أحقابًا متعددة لا تنتهي.

(لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾ جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾)

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل