دورة الاستعداد لرمضان - (إني ذاهب إلى ربي) - القيام للذهاب

وقفات من دورة الاستعداد لرمضان 1437هـ

 الشيخ محمد حسن يعقوب (بتصرف)

تفريغ وإعداد سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات

(إني ذاهب إلى ربي) – القيام للذهاب

نغترّ كثيرا بعباداتنا وأعمالنا ونظّن أننا بلغنا من الإيمان أعلى الدرجات وما ينبغي لنا أن نأمن على أنفسنا لأنها متغيرة وأعمالنا ذاتها تحتاج إلى أن ترتقي يوما بعد يوم ونحتاج إلى توبة مستمرة حتى وإن كنا عابدين طائعين، نحتاج إلى:

  • التوبة من الرضى بالعمل
  • التوبة من صلاتنا التي نسرح في معظمها
  • التوبة من الحجاب الذي نظن أنه الحجاب الذي أمر الله تعالى به
  • التوبة من الذكر الذي لا يجاوز الحناجر ولا تعقله القلوب
  • وغيرها كثير كثير..

يعلمنا نبينا إبراهيم عليه السلام (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ) [إبراهيم: 35] يعلمنا أن لا نطمئن مهما بلغنا في العبادة والعمل الصالح، إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو خليل الرحمن لم يأمن على نفسه وبنيه فدعا الله عز وجلّ أن يجنبه وبنيه أن يعبد الأصنام! وواحدنا يصلي لله الفرائض فقط ويعلم الله جلّ وعلا حالها وما تُقبل منها ومع هذا يظن العصمة لنفسه وأنه وصل في الإيمان ما وصل وينظر إلى غيره على أنهم هالكون خاسرون والله المستعان!

إبراهيم عليه السلام قال (إني مهاجر إلى ربي) وصفه الله عز وجلّ في سورة الصافات (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ﴿٨٣﴾ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٤﴾ الصافات) (جاء ربه) وفي هذا دلالة على أنه وصل في رحلته التي هاجر فيها إلى ربه. نحتاج إلى عزم وهمّة وقلب سليم في هجرتنا إلى الله عز وجلّ لعلنا نصل بقلب سليم إلى وجهتنا ومقصدنا (إلى ربي).

حدد وجهة الوصول وحدد مكان انطلاقك والطريق بينهما طريق واضح محدد قال صلى الله عليه وسلم: "لِلإِسْلامِ صُوًى وَمَنَارٌ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ" ترى آخر الطريق وأنت في أوله، طريق نهايته الجنة إن شاء الله، صراط الله المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. هذا الطريق عليه منارات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " لِلإِسْلامِ صُوًى وَمَنَارٌ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، مِنْهَا: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الْقَوْمِ إِذَا مَرَرْتَ بِهِمْ ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَقَدْ تَرَكَ سَهْمًا مِنَ الإِسْلامِ ، وَمَنْ نَبَذَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَدْ وَلَّى الإِسْلامَ ظَهْرَهُ "

ونحن للأسف كثير منا (وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) [المائدة: 13 و 14] وقال صلى الله عليه وسلم " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" إذن الطريق معلّمة عليها معالم واضحة يجدها السائر إلى الله بالصدق، بالسير حذوها يعرف السائر الاتجاه الصحيح فيتجه إليها أما من غابت عن أُفُقِهِ معلَمة أو ضلّ عنها ساهيًا أو غافلًا أو جاهلًا أو لاهيًا أو تنكّبها عمدًا وزاغ عنها فقد ولّى الإسلام ظهره. قال صلى الله عليه وسلم: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

النبي صلى الله عليه وسلم مثّل الإيمان بنهر جاري تصب فيه الروافد، وشعب الإيمان التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث كلها تصب في نهر الإيمان ويغذيه ويقويه. الشعب إذا انصبت في قلب المؤمن مياه الإيمان وتدفقت دبّت فيه الحياة (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 14] الشعب تصب في النهر والنهر يصب في القلب فيحيا فإذا استقى القلب من الحكم الجارية في هذه الأعمال وتتبع القلب مراد الله عز وجلّ من هذه الأعمال من الصلاة من تلاوة القرآن من الصيام من الصدق، إذا استقى القلب وتتبع مراد الرب والتزم مآخذها ومآتيها فقد تمّ إيمانه. ليس القصد العمل وإنما القصد ما يفعله العمل في القلب من تقوية الإيمان وتغذيته وهذا يعين في تحديد اتجاه هجرتك إلى الله عز وجلّ فلا بد لنا من قومة لله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ) [سبأ: 46] (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة:238] (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾ الملك) هذه البداية، قّم لله. لكن كيف يقوم مكبّل؟ كيف يسير مقيّد؟ كيف ينطلق مُقعد؟! كيف يصل من وقف أمام العقبات ويئس منها؟!

سهلٌ أن نقول: إني ذاهب إلى ربي، لكن هذا القول وهذه الهجرة تحتاج أولًا إلى قيام لتنطلق في هجرتك ورحلتك.. لا بد من اقتحام العقبة! (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿١١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿١٣﴾ البلد) ليس معناها اعتاق رقبة فقط وإنما يدخل في معناها فك رقبتك أنت أيها العبد من الأغلال والأصفاد التي قيدتها، أنت مقيّد بتعلق القلب بغير الله، تحب المال، تحب النساء، تحب الأكل، تحب النوم، تحب الشهرة والمناصب، كل هذه أغلال في عنقك ينبغي لك أن تفك قيودك، هواك قيد يعيق مسيرتك إلى الله، التجارة والصفقات، طلب رضى الناس قيود في عنقك، السكن والمشاغل والمشاكل والهموم كلها أغلال تحتاج أن تفكها قبل أن تنطلق في هجرتك إلى الله. ألقِ عنك الآصار والأغلال لتستطيع أن تقول: إني ذاهب إلى ربي.

http://www.yaqob.com/page.php?pID=151&n=4081&ref=1



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل