دورة الاستعداد لرمضان - (إني ذاهب إلى ربي) - الذهاب إلى الله

وقفات من دورة الاستعداد لرمضان 1437هـ

الشيخ محمد حسن يعقوب (بتصرف)

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

الذهاب إلى الله

كل رحلات السفر في الدنيا معلوم وقت انطلاقها ووقت وصولها إلا رحلة سفرنا في هذه الدنيا إلى ربنا عز وجل فتوقيت انطلاقها وتوقيت وصولها بيد الله تعالى وحده لا نملك فيه شيئا فلننشغل بحسن التزود فيها فهذا ما خُلقنا لأجله.

وهذه الرحلة ليس فيها محطات توقف ولا استراحات إنما هي رحلة مستمرة بلا توقف إلى أن تصل وجهتها النهائية، قد تنام أنت في الطريق، قد تغفل، قد تنشغل وتنسى أنك في رحلة لكن الرحلة مستمرة شئت أنت أم أبيت فهنيئا لمن كان مستيقظًا طوال الرحلة مدركًا واعيًا مترقبًا وصولها في أية لحظة! وتيقظك وترقبك طوال رحلة سفرك في الدنيا إلى الله عز وجلّ يعني دوام عملك وسعيك كما أمرك ربك الذي أنت متجه إليه والذي نبّأك سبحانه من بداية الرحلة (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴿٦﴾ الانشقاق) فإما لقاء المحبين (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: 103] (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت

وإما لقاء المحاربين (ألا لعنة الله على الظالمين)

(إنا لله وإنا إليه راجعون) (إنا لله) بدأت بها رحلتنا في هذه الدنيا و(إنا إليه راجعون) تختم بها هذه الرحلة وبينهما أنت راحل راحل، قد بيّن الله عز وجلّ لك الطريق (اهدنا الصراط المستقيم) (هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) الطريق معلوم وواضح المعالم وبيدك أنت أن توجه بوصلة حياتك إما لمعارج الدرجات أو مهاوي الدركات، إما إلى طريق العالم العلوي أو طريق العالم السفلي.

يتحول السفر من وحشة مظلمة إلى أنس عظيم بالله عندما تضبط بوصلة حياتك وتحدد اتجاه سيرك حتى تحقق (إني ذاهب إلى ربي) فاضبط اتجاه بوصلتك (إلى ربي) فكما تتحرى اتجاه القبلة في أي مكان تصلي فيه أنت تحتاج أن تحدد اتجاه وجهتك النهائية وتغذّ السير إليها غير ملتفت يمينًا ويسارًا ولا تغفل عن التركيز عن وجهتك طرفة عين حتى تقطع الرحلة وتصل النهاية بسلام. قال ابن القيم رحمه الله في كتابه (طريق الهجرتين): العبد من حين استقرت قدمه فى هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه،ومدة سفره هى عمره الذى كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان فى هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالى مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذى يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالماً غانماً، فإِذا قطعهاجعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمُطْل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد فى قطعها بخير ما بحضرته، -إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح- فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوى مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أَعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح الآخرة وانقشع ظلام الدنيا،فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أَحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه".

(إني ذاهب إلى ربي سيهدين) قالها إبراهيم الخليل عليه السلام فلنجعلها شعارنا كل يوم ولنهاجر إلى الله عز وجلّ مخلصين النيّة في هجرتنا صادقين في أقوالنا صادقين في أفعالنا عاقدين العزم على السير إليه سبحانه وتعالى لعلنا ندخل فيمن وعدهم سبحانه (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿١٠٠﴾ النساء)

 هجرتنا إلى الله تعالى هجرة من الذنوب والمعاصي وحظوظ النفس وشهواتها وأهوائها، هجرة من الفتن التي تحيط بنا من كل جانب، فتنة الدين وفتنة المال وفتنة العلم وفتن كثيرة كقطع الليل المظلم، قد آن لنا أن نهجرها جميعًا ونتوجه إلى الله جلّ وعلا تائبين مستغفرين منيبين إليه مستعينين به مستعيذين به من شرور أنفسنا ومن شر شياطين الإنس والجن متوكلين عليه مخلصين له مصطبرين على كل ما يعترضنا في طريقنا إليه مجاهدين أنفسنا عسى الله جلّ جلاله يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا ويتقبلنا من المهاجرين ومع المهاجرين (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)

http://www.yaqob.com/page.php?pID=151&n=4080&ref=1



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل