في رحاب سورة النور - 3 - الجزء الثاني - د. محمد صافي المستغانمي

في رحاب سورة - د. محمد صافي المستغانمي

قناة الشارقة – 1437 هـ - تقديم الإعلامي محمد خلف

في رحاب سورة النور - 3 - الجزء الثاني

 

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

المقدم: انتهينا من حادثة الإفك تقريباً أقول: لأننا كما أسلفنا سابقاً هناك خواتيم للمواضيع، وهذه الخواتيم نعرفها حينما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فكلما ينهي موضوعًا يقول الله سبحانه وتعالى بما يشبه هذه الآية: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيعني كأننا انتهينا من آية من الآيات.‏

د. المستغانمي هو صحيح انتهى الحديث المباشر، لكن ستأتي توابع خلال الآيات تعالج لها علاقة بالموضوع من بعيد وتعالج أشياء عميقة.

المقدم: والدليل على ذلك الآية التي تلتها مباشرة، حينما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ والفاحشة تخرج مما تحدثنا عنه سابقاً سواءً الزنا، أو رمي المحصنات، أو رمي الأزواج،أو الذين جاءوا بالإفك هذه كلها ممن يحب أن تشيع بين المسلمين، فهذه من ‏الفواحش التي الله سبحانه وتعالى يتحدث عنها في الآيات القادمات.

يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.‏

هنا ذكر وقال: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ بشكل واضح.

د. المستغانمي: في الدنيا والآخرة لأن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة وأن تنتشر وأن تذاع هي في الحقيقة: إن الذين يحبون أن تنتشر أو أن تشيع ‏أخبار الفاحشة، هنا نستطيع أن نقدر يعني: المعنى الذي قلته مقصود أيضاً يحبون أن ينتشر الزنا من الذي يحبون؟ المنافقون والمشركون إلى غير ذلك، وهذا وجه صحيح. لكن أيضاً نستطيع أن نحمل الكلام على إذاعة الأخبار وإشاعتها: إن الذين يحبون أن تنتشر وأن تشيع أخبار الفاحشة بغير علم هؤلاء لهم ‏عذاب أليم؛ لأنهم لم يستعملوا العقل وأذاعوه وأشاعوه بدون حق.‏

المقدم: أنا أشرت هنا بأن الله سبحانه وتعالى قال بشكل صريح: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ على اعتبار أننا تحدثنا في الحلقة الماضية وقلنا حينما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ قلنا: هذا العذاب الدنيوي وليس العذاب الأخروي. هنا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ هنا قال: (رؤوف رحيم) قبلها قال: ﴿وَلَوْلَا ‏فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ لماذا قال هناك: (تواب حكيم) وهنا قال: (رؤوف رحيم)؟

د. المستغانمي: صحيح هذا تحدث فيه العلماء السابقون أيضاً يعني ابن الزبير الغرناطي في ملاك التأويل أنا بحثت في القضية جميل جداً هو التناسق ‏بين التدليل كأن الآية كلها جاءت تدليلًا لما سبق، ففي البداية لما قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ أين أتت؟ أتت ‏بعد جريمة الزنا والعياذ بالله، وبعد كبيرة رمي المحصنات ورمي الأزواج ولولا فضل الله موجودٌ، ولولا فضل الله الذي شرع لكم كي ‏تدرأوا الحدود بالشبهات، وكي تطبقوا على الزناة هذه الحدود، ولولا أن الله تواب بمعنى:يقبل التوبة ممن تاب وحكيم في هذه التشريعات ‏لهلكتم، جواب (لولا) كله محذوف: لولا فضل الله تفضل منه وتشريع منه ورحمة منه جل جلاله ولولا أنه تواب شرع التوبة ‏لكل من يخطئ لأن الذي يخطئ في المجتمع الإسلامي لو أن الله لم يتب عليه سيزداد جرماً ويزداد انحرافاً، لكن فتح باب التوبة يجعل ‏المجتمع في أمان، هذه رحمة أم لا؟ ‏﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ كأنه يقول: وأنه فتح التوبة لحكمة منه جل جلاله لهلك المجتمع، أنا أعطيك تقديري أنا، غيري يقدر: لمسكم، لأهلككم ‏الله، للحق بكم التكالب، لك أن تقدر ما تشاء، أصلاً هو محذوف للتقدير.‏

الثانية بعد حادثة الإفك قال: ‏﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ رأفة بالأمة الخبر جلل، والأمر خطير جداً اتهام زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ‏لولا رأفة ورحمة من الله لأهلك جميع الذين تكلموا، هنا تدخلت رحمة الله، وتدخلت رأفة الله، وليس التوبة، التوبة رغب من يريد أن يتوب، ‏هنا لولا رحمة خاصة والرأفة: هي رحمة خاصة عوض أن يقول: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ولولا رأفة الله صاغ الرأفة في اسمه ‏العظيم الرؤوف، لولا الرأفة والرحمة لمسكم ما مسكم من خلال إفاضتكم في الحديث الإفك الذي ليس له أصل. والله أعلم.‏

المقدم: الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.أولاً: ما مناسبة هذه الآية بما قبلها؟ ثانياً: لماذا قال: (لا تتبعوا) الإنسان يتبع الخطوات التي يراها، أنا أتبع خطوات شخص يمشي أمامي، والأعرابي قال: الخطوة تدير على المسير، لكن الشيطان ليس له خطوات لا نرى خطواته فكيف نتبعها؟

د. المستغانمي: جوابًأ عن سؤالك الأول: ما المناسبة؟ المناسبة: كل ما سبق ما الذي جعلهم أقول بتعبيري الخاص يتمرغون في حمأة الإفك إلا الشيطان، (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) الذي يستعمل عقله المفكر المسلم النقي الطاهر لا ينبغي أن تنطلي مثل هذه الأفكار، فكل ما سبق سواءٌ الزنا، سواء رمي المحصنات، الإنسان يوسوس ‏للإنسان زوجتي اليوم خرجت دخلت ، الذين تحدثوا في الإفك كلهم وسوس لهم الشيطان، وإذا كنت تذكر في حلقة من حلقات ‏سورة المؤمنين تحدثنا بأنه دائماً لما يأتي كلمة الشيطان الوسوسة، أما إبليس فالسياق يتحدث عن الكِبر وعن الاستكبار وعن الكفر، ﴿وَقُلْ ‏رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ كأن الله يقول: لا تتبعوا خطوات الشيطان التي دلّاكم بها فيما سبق، وتحدثتم في الإفك أوقعكم دلاهما بغرور، لا تتبعوا الخطوات، طبعاً الشيطان لا يأتيك مباشرة افعل كذا، لا تصلي كذا، يأتيك بخطوات، فهنا جواباً عن سؤالك الثاني: الشيطان ‏لا نرى خطواته، لكن نتّبع الأفكار التي يبثّها، هنا في الحقيقة تشبيه محسوس بمعقول، الناس كل البشرية لها صورة للشيطان في أذهانها، ‏اذهب عند المسلمين عند اليهود عند النصارى عند المجوس للشيطان صورة مشوهة مخيفة يأمر بكل الشرور ونحن لم نره. هنا شبه الحالة المحسوسة بحالة معقولة معروفة ذهنيًا فقال: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ كأن الشيطان يمشي بخطوات وللأسف الذي يتبع ‏أمر الشيطان يتبع خطواته حذو القذة بالقذة حتى لو دخل جحر ضب لدخلتموه. فلا تتبع خطوات الشيطان ولا تتمادوا في اتباع الوساوس التي يزينها في قلوبكم. بعدها ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ ‏يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ النهاية: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ﴾ المفروض دائماً في أسلوب ‏الشرط: (إن تجتهد تنجح) أقصد من كلامي يتحدث عن نفس الموضوع: يعني الشرط مرتبط بالجواب في نفس الموضوع، هنا نقول: ‏‏(ومن يتبع خطوات الشيطان) يتكلم مع إنسان (فإنه يأمر) من الذي يأمر؟ الشيطان تجاوزًا في النحو نقول: (فإنه يأمر) جواب، لكن هو ليس ‏الجواب هو دليل الجواب: (ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يقع في الفحشاء لأن الشيطان يأمر بالفحشاء) هذا هو التحليل الصحيح للغة، لذلك هذا دليل الجواب: ومن يتبع خطوات الشيطان لا محالة يقع في الفحشاء والمنكر، لماذا؟ نقول: لأنه يأمر ‏بالفحشاء والمنكر.‏

المقدم: وردت متلازمة كثيرة هذه (الفحشاء والمنكر) في أكثر من آية ربما ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى ‏عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فما الفرق بينهما؟

د. المستغانمي: في القرآن كلمة (الفحشاء) تعني الزنا الدرجة الأولى، الفحشاء أو الفاحشة من نفس الجنس اللغوي يعنى ‏بها الزنا وما رادفه من أشياء ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. فالفاحشة: هي عمل قوم لوط – والعياذ بالله- الزنا أو اللواط أو السحاق أو ما شابه العمل في الفحشاء، لكن لغوياً (فحشاء) بمعنى شيء ازداد عن كل الحدود فحش بمعنى: فات أو تجاوز كل الحدود. أما المنكر: هو ما ينكره الشرع ما ينكره الذوق السليم، ما ينكره المجتمع العرف، هذا ‏المنكر، فهو يقرن بينهما كثيراً الشيطان يأمرك بأن تتجاوز كل الحدود فيما يخص العلاقة بين المرأة والرجل وفيما يخص الأعراف.‏

المقدم: كثيراً يذكر الله سبحانه وتعالى بفضله علينا –جل جلاله- أو بفضله على المؤمنين: أقصد في هذه الآيات: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ‏‏﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ كثير يذكر هذا الأمر؟

د. المستغانمي: آخر الآية ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ يذكرهم بهذه النعمة العظيمة نحن لا نعرف نعمة فضل الله علينا حتى نبتلى لا نعرف نعمة الصحة.‏

المقدم: ما المقصود: (ما زكا)؟

د. المستغانمي: ما طهر، يعني ما طهرت نفسية أي واحد فيكم لولا فضل الله عليكم بهذا التشريع العظيم ما زكا، ما طهر. انظر إلى كلمة التزكية ‏بمعنى: الطهارة.‏

المقدم: القصد: لماذا ذكر الزكاة هنا أو الطهارة هنا وربطها بالفحشاء والمنكر؟

د. المستغانمي: تزكية النفس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وقد خاب من رماها في وحلة من أوحال الشرك وأوحال الكفر. زكى نفسه تزكية طهرها من كل الأدران من الشرك ومن النفاق، ومن الفواحش هذه التزكية الحقيقية. وتأتي التزكية بمعنى: الافتخار: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ هنا قال: لولا فضل الله عليكم بهذه التشريعات العظيمة وبهذه الآداب ما زكى منكم من ‏أحدٍ أبداً، أي: ما زكى من أحد تستغرق كل جنس البشرية.‏

المقدم: لكن سؤالي كان: أنت ذكرت بأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ ‏ذكر تواب رحيم لمناسبتها لما ذكر قبلها، وذكرت:  ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لمناسبتها لما قبلها، هنا لماذا ‏ذكر: (ما زكا منكم من أحدٍ) لماذا تفضل الله علينا بالتزكية؟

د. المستغانمي: لأن المجتمعات دائماً تتمرغ في أوحال الفواحش والمنكرات لا يخلو إنسان من نظرٍ من كذا فالتزكية هذه توفيق من الله سبحانه ‏وتعالى عن طريق التشريع، يعني لولا فضل الله عليكم كان ذاعت الكلمات السيئة والأفعال السيئة والشنيعة، ما الذي يمنع المجتمع ‏المسلم؟ عندما الله يزكيه بفضله بشرعه بالآداب التي سنّها الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وسلم. نقف عند الأيقونة اللفظية (زكا) التي تسأل عنها: (ما زكى منكم) أي: ما طهر نفسياً وما طهر اجتماعياً.‏

المقدم: قال: (ما زكَى) ولم يقل: (ما زكَّى)؟

د. المستغانمي: في قراءة: (ما زكَّى منكم من أحدٍ) ما زكَّى هو الله، فإذا قلنا: (ما زكى منكم من أحد) صارت (من أحد) فاعل مجرور لفظاً مرفوع محلاً كأنه يقول: ما زكى أحدٌ. لو قرأناها: (ما زكَّى منكم أحداً) صارت مفعول به  إذاً قراءتان متكاملتان. المادة اللغوية التزكية بعد قليل يقول: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى أن يقول: ﴿قُلْ ‏لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ في الآيات التي سنصل إليها: غض البصر يؤدي إلى زكاة النفس، ﴿أَزْكَى ‏لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ذلك أزكى أيضاً، إذاً مراعاة لفظية رائعة في التناسق.‏

المقدم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.‏

د. المستغانمي: ما معنى (أزكى لهم)؟ أطهر، لماذا لم يقل: (أطهر)؟ لأنه قبل قال: (ما زكى منكم من أحد) ثمة تناسق في استعمال الكلمات.

المقدم: حتى قال: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾؟

د. المستغانمي: هذا يخرج من مشكاة واحدة: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أطهر أفضل أخير جميل، لكن القرآن يخرج من مشكاة لغوية عظيمة يا سبحان الله!‏

المقدم: لماذا ختم الآية بالسمع والعلم وقال: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؟

د. المستغانمي: هذا للتذييل تذييل جميل انظر الآية فيها لفتات بلاغية كثيرة. أولاً: (والله سميعٌ عليم) تذييل هذا التذييل فيه وعدٌ ووعيد، وعدٌ بمعنى: خير، ووعيد فيه تشديد، من سمع خبراً مثل الإفك وانطلى عليه الله سميع عليم جل جلاله وعليم بما صنع، بردّة فعله، إذاً الله سميع عليم من باب الوعيد. من سمع مثل هذا الإفك المفترى نقول: لا، لا ينبغي هذا الكلام ولا ينبغي أن يقال في امرأة، وظنّ بالمؤمنين خيراً فله أجرٌ عظيم، والله سميع ‏عليم، سميع عليم تذييل يتناسب مع النفوس السابقة كانت في جانب الخير أو في جانب الشر، فنقول: هو تذييل يفيد الوعد والوعيد.‏

المقدم: كما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ هم يسجلوا ما تقوله من خير أو من شر، فلم يقل خيراً أو شر، قال: ما يلفظ من قولٍ.‏

د. المستغانمي: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ لماذا هذا التكرير؟ القياس اللغوي في ‏غير القرآن؟ لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبعها، أو ومن يتبع خطواته، هو لا، أظهر كلمتين وأعاد ذكر الكلمتين لزيادة ‏التنفير من جميع الخطوات.‏

المقدم: هنا الفعل جاء بالتضعيف: (لا تتبعوا) (ومن يتبع).‏

د. المستغانمي: لأنك تتكلف لم يقل: (لا تتبعوا) فيه تكلف (تتّبعوا) غير (تتبعوا) فيه تشديد على النفس أنت لا تستطيع الإنسان الزاني لا يستطيع ‏إلا إذا تكلف أشياء وأشياء، وهو الذي قاد نفسه إلى اتباع خطوات الشيطان وبحرص منه.‏

المقدم: يعني حينما يخرج هذا الذي يقصد الزنا والعياذ بالله فهو قد بيّت النية وخرج قاصداً الزنا وربما يكون قد تكلف أو دفع مالاً، وربما ‏سافر لغرض هذا الأمر، وربما، فهو يتبع.

د. المستغانمي: يتبع ويتكلف ويعلم ما يفعل، لذلك: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ما قال ومن يتبعه، لا، (ومن يتبع خطوات الشيطان) زيادة الإظهار بدل الإضمار لمزيد التشنيع من هذه الفعلة والتنفير منها، فأنت لا تتبع ملكاً إنما تتبع خطوات الشيطان.‏

المقدم: سوف نأتي للآيات التي تليها نحن توقفنا عند الآية الحادية والعشرين: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ثم ‏يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ وهذه قلنا: نزلت في أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وعن الصحابة أجمعين‏

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل