دروس تربوية من القرآن الكريم - (وصدّقت بكلمات ربها وكتبه) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

الحلقة العاشرة: (وصدّقت بكلمات ربها وكتبه)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الأم عندما تتوفر فيها الصفات الضرورية للمرأة المسلمة فإن لها الأثر البالغ على أبنائها في المستقبل وهذا ما ذكرناه سابقًا ونكمل المقومات التي لا بد أن تتوفر في الأم المسلمة وقد كان آخر ما ذكرنا أن الأم ينبغي أن تكون امرأة عفيفة حريصة جدا على عفتها وأن تكون متشبهة بمريم بنت عمران عليها السلام التي كان الوصف الأول لها في القرآن الكريم أنها أحصنت فرجها (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿٩١﴾ الأنبياء) كما ذكر في سورة الأنبياء وهذا لا شك له الأثر التربوي في صلاحها وفي عطائها وبنائها لأجيالها لأنها إذا كانت هي امرأة عفيفة محصنة لفرجها فإنها ستنقل هذا المبدأ العظيم لبناتها وتربي أولادها جميعًا على العفة والحياء والحشمة.

من المقومات الضرورية التي ينبغي أن تتوفر في الأم المربية: الإيمان الراسخ واليقين الجازم بحقائق الإيمان وهذا ما ذكره الله عز وجلّ في أوصاف مريم أم مريم عليها السلام وعلى انبها الصلاة والسلام حيث قال عز وجلّ (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴿١٢﴾ التحريم). الإيمان والتصديق بما يجب الإيمان به والتصديق به أصل عظيم لا بد أن يتصف به كل مربٍّ على وجه العموم وخاصة الأم لأنها هي المربية الأولى. الإيمان الراسخ وقد وصف الله عز وجلّ الكمّل من عباده وأوليائه أنهم أهل إيمان راسخ كما قال الله عز وجلّ (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾ البقرة) فمريم من صفاتها المكملة لها التي جُعل هذا الوصف من أسباب الثناء عليها أنها مصدّقة تصديقا جازما بكلمات ربها التي إما أن تكون هذه الكلمات ما أوحي إلى ابنها عيسى عليه السلام التوراة أو ما سبق من الكتب المهم أنها مؤمنة مصدقة بكلمات ربها التي تكلم بها جلّ وعلا وكتبه التي أنزلها وهذا جزء من أجزاء الإيمان بالله.

يمكن أن يستفاد من هذا أن الإيمان الراسخ والتربية الإيمانية وغرس العقائد في القلوب مقوّم مهم جدًا لا بد أن يتصف به كل مربٍّ من المربين فنحن نحتاج  إلى غرس الحقائق في قلوبنا ثم إنا إذا آمنا بالله وبكلماته وبكتبه آمنا بما فيها وصدقنا بما فيها لأن هذه الكتب أنزل الله عز وجلّ فيها النور والبرهان وأنزل فيها الهدى والبينات فكلما كان الإيمان بالكتب راسخًا والإيمان بكلمات الله متحققًا فإننا ولا شك سنعتقد بما فيها وننتفع بما ورد فيها فيكون لهذا الأثر البالغ علينا في ذواتنا وفي أنفسنا ثم في تربيتنا. 

من آثار الإيمان بالله وكتبه أن نستمد القيم والمبادئ من هذه الكلمات ومن هذه الكتب لنقتنع بها في أنفسنا ولنغرسها في الأجيال التي نربيها وهذا من أهم ركائز التربية ولا نزال نعيد ونكرر أن التربية غرس قيم. من أين نستمد القيم؟ ما هي هذه القيم التي نأخذها لنغرسها نحن في أنفسنا ثم نغرسها في قلوب أبنائنا؟ لا بد وأن تكون مستمدة من الوحي، مستمدة من كلمات الله، مستمدة من كتب الله وخاصة نحن كمؤمنين كمسلمين مستمدة من كتاب ربنا جلّ وعلا. إذن على المرأة المسلمة الأم المربية أن تؤمن بكلام الله الذي أنزله، بكتاب الله الذي جاء به وأنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا بد أن نؤمن إيمانًا يقينيًا بهذا الكتاب فنؤمن بأن كل ما فيه صدق وعدل وأن أحكامه عدل (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الأنعام: 115]. هذا هو أساس التربية كلما كان إيماننا بالله أعظم وتلقينا منه أكثر كان صلاحنا أفضل وأعظم وتربيتنا أقوم وأهدى سبيلا وهذا ما تميز به الرعيل الأول، لو نظرنا إلى الرعيل الأول الذي رُبي على يديّ النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن من أهم مقومات هذا المجتمع الصالح الذي بلغ الذروة في الكمال الإنساني من أسباب صلاحه أنه كان يتلقى قيمه  ومبادئه من الوحي من السماء هكذا صنع الله نبيه صلى الله عليه وسلم وربّاه وهكذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، منهج التلقي، مصدر التلقي الوحي (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿٢﴾ الأحزاب)

أيتها الأمهات المربيات إذا أردتن أن يكون لكن أثر كبير في التربية وفي نجاح هذه العملية فلا بد أن يكون عندكن قيم تستمد من القرآن والسنة. ومن العجب ومن الغريب أن تنتظر من أم جاهلة بكتاب الله غير عارفة بما فيه أن تربي، هذا شيء عجيب ولا يمكن أن تنجح أم في التربية إلا إذا كانت وثيقة الصلة بكتاب الله قوية الإيمان بما فيه. وهذا يدفعنا إلى الحرص على تعليم الأمهات القرآن تعليما كاملا، تعليما لا كما يقال تحفيظا ففرق بين التحفيظ والحفظ والتعليم وقد جاء الوصف عن النبي صلى الله عليه وسلم عن تعلم القرآن بالتعليم "خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه" وتعليم القرآن وتعلمه يشمل تعلم ألفاظه وتعلم معانيه وتدبر آياته والاستنباط منه ثم تطبيقه بعد ذلك لأن هذا هو حقيقة التلاوة لكتاب الله تعالى. فمريم عليها السلام التي هي أم ومثال رائع للأمهات بل من الكاملات من النساء كان من أوصافها أنها صدقت بكلمات الله وكتبه وهذا التصديق مبني على علم مبني على تلقٍ حقيقي لا يمكن أن يتطرق إليه الشك بوجه من الوجوه لأن المؤمن بالشيء يتلقى منه ويصدق ما فيه ويعمل بمقتضاه وهذا تمام الإيمان لا يمكن للمرأة أن تكون مؤمنة إيمانًا حقيقيا وهي لا تعمل بمقتضاه ولا تعرف الحقائق التي تشمل عليها. وما أذكره في الحلقات مستمد من القرآن فعلى قدر ارتباط الأم بالقرآن وقربها منه وفهمها لحقائقه وتدبرها لآياته يكون نجاحها في التربية. فعلى الأمهات المربيات الصالحات المربيات أن يرتبطن بمصدر التربية الأول وهو القرآن الكريم إيمانًا به وتصديقا بما فيه وحسن تلقي لما جاء فيه حتى يكون عندها ثروة كبيرة جدا من القيم والمبادئ والتوجيهات الربانية التي تنقلها شيئا فشيئا فتربي عليها أبناءها وتعلمهم هدي القرآن وما اشتمل عليه القرآن وحقائق القرآن تغرسها شيئا فشيئا حتى تصل إلى يقينيات وحقائق لا تتزعزع لا يمكن أن يشك بها الابن الذي تربى على القرآن الكريم فما أعظم الأم المربية التي ارتبطت بكلمات ربها وصدقت بكلمات ربها وكتابه فآمنت بهذا الكتاب إيمانا حقيقيا جعلها تقرأه ترتله تفهمه تتدبر آياته تعمل بما فيه ثم تنقل هذا الذي تلقته جميعا كله إلى أبنائها وإلى أجيالها التي تربيهم بالقرآن فذكر بالقرآن من يخاف وعيد. نسأل الله جلّ وعلا أن يوفق نساء المسلمين للارتباط بكتاب ربهم والتمسك به وتدبر آياته إنه على كل شيء قدير والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 رابط الحلقة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل