دروس تربوية من القرآن الكريم - (التي أحصنت فرجها) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ الأخت الفاضلة رحاب محمد – موقع إسلاميات

الحلقة التاسعة: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ‏وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) التحريم)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد،

لا يزال الحديث موصولًا في معالم قرآنية في تربية بُناة الأجيال وكنا قد تكلمنا في عدة حلقات عن المربية الأولى وهي الأم وتبين لنا العديد من المعالم المهمة جداً في بناء هذه المربية التي يمكن أن تعتبر قاعدة الإنطلاق في التربية كما بينا سابقاً وأيضاً دلالة لفظ الأم يدل على أن الأم هي الأصل لأن من معاني الأم في اللغة "الأصل" فأم الشيء أصله الذي يرجع إليه.‏

وذكرنا معالم متعددة من خلال ما ذكره الله في سورة القصص عن أم موسى عليه السلام عندما أوحى الله إليها في قوله (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ‏الْمُرْسَلِينَ (7) القصص). وفي هذا اللقاء سنتكلم عن معلَم آخر يتعلق بأم أخرى من الأمهات اللآتي ذُكِرن في القرآن الكريم هذه الأم أيضاً هي أم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل هو من أولي العزم من الرسل وهو النبي عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام.‏

عيسى بن مريم نبي من أولي العزم من الرسل وقد ذكره الله عز وجل في القرآن وهو من الأنبياء والرسل الكبار لا يعرف في القرآن الكريم ولا عند الناس إلا بهذا الاسم (عيسى بن مريم) فنسب إلى أمه لأنه كما تعلمون لا أب له وإنما خلقه الله عز وجل بنفخة نفخها من روحه في مريم أمه عليها السلام فحملت به كما في القصة المعروفة المشهورة في القرآن الكريم.‏

ماذا يمكن ان نستفيد مما ورد في القرآن الكريم من معالم قرآنية تتعلق بصناعة الأم المربية؟ عندما نتكلم عن مريم عليها السلام وهي أم عيسى وهي من الكُمَّل من النساء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كَمُل من الرجال كثير لكنه لم يكمُل من النساء إلا أربعة ومنهن مريم ابنة عمران، هذه الأمر ذكرت في القرآن القرآن الكريم في سورة آل عمران وفي سورة مريم وسميت هذه السورة باسمها كذلك ذكرت في مواضع في سورة الأنبياء وفي سورة التحريم. ‏

لما نتأمل الآيات التي وردت في شان هذه الأم سنجد معالم مهمة ولكننا سنختصرها في معالم اختصرت في آية واحدة وهي ما ذكر الله تعالى في سورة التحريم في قوله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١١﴾ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ‏وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) التحريم) هذه الآية جمعت الخصال الرئيسية في هذه المرأة الصالحة حيث ذكر الله عز وجل لها ثلاث صفات قال (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ ‏رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) التحريم) صفات ثلاث ‏

الصفة الأولى من صفات مريم عليها السلام هي انها أحصنت فرجها وهذا الوصف المهم الذي له شأن كبير في التربية وصلاح الأم لعلنا إذا تأملنا هذه الآية والآيات الأخرى سواء التي في سورة الأنبياء أو في غيرها نجد أن هذا الوصف وصف مقدّم قدّم على غيرها رغم ان الإيمان بالله والتصديق بكتبه وبرسله والقنوت وهو دوام الطاعة من الأوصاف المهمة جداً بل قد تكون قبل هذا الوصف ولكن هذا الوصف قُدِّم لخطورته ولأهميته في ما يتعلق بالمرأة. فماذا يمكن أن نقول في باب التربية وفي باب تربية القرآن لبُناة الأجيال في بناء الأم؟ نقول إن من أهم ما ينبغي على الأم أن تهتم به وأن تحرص عليه كامرأة مربية لها أثر في صناعة الرجال وبناء الأجيال هو أن تكون بالغة الحرص على عفّتها محصِنة لفرجها حافظة لنفسها، هذا الوصف العظيم وصف أساسي في المربية الصالحة التي ينتظر منها أن تخرّج لنا أجيالًا صالحة نافعة بإذن الله تعالى لأن هذا الوصف باختصار يعني أن المرأة قد اتصفت بوصف عظيم للمرأة الصالحة وهو العفّة، الحشمة، الحياء، وهذا له اثر كبير في صلاح المرأة في نفسها وفي إصلاحها لغيرها لأن المرأة إذا كانت صالحة في هذا الباب قد حفظت نفسها وأحصنت فرجها فإنها أولا لها مكانة كبيرة عند الله جل وعلا وقد جاء في الحديث الصحيح (أن المرأة إذا صلت ‏خمسها وصامت شهرها وأحصنت فرجها وأطاعت زوجها استحقت دخول الجنة كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه ‏وسلم. ‏

قد يقول قائل ما علاقة هذا بالتربية؟ التربية كما سبق أن ذكرنا أن التربية أصلًا هي عبارة عن مربي ومتربي ومنهج قيم تغرس في هذا المتربي والذي يغرسها هو المربي فإذا كانت هذه المرأة المربية غير صالحة في نفسها غيرة قدوة فإنها لن تكون صالحة لتربية الآخرين وفاقد الشيء كما يقولون لا يعطيه. الأمر ألاخر أن عدم إحصان الفرج -طبعاً إحصان الفرج حفظه- ولن تحفظ المرأة فرجها إلا إذا حفظت جوارحها لذلك حفظ الجوارح سور يحمي عفّة المرأة فإذا حفظت المرأة ‏جوارحها فإنها ستحصن فرجها وتحفظ عفتها. لو قرأنا سورة النور مثلًا لوجدنا التشريع العظيم والتشديد الكبير في القرآن العظيم على من خالف هذا الوصف من الزناة والزواني فقد ذكر الله عز وجل في سورة النور التي هي سورة العفة والعفاف وحفظ الفضيلة ما للزاني والزانية من العقوبة بل إنه بدأ بالزانية وهي المرأة فقال (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ‏مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) النور) وفي القرآن المنسوخ أن الزانية والزاني المحصنين يرجمان يعني لا بد أن يتخلص المجتمع المسلم من هذين العضوين الفاسدين فيه وهما الزناة والزواني لماذا؟ لأن هذا له أثر كبير جدًا على الأمة المسلمة لأن معنى عدم إحصان الفرج أن هناك أبناء غير شرعيين، أبناء لقطاء يكثرون في المجتمع فإذا كثر هؤلاء في المجتمع فإن المجتمع يفسد. وهؤلاء بالمناسبة من أصعب الناس ومن أحرج الناس في التربية لأن من أعظم مقومات التربية وجود البيئة الملائمة المناسبة التي ينشأ فيها الطفل فإذا لم تكن المرأة حافظة لفرجها حريصة على عفتها فقد يترتب على ذلك وجود هؤلاء في المجتمع وأنّى لمجتمع يكثر فيه هؤلاء أن يكون صالحاً مصلحاً نافعاً كاملاً يقوم برسالة الله ومنهج الله؟! وهذا والعياذ بالله يكثر في المجتمعات غير المحافظة المجتمعات غير العفيفة يكثر الزنا والعياذ بالله ومن أسباب الوقوع في الزنا عدم حفظ المرأة لفرجها وعدم صيانتها لنفسها فيفسد المجتمع والعياذ بالله! ولذلك كان من أعظم ما دعا إليه الشيطان وحرص عليه إبليس هو أن يدعو النساء وبني آدم عموماً إلى كشف العورات لأن كشف العورات يؤدي إلى فساد الأعراض وفساد المجتمعات.‏

فعلى المرأة الصالحة العفيفة الأم الموفّقة أن تحرص أشد الحرص على حفظ نفسها وتتذكر ما وصف الله عز وجل به مريم أم عيسى التي أُثني عليها في القرآن من أنها أحصنت فرجها وحفظت نفسها وهذا له أثر بالغ في صلاحها في نفسها وفي صلاح أبنائها. ‏

أسأل الله تعالى أن يحفظ نساء المسلمين وأن يمنّ عليهن بالعفة والحشمة وأن يجعلهن صالحات مصلحات وصلى الله على نبينا محمد.

رابط الحلقة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل