روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الخامسة - الدرس الخامس - د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

 

منصة زادي - تفريغ وتنقيح مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة

الوحدة الخامسة: الخاتمة وتشمل على معظم ما احتوته وبعض الأحكام

الدرس الخامس: فوائد ولطائف من السورة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

سنتحدث عن لطائف وفوائد سورة الفاتحة، ومن أهم تلك الفوائد واللطائف: اشتمال السورة على مراتب الدين كله، فهذا الدين مراتبه ثلاث:

·         المرتبة الأولى مرتبة الإسلام،

·         والمرتبة الثانية مرتبة الإيمان،

·         والمرتبة الثالثة مرتبة الإحسان.

وكل واحدة من هذه المراتب اشتملت عليها الفاتحة إجمالًا وتفصيلًا، فذُكرت إجمالًا في البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وذكرنا سابقًا أن لفظ الجلالة (الله) يرمز للإسلام الذي هو الخوف المحض و(الرحمن) يرمز للإيمان الذي فيه الخوف والرجاء و(الرحيم) يرمز للإحسان الذي فيه الرجاء المحض وذلك باستشعار معية الله عز وجل مع المحسنين.

أما التفصيل - تفصيل أركان الإسلام الخمسة الصلاة والزكاة والصوم والحج بعد الشهادة، فأولها الشهادة هذه الأركان الخمسة اشتملت عليها فاتحة الكتاب من خلال الأسماء الحسنى الخمسة.

1.      فأول اسم (الحمد لله) هذا الاسم يرمز لكلمة التوحيد (أشهد أن لا إله إلا الله) ولذلك لا يقبل في كلمة التوحيد غير لفظ الجلالة (قل لاإله إلا الله) لو جاء واحد يريد أن يدخل الإسلام قلنا له قل (لا إله إلا الله) فقال (لا رب إلا الله) أو قال (لا رحمان إلا الرحمن) أو (لا غافر إلا الغافر) أو قال (لا كريم إلا الكريم) فإن جميع تلك الألفاظ لا تُدخل في الإسلام حتى ينطق بنفي الألوهية وإثباتها لله (لاإله إلا الله) أما لو قال لا رب إلا الرب أو لا كريم إلا الكريم أو لا رحيم إلا الرحيم أو إلى غير ذلك من أسماء الله فلا يقبل ذلك منه. فدلت كلمة الجلالة على كلمة التوحيد وهي الركن الأول من أركان الإسلام.

2.      أما الركن الثاني فهو الصلاة ودلّ عليها الاسم الثاني من الأسماء الخمسة وهو (الرب) فالصلاة مرتبطة بلفظ الرب ولذلك تجد إبراهيم عليه السلام عندما يذكر دعاءه يذكر لفظ الرب، وأكثر الأدعية التي ذكرت في القرآن ذُكرت مصدّرة بلفظ الرب لما في هذا اللفظ من المنافع ولما في الصلاة من المنافع (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) (إبراهيم: 37) فجعل الله الصلاة منفعة وجعلها استعانة يُستعان بها على تحصيل المنافع التي هي كلها من باب الربوبية، قال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)(البقرة: 45) ولذلك لفظ الرب مناسب للصلاة لأن الصلاة فيها منافع كثيرة (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ) (طه:132) فالرزق من آثار الربوبية وأيضا الصلاة من أسبابه إلى غير ذلك.

3.      أما الركن الثالث من أركان الإسلام فهو الزكاة، والزكاة يناسبها لفظ (الرحمن) لأن الزكاة مبنية على الرحمة فهي رحمة بالفقير ورحمة بالمسكين ورحمة بأصحاب مصرفيها وهي مشتقة من هذا الباب، فكان هذا اللفظ يناسبها ويدل عليها.

4.      أما الركن الرابع فهو الصوم ويناسبه لفظ (الرحيم) لأن الصوم أطول عبادة والرحيم يدل على الديمومة والاستمرار ولذلك صيام شهر رمضان شهر كامل من العبادة ولا يمكن يوجد شهر كامل يعبد الله فيه ليلًا ونهارًا عبادة أطول من الصيام، ولو كان الحج أشهر ورمضان شهر إلا أن الحج في حقيقته ما هو إلا يوم "الحج عرفة" وما بعد ذلك كله من الكمال لكن رمضان ثلاثين يومًا (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: 185) فكان (الرحيم) يناسب الصيام ولأن الصيام فيه أيضا رحمة بالفقراء المساكين ولأنه يعتني بهم وينفق الناس فيه من الإطعام وغير ذلك أكثر مما ينفق في غيره، ويقرأ فيه من القرآن أكثر مما يقرأ في غيره، ويرحمه الله فيه أكثر مما يرحمه في غيره فناسب شهر رمضان وناسب الصيام لفظة (الرحيم).

5.      وبالنسبة للحج، فناسبه لفظ (مالك يوم الدين وملك يوم الدين) للمناسبة ما بين يوم الدين وبين الحج ولذلك جعل الله سورة كاملة أطلق عليها اسم سورة الحج وافتتحها بالحديث عن القيامة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) الحج) فبيّن أن هذه السورة عنوانها (الحج) وافتتحت بالحديث عن القيامة. وأيضا آيات الحج في البقرة اختتمت عن القيامة، قال تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) البقرة).

فكانت أركان الإسلام مأخوذة ومستنبطة من هذه الأسماء الخمسة.

وأما أركان الإيمان الستة فهي أيضًا مستنبطة من الفاتحة، وأركان الإيمان الستة هي "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الأخر وبالقدر خيره وشره" ودلّت على هذه الستة فاتحة الكتاب.

1.      أما الإيمان بالله ففي البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) وفي الفاتحة (الحمد لله رب العالمين) وواضح بيان الإيمان بالله.

2.      أما الإيمان بملائكة الله فيدخل في قوله تعالى (رب العالمين) لأن الملائكة داخلة في العالمين والذين ربهم الله عز وجل. ويدخل الإيمان بالملائكة في (الرحمن الرحيم) لأن الملائكة أيضا أثر من رحمة الله عز وجل بعباده والملائكة رسل أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، خلقهم الله عز وجل وجعلهم عبادًا مكرمين وهذا من رحمته بهم ومن رحمته أيضًا بالخلق.

3.      الإيمان بالكتب يدخل في باب الرحمن لأن العلم كله أثر من أثر رحمة الرحمن (الرحمن * علم القرآن) فدلّ على أن الكتب المنزلة داخلة في (الرحمن الرحيم) معا وداخلة في (إياك نعبد) لأنه لا بد من معرفة الكتب التي يعبد الله عز وجل بمقتضاها.

4.      والرسل يدخلون في قوله تعالى (الرحمن الرحيم) ويدخلون في قوله تعالى (مالك يوم الدين) الذي هو الجزاء، والدين لا يكون إلا بعد عمل والعمل لا بد من الرسل حتى تبينه، كذلك (إياك نعبد وإياك نستعين) يدخل فيها الكتب والرسل على حد سواء.

5.      اليوم الآخر (مالك يوم الدين)

6.      والقدر في قوله تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) فكل هذا داخل في القدر فالله الذي هدى والله الذي أضل من يشاء والله الذي يغضب على من شاء ويرضى عمن شاء، وكل ذلك بقضائه وقدره.

هذه أركان الإيمان الستة وهذه مواطن استنباطها من الفاتحة.

أما الإحسان (الركن الثالث) فإنه مستنبط من آية واحدة وهي قول (إياك نعبد وإياك نستعين) فإياك نعبد (أن تعبد الله كأنك تراه) وإياك نستعين (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) لأنك تستعين به سبحانه وتعالى على أن يوصلك إلى مقام المشاهدة.

أما اللطيفة الأخرى، فهذه السورة أيضًا مشتملة على الشفاءين الشفاء القلبي والشفاء البدني، فيها شفاء للقلوب وهو ما فيها من الأمراض فهي نور "أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" وأيضًا مشتملة على شفاء البدن فإن المريض إذا قرأها بنيّة الشفاء شُفي كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له "وما أدراك أنها رقية"

أيضا اشتملت على الرد على جميع المخالفين والطوائف والمِلل والنِحل لأن الله عز وجل جعل كل صراط غير صراط المنعَم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا هو صراط ضلالة أو صراط غواية، نسأل الله السلامة والعافية.

من لزم هذه السورة فإنه يجد فيها مسألة ولطيفة أسماء الله سبحانه وتعالى في باب الدعاء لأن هذه أمهات الأسماء الخمسة التي يرجع إليها أهل الدعاء في دعائهم فالحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين هذه من أعظم أسماء الله، وقد تكلم عنها ابن القيم كلامًا جميلًا يُرجع إليه في موطنه.

أسأل الله بأسمائه وصفاته وكلماته أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى وأن يفتح علينا وعليكم فتح العارفين به.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل