روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الخامسة - الدرس الرابع - د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

 

منصة زادي - تفريغ وتنقيح مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة

الوحدة الخامسة: الخاتمة وتشمل على معظم ما احتوته وبعض الأحكام

الدرس الرابع: الأحكام الفقهية المستفادة من السورة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

هذه السورة سورة الفاتحة فيها كثير من الأحكام الفقهية المتعلقة بها. من تلك الأحكام (البسملة) وهل هي آية من الفاتحة؟ أو ليست آية من الفاتحة؟ وما حكم قراءتها في الصلاة؟ وما حكم تركها؟

·         الحنفية يقولون إن البسملة آية من الفاتحة ولا يجيزون تركها.

·         الشافعية أيضًا يقولون إنها آية من الفاتحة لكن يجوز الإسرار بها وعدم الجهر بها.

·         المالكية يقولون إنها ليست آية من الفاتحة وإنما هي من باب (اقرأ باسم ربك) من باب الاستجابة لأمر الله عز وجل وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ (باسمك اللهم) ثم يقرأ بعدها فلما نزل (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) كان يقول (بسم الله الرحمن) فلما نزل (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) أكملها فكان يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)"

الذين قالوا بأنها آية استدلوا بأحاديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين) وأن أبا بكر الصديق اقتتح فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم .* الحمد لله رب العالمين) وأن عمر كذلك وعثمان كذلك وعلي كذلك إلى غير ذلك.

المسألة خلافية ولكن أجمع الفقهاء على أن من قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) جهر بها أو أسر بها مع الفاتحة فصلاته صحيحة، وأن من لم يقرأها صلاته أيضا صحيحة إلا بعض الحنفية فإنهم يرون أنه لا بد من قراءتها، والشافعية خرجوا مخرجًا جميلًا في هذا الباب فقالوا (تُقرأ سرًّا) فإن كانت من الفاتحة فقد قرأت سرًا والجهر بها ليس بالضرورة وإن لم تكن من الفاتحة فقد قرأت سرًا ولم يجهر بها حتى لا يحسب بأنها من الفاتحة.

أما أدلة القائلين بأنها ليست من الفاتحة فهي أقوى من أدلة القائلين إنها من الفاتحة. فالذين قالوا إنها من الفاتحة استدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنهم. وأما الذين قالوا إنها ليست من الفاتحة فاستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ربه أنه قال: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين" هذه الرواية لم يذكر فيها البسملة وإنما افتتح في التقسم بقوله "الحمد لله رب العالمين" قالوا لو كانت البسملة آية من الفاتحة لدخلت في التقسيم ولم تدخل في التقسيم فدلت على أنها ليست من الفاتحة. وهذا وجيه جدًا لأن سورة الفاتحة سبع آيات، والتقسيم كان في الآية الرابعة عندما نقول (الحمد لله رب العاليمن 1 ... الرحمن الرحيم 2... مالك يوم الدين 3... إياك نعبد وإياك نستعين 4) 4.. "هذا بيني وبين عبدي" وهذا ما يؤكده قول نصفين فدلّ على أن الفاتحة سبع آيات (ثلاث ونصف لله وثلاث ونصف للعبد). أما الذين قالوا إن البسملة من الفاتحة قال في هذا الحديث أنه هناك رواية تقول "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله توكل علي عبدي" لكن هذه زيادة وليست بصحيحة، الصحيح الذي عليه الإجماع أن الحديث مبتدأ بقوله "فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي"

أما مسألة القرآءة في كل ركعة هل تُقرأ الفاتحة في كل ركعة؟ أم يجوز أن تقرأ في بعض الركعات دون بعض؟ هذا الخلاف يرجع في ماهية الصلاة فمن الفقهاء من قال إن الصلاة كلّية ومنهم من قال إن الصلاة كلٌ، فمن قال إن الصلاة كلية أوجب قراءة الفاتحة في كل ركعة لأن الكلية تتجزأ كلياتها وكل كلية منها كل بينما الكل لا يتجزأ، فمن قال هي كلية وكل ركعة منها كلٌّ أوجب الفاتحة في كل ركعة. ومن قال هي كلٌّ لا يتجزأ أوجبها في بعض ركعاتها ولم يوجبها في البعض الآخر.

ومن أولئك الذين قالوا إنها (كلٌ) الحنفية قالوا الصلاة (كلٌ) فأوجبوا أن تقرأ الفاتحة في بعضها ولا يشترط في كل ركعة، فلو قرأ الفاتحة في ركعة ثم قرأ في الركعة الثانية بغيرها لصحت صلاته واستدلوا بقوله تعالى (فاقرؤوا ما تيسر منه) وقالوا ما تيسر (ما) من صيغ العموم دلت على العموم فإذا لم يتيسر معك إلا بسم الله الرحمن الرحيم فاقرأ بها. واستدلوا على أن الداخل للإسلام قبل أن يحفظ الفاتحة صلاته صحيحة إنما يقرأ بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) أو يسبّح ويهلّل ويكبّر إذا لم يكن يحفظ من القرآن شيء وأن صلاته صحيحة.

وأما القائلون بأنها لا تصح إلا بالقرآءة في كل ركعة فاستدلوا بحديث "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" واستدلوا بحديث "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج غير تمام" وأيضًا استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له " فدلّ على أن الملائكة تؤمّن في كل قراءة" وأيضا استدلوا بأحاديث كثيرة وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الفاتحة في ركعة من ركعات صلاته لا سرًا ولا جهرًا وهو الذي قال "صلّوا كما رأيتموني أصلي"

هناك مسألة أخرى وهي هل لا بد من إتمام الفاتحة؟ أو أنه يكفي أن يقرأ الجلّة؟ بعض الفقهاء يقول إذا قرأ الجُلّة كفاه خاصة ما كان قسمًا لله عز وجل كأن يقرأ من قول تعالى (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) قالوا هذا هو الجل فإذا قرأه مستعجلا كفاه، وأما الذين قالوا أنه لا بد من قراءتها كلها قالوا إن ذلك هو التمام لأن الله عز وجل قسمها نصفين فلا بد من الإتيان بها كلها واستدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يثبت أنه قسم الفاتحة ولا استوقف عند بعض آياتها ثم ركع.

أما مسألة اللحن في الفاتحة فإن اللحن ينقسم إلى قسمين (لحن جليّ) وهذا مُبطِل للصلاة و(لحن خفي) وهذا لا يضر.

فاللحن الجليّ هو التغيير الذي يؤدي لتغيير المعنى، وهذا اللحن الجلي قد يكون في التكبيرات وقد يكون في القراءة والتلاوة، فاللحن في التكبير كمدّ الألف بعد الباء (الله أكباااار) فهذا الباء إذا جعل بعده ألفًا كان ذلك لحنًا جليًّا مبطلًا للصلاة لأن الأكبار هو الطبل. واللحن الجلي في الفاتحة مثل السكون (الحمدْ لله) كما يقول بعضه والأصل الضمّ (الحمدُ) وكذلك عندما يقول (الحمدِ) وغير ذلك من تغيير في الألفاظ. أيضًا يدخل في اللحن الجليّ كل لحن غيّر المعنى وهذا يبطل الصلاة لأن الصلاة أساسها فاتحة الكتاب و"كل صلاة لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب (يعني قراءة صحيحة) فهي خداج خداج غير تمام"

بالنسبة للتأمين (قول كلمة آمين) هذه سنّة النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، قال "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له" وهو عند الفقهاء سنة إلا عند الأحناف فإنهم لا يرون كلمة آمين لأنهم يقولون إنها ليست من القرآن ولذلك لم تُكتب في المصحف ويقولون لا ينبغي أن تكتب لأنها ليست من القرآن فعلى ذلك لا ينبغي أن تقال، وهذا اجتهاد منهم لكن الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته هو قول آمين فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها في الحديث الآنف ذكره"إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له" والتأمين لا يقل أهمية عن الدعاء بل قد أطلق الله عز وجل على كلمة آمين دعاء كما قال في قصة دعاء موسى وهارون (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) يونس).

أيضًا هناك مسائل أخرى وهي من المسائل التي تحصل في الصلاة ما لو أن إنسانا قرأ الفاتحة جهرًا في وقت السرّ أو قرأها سرًا في وقت الجهر ذلك يدخل في باب النسيان إن كان ناسيًا

·         فإن جهر بها في مكان السرّ كان ذلك زيادة يسجد له سجدتان بعد السلام،

·         وإن كان أسرّ بها في وقت الجهر وفي مكان الجهر كان ذلك نقصا يسجد له سجدتان قبل السلام،

·         فإن تذكر قبل إتمامها أعاد قراءتها جهرًا إن كان أسرّ أو أعاد قراءتها سرّا إن كان جهر

·         وأما إذا لم يتذكر إلا بعد الفوات فلا شيء عليه إلا أن يسجد سجود السهو.

أما مسألة التكرار فهل يجوز أن تتكرر الفاتحة بأن يقرأها عمدًا أكثر من مرة؟ فالصحيح عدم الجواز وأن ذلك مبطل للصلاة إذا قرأ الفاتحة مرتين عمدًا في ركعة واحدة فذلك زيادة عمد وزيادة العمد كالنقص عمدًا كل ذلك مبطلٌ للصلاة وأما السهو والنسيان فلا شيء فيه.

 

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضى.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل