روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الخامسة - الدرس الثالث - د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

 

منصة زادي - تفريغ وتنقيح مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة

الوحدة الخامسة: الخاتمة وتشمل على معظم ما احتوته وبعض الأحكام

الدرس الثالث: الجوانب الاجتماعية المستفادة من السورة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

هذا الدين الإسلامي دين الجماعة وليس دين فرد على حِدة بل هو دين الأمة دين الجماعة – الدين الذي يقول (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران: 103) ويظهر ذلك جليًا في صيغ كلمات فاتحة الكتاب وما في ذلك من الدروس التي تدعو للاجتماع والجماعة والانتماء الجماعي والدخول في جماعة المسلمين في جميع أحوال وأطوار هذه الجماعة مهما كانت أحوالها وأطوارها.

نبدأ ذلك من أول آية في الفاتحة. يقول الله سبحانه وتعالى (الحمد لله رب العالمين) لم يقل الحمد لله ربي أنا وإنما قال رب العالمين لتشعر أنك فرد من العالمين وأن هذا العالم وذلك العالم وذلك العالم الآخر وكل هذه العوالم ربها واحد فأنت في مجموعة عوالم كلها ربها واحد، خالقها واحد، مدبر أمرها واحد، يملكها واحد هو الله سبحانه وتعالى، فتشعر وقتئذ بأنك في جماعات وبأنك في خلائق وأنت فرد. من هنا تبدأ روح الجماعة فتسري فيك سريان الماء في القطن حتى إنك إذا أكملت هذه الآية وانتقلت إلى الآية التي بعدها تجد (الرحمن الرحيم) وعندئذ لن تنظر إلى أيّ مكان ولن تنظر إلى أيّ زمان ولن تنظر إلى أيّ مخلوق كائنًًا ما كان إلا وجدت بصمة من آثار رحمة الله عز وجل على ذاك المكان أو ذاك الزمان أو ذلك المخلوق كائنًا ما كان والله عز وجل وسع كل شيء رحمة وعلمًا. عندئذ تدخل روح الجماعة من باب الرحمة بالجماعة، ومن باب أيضًا التراحم بين الجماعة، إذا لم تتراحم الجماعة مهما كانت فلن تجتمع فأصل الاجتماع الرحمة، ولهذا قال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159) من هنا تأتي الرحم وصلة الرحم "أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" فتصبح مرتبطًا برحمة الله على قدر ارتباطك بخلق الله خاصة الأقربون والأقربون أولى بالمعروف.

ثم تتجلى هذه الجماعة في يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين، يوم يجمع الله الرسل، يوم يجمع الله عز وجلّ كل الخلق، يوم لا يبقى أحد إلا جاء، يوم الاجتماع الأعظم، هنا أيضا تظهر الجماعة الكبرى (الجماعة العظيمة) التي تجمع سائر خلق الله (مالك يوم الدين) يوم الجزاء لكل نفس بما كسبت.

أيضًا مما يعلمك ذلك الاهتمام بالجماعة قولك (إياك نعبد) فإن المتكلم أنا أو أنت فرد لكن لماذا يقول (إياك نعبد)؟ هو كلام على لسان الأمة فأنت فرد من أمة عظيمة كل فرد من أفرادها يتكلم بلسانها يدعو بلسانها يحمل همّها، من لم يحمل هم هذه الأمة فليس منها، ولذلك لا بد أن تحمل همّ الأمة – همّ هداية الأمة إلى الصراط المستقيم. " اهدنا" إنسًا وجنًا عربًا وعجمًا صراطك المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. وفي قوله تعالى "صراط الذين أنعمت عليهم" لم يقل صراط الذي أنعمت علي، والذين أنعم الله عليهم بين أنه ليسوا شخصًا واحدًا ولا اثنين ولا فئة واحدة أو اثنتين، قال تعالى (فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) (النساء: 69) وكل هؤلاء جماعات، ويدعو كذلك إلى الانتقال والانتقاء من هذه الجماعات فانتقِ من أحسنها وادخل مع أحسنها وكن دائما إنسان اجتماعي جماعي حيثما كنت يجتمع الناس حولك ينتفعون منك وتنتفع منهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "المؤمن القوي (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم) خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف (الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)".

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وهؤلاء جماعة عظيمة أنعم الله عليهم كما ذكرت وأنت تدعو الله أن يجعلك وأمة محمد صلى الله عليه وسلم منهم. وكذلك هنا "اهدنا" فيها أن كل إنسان في حد ذاته جماعة وأنت في صلبك ذرية وهذه الذرية في أصلابها ذرية وفي أصلاب أصلاب أؤلئك ذرية إلى قيام الساعة (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ .. ) (الأعراف: 172) ولم يقول من ظهر آدم لأن كل صلب فيه ذرية جعلها الله عز وجل فيه فكل واحد قام يصلي هو يتكلم بلسانه ولسان من في صلبه من أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده ولذلك صلاح الآباء دليل على صلاح الأبناء كما قال تعالى (وكان أبوهما صالحا) (الكهف: 82) فصلاتك يصل نورها وفضلها وبركتها إلى أبنائك وبناتك، ولهذا كان بعض السلف يقول "إني لأزيد من الصلاة من أجل أبنائي" فعلى ذلك عندما تقول "اهدنا" فأنت تتحدث عن عالم في ظهرك سيخرجون من صلبك ومن أصلاب أبنائك وبناتك ودعاؤك هذا مقدَّم لهم وهذا من باب نفع أبنائك، ولذلك إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حملا هذا الهمّ وهما يبنيان الكعبة قال تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) [البقرة: 128] فأنت كأنك تقول في صلاتك اهدني أنا صراطك المستقيم واهدِ من في صلبي من ذريتي صراطا مستقيما فجمعت ذلك في قولك "اهدنا" أنا وذريتي وأبنائي وأحفادي إلى قيام الساعة، ولول أن كل مسلم يدعو بهذا الدعاء وينوي هذه النية لبقي الإسلام في أبنائنا وأبناء أبنائنا إلى قيام الساعة.

أيضا، هنا يبين الله عز وجل لنا التمايز بيننا وبين اليهود والتمايز بيننا وبين النصارى فنحن لن تختلط معهم وهم لن يختلطوا معنا ونحن لن نرضى عنهم وهم لن يرضوا عنا لأننا لا نرضى عنهم حتى يتّبعوا الدين الحق الذي نحن عليه، وهم لم يرضوا عنا ولن يرضوا عنا حتى نتّبع ملتهم كما قال الله عز وجل (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: 120).

أيضا هذه السورة فيها صيغ الجماعة "اهدنا" ولم يقل "اهدني"، و"إياك نعبد" ولم يقل " أعبد" إلى غير ذلك، ولهذا كل فرد من هذه الأمة هو مسؤول عن نفسه أولًا وعن أهل بيته ثانيًا وعن من في صلبه إلى قيام الساعة وعن أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الحاضر والمستقبل، ولهذا ذكّر الله عز وجل هذه الأمة بالدعاء للماضين وأيضا الدعاء لمن هم موجودين فقال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (10) الحشر) فهي أمة يدعو آخرها لأولها ويدعو أولها لآخرها وهي بذلك متماسكة متعاونة ثابتة على صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض.

 

وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى وغفر الله لي ولكم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل