روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الخامسة - الدرس الثاني- د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

 

منصة زادي - تفريغ وتنقيح مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة

الوحدة الخامسة: الخاتمة وتشمل على معظم ما احتوته وبعض الأحكام

الدرس الثاني: الجوانب الإيمانية المستفادة من السورة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.

فمن الجوانب الإيمانية في هذا السورة أنها تعلم القارئ كيفية الدعاء وكيف يكون دعاء الله سبحانه وتعالى بأن لا يأتيه فيدعو مباشرة قبل أن يتعرف على الله سبحانه وتعالى، وقبل أن يذكر أسماء الله سبحانه وتعالى ويدعوه بها، وقبل أن يعترف بأنه عبد لله ويعترف بأنه لا معين له إلا الله سبحانه وتعالى. فخمسة أسماء من أسماء الله تعالى قدمت لك بين يدي الدعاء (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾) و(ملك يوم الدين) خمسة من أسمائه قدمها لك قبل أن تقول (اهدنا الصراط المستقيم)، ثم جعل بعد هذه الأسماء اعتراف (إياك نعبد وإياك نستعين) وهذا وصف الحال. ثم بعد ذلك في المرحلة الثالثة فتح لك الباب في الدعاء. من هنا علم أن من أدب الدعاء أن تتعرف على ربك بأسمائه وصفاته وكلماته وتذكر وتكثر من الثناء عليه ومن الحمد له ومن التمجيد له ثم بعد ذلك تنتقل إلى نفسك معترفًا أنك عبد لله وأنك مقصَّر وأنك محتاج وأنك مضطر ثم إنك مستعين به وحده لا تستعين إلا به ثم إذا ذكرت ذلك عن نفسك فإن باب الدعاء يفتح لك فَسَلْ ما شئت، وهنا ألهمك الله وسددك ووفقك أن تدعوه الهداية لأن الهداية ملك لله عز وجل وحده لا يملكها سواه ولا يهبها سواه (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) القصص) (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا"(الكهف: 17) فتقول: اهدنا ...

وهنا لطيفة في قوله اهدنا وفي قوله إياك نعبد وفي قوله إياك نستعين. هذه اللطيفة أن الدعاء إذا عمّ نفع وإذا خصّ ارتفع، والمؤمن فرد من أمة، وهذه الأمة يمثلها كل مسلم على حدة، فكل قارئ لفاتحة الكتاب هو ممثل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في دعائه هذا يقول بلسان الأمة "إياك نعبد" أي نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جميعا نعبدك أنت يا الله، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جميعًا نستعين بك يا الله، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جميعًا نستهديك أنت يا الله "اهدنا الصراط المستقيم" نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ندعوك أن تجعل صراطك المستقيم هو الصراط الذي تثبتنا عليه حتى نلقاك وأن تجنبنا صراط الذين غضبت عليهم من اليهود وأمثالهم والنصارى وأمثالهم أعاذنا الله وإياكم.

أيضا تعلمنا هذه الفاتحة أهمية الاستقامة وأن الاستقامة لا يمكن تكون إلا بالدعاء فلولا دعاؤنا ولولا سؤالنا الله عز وجل لزلّت أقدام بعد ثبوتها لذلك قال (اهدنا الصراط المستقيم) وقال (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) فانظر إلى وصفه للصراط بالاستقامة لأن الصراط إذا استقام استقام السائرون عليه، لم يقل اهدنا صراط المستقيمين لأنه قد يكون الإنسان مستقيمًا على صراط غير مستقيم كاستقامة اليهود على صراطهم المنحرف أو استقامة النصارى على صراطهم المنحرف، فاستقامة الصراط أصل قبل استقامة السائرين عليه ولذلك قال اهدنا الصراط المستقيم ولا صراط مستقيما إلا صراط الله جل جلاله ولهذا قال تعالى ( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) (الأنعام: 153)

والاستقامة هي أهم شيء بعد التوحيد لذلك قال تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله) وهذا هو التوحيد (ثم استقاموا) وهذه الاستقامة بعد التوحيد - وهي الاستقامة على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه حتى نلقى الله سبحانه وتعالى. هذه الاستقامة تحتاج إلى الجماعة ولا يمكن لأحد أن يستقيم بمفرده، ولو كان لأحد أن يستقيم بمفرده لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقيم بمفرده ولم يكن معه أحد، لذلك قال تعالى لأفضل المستقيمين وهو محمد صلى الله علي وسلم (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) هود) فلا بد لك من الجماعة المستقيمة حتى تستقيم معهم باستقامتهم وحتى يستقيموا معك باستقامتك، فاستقامتك قدوة لهم ليستقيموا باستقامتك ،واستقامتهم أيضًا قدوة لك حتى تستقيم باستقامتهم، ولذلك قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119) فكونك مع أهل الصدق تصدق، كونك مع أهل الكرم تتكرم، كونك مع أهل العبادة تعبد الله، كونك مع أهل العلم تتعلم، كونك مع أهل الدعاة تدعو، وهكذا كل قرين بالمقارَن يقتدي.

وليس بالضرورة أن يكون أهل الاستقامة في بلد واحد أو في زمان واحد (تلك أمة قد خلت) فالأمم السابقة من استقام منهم وخُلِّد ذكر استقامته يبقى نبراسا للسائرين يسيرون على خطاه كحال هذه الأمة مع نبيها صلى الله عليه وسلم "صلوا كما رأيتموني أصلي"، "خذوا عني مناسككم" مع أن الأمة كلها لم تره وهو يصلى والأمة كلها لم تره وهو يحج لكن استقامت الأمة من أولها على صلاته صلى الله عليه وسلم واستقام لاحقها على ما كان عليه أولها لهذا كانت الجماعة لا بد منها والجماعة لا بد لها من قائد وقائد هذه الجماعة هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وأيضا تعلمنا هذه السورة أنه لا بد لنا من معرفة الباطل حتى نحذر منه يقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فأقع فيه فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال نعم، قلت فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دَخَن، قلت وما دخنه؟ قال قوم من أمتي يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت صِفهم لي يا رسول الله، قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا يمرق الواحد منهم من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، قلت فما تأمرني أن أفعل إن أدركني ذلك؟ قال عليك بجماعة المسلمين وإمامهم، قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال إذن فعليك بخاصة نفسك ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" فبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عند الفتن وازدحامها وكثرتها وتنوعها لا ينقذ منها إلا لزوم الجماعة. والجماعة هي التي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إذا استطاعت إليه سبيلا، والجماعة هي التي تقيم حدود الله، والجماعة هي التي تولي عليها من يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) الحج) هذه جماعة المسلمين حيثما كانت كيفما كانت لزومها واجب.

وقد تكون هذه الجماعة قلة كحال الأقليات الإسلامية في الدول الكافرة، وقد تكون هذه الجماعة كثرة كحال الدول الإسلامية، وقد تكون هذه الجماعة مضطهَدة من مكان إلى مكان كحال المسلمين في الحبشة في الهجرة الأولى والهجرة الثانية لكن اِلزَم جماعة المسلمين حيث كانوا كيفما كانوا ولا تنظر ولا تلتفت لغيرهم، وهذا مقتضى قول الله عز وجل (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف).

 

إذا معرفة الباطل مهمة للحذر منه، والتحذير منه، كما أن معرفة الحق مهمة للدعوة إليه (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) العصر)

غفر الله لي ولكم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل