روائع تفسير سورة الفاتحة - الوحدة الخامسة - الدرس الأول - د. محمد علي الشنقيطي

مساق تفسير سورة الفاتحة

د. محمد علي الشنقيطي

منصة زادي - تفريغ وتنقيح مجموعة من الأخوات المشاركات في الدورة جزاهن الله خيرا

الوحدة الخامسة: الخاتمة وتشمل على معظم ما احتوته وبعض الأحكام

الدرس الأول: الجوانب التربوية المستفادة من السورة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

بعد نهاية تفسير هذه السورة الكريمة أم الكتاب فإننا الآن نعود بجولة سريعة إلى بعض الجوانب الأساسية من هذه السورة لنسلط الأضواء عليها بدءًا بالجوانب الإيمانية ثم الجوانب الاجتماعية ثم الجوانب الأخرى المتعلقة بهذا السورة.

والآن مع الجوانب الإيمانية التي يتقوى بها إيمان المؤمن وهو يقرأ فاتحة الكتاب.

سبق أن بيّنا أن فاتحة الكتاب فعلًا هي الصلاة وهي التي قسمها الله جل جلاله بينه وبين عبده نصفين فنصفها لله ونصفها للعبد. ومن نظر في هذا التقسيم يجد أنه يمكن أن يكون ثلاثيًا:

1.      قسم خاص بالله جل جلاله لا شريك له فيه

2.      وقسم خاص بالعبد

3.      وقسم بين العبد وربه نصفه لله ونصفه للعبد.

فالقسم الذي لله هو التوحيد الخالص هو الدين الخالص (ألا لله الدين الخالص)

هذا القسم يتكون من ثلاث آيات ونصف آية فقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هذا قسم لله جل جلاله خالص، وهذا هو الذي ينبغي أن يُحقَّق في حياة المؤمنين. أن يحقق الحمد في حياة المؤمن، ويحقق معاني الثناء على الله في حياة المؤمن، ويحقق معاني الخوف من الله وهو تمجيد الله سبحانه وتعالى في حياة المؤمن، وتحقق العبادة لحياة المؤمن. بعد ذلك يحقق الله للمؤمن الإعانة والهداية والنعمة والثبات والاستقامة وأن يصرفه عن صراط المغضوب عليهم وعن صراط الضالين، ويثبته على صراط المنعم عليهم حتى يوصله إلى الجنة.

أدخل في تفاصيل هذا الباب فأقول: الفاتحة اشتملت على جوانب إيمانية متعلقة بالإسلام، ومتعلقة بالإٍيمان، ومتعلقة بالإحسان. وذكر فها مراتب الدين كلها، وذكر فيها أيضا تفاصيل ذلك إجمالًا.

مراتب الدين الثلاثة في البسملة (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾) وهذه الأسماء الثلاثة التي في البسملة اختصرت المراتب الثلاث:

1. مرتبة الخوف وهذه يقابلها الإسلام ويقابلها لفظ الجلالة (الله) لأن الجلال يقتضي الخوف.

2. مرتبة الإيمان وتقابلها لفظة (الرحمن)

3. مرتبة الإحسان وتقابلها لفظة (الرحيم)

فالقارئ لـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾) يلحظ التدرج من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان. والإسلام أوسع من الإيمان، والإيمان أوسع من الإحسان، والمحسنون قلّة وهم (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14) الواقعة) وفي هذا الميدان يكون التنافس بين عباد الله وعباد الرحمن وعباد الرحيم.

فعباد الله هم الأكثر والأوسع وهم أهل الخوف من الله سبحانه وتعالى لكنهم أيضًا أصحاب رجاء في الله سبحانه وتعالى،

وأهل الرحمن أو عباد الرحمن لهم أيضًا أخطاء وتقع منهم ذنوب ولكن أيضًا الخوف والرجاء يتساويان فيه

أما أهل مقام الإحسان فهم أهل مقام المشاهدة أو مقام المراقبة (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) هؤلاء هم أصحاب الخصوصية، هؤلاء هم الذين خصّهم الله عز وجل باسمه (البرّ) كما قال تعالى (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ  (28) الطور) فأعمالهم كلها مبرورة كلها موفقة مسددة هؤلاء هم أصحاب مقام الإحسان الذين استشعروا معية الله في كل أقوالهم في كل أفعالهم (ِإنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128) النحل).

فتجد مثلا في الدائرة الأوسع دائرة الإسلام أنه قد يحصل إسلام بلا إيمان كما حصل للمنافقين (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) البقرة) هؤلاء المنافقون يدّعون الإسلام، ولا يخرجون من الإسلام مع أن الله عز وجل يعلم ما في قلوبهم، وقد بين أن في قلوبهم نفاق وأن في قلوبهم أيضًا كفر. ومنه ما حصل للأعراب وهم من دخل الإسلام ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم فادعوا الإيمان قبل دخوله فقال الله عز وجل (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) الحجرات)

وأما مقام الإيمان فهو مقام أعلى لكنه أخصّ بلفظة (الرحمن) ولهذا قال تعالى (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) الفرقان) فذكر أعمالًا أوسع من أعمال المسلم ثم ذكر الله عز وجل عنهم حصول بعض من الذنوب والتوبة منه (...وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) الفرقان) فهؤلاء قد يحصل الذنب منهم ولكن يوفقهم الله عز وجل للتوبة والإيمان في قلوبهم، لا يقرّهم على ذنب إذا حصل، وهؤلاء هم عباد الرحمن، وهم أعلى درجة من المسلمين.

أما أصحاب المقام الثالث وهم أهل الإحسان، فأولاء هم القلة وقد رُبطت أفعالهم بالتقوى والإحسان قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128) النحل) وهؤلاء أعلى درجة من الإيمان.

إذن، أول درس إيماني يواجهنا ونحن نقرأ الفاتحة أن نترقى في درجات هذا الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، وهذه الفاتحة تنقلنا لمقام الإحسان في قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) لأن ها الخطاب لا يكون إلا من المخاطِب للمخاطَب من غير ترجمان ومن غير واسطة وهذا هو مقام الإحسان (إياك نعبد) أن تعبد الله كأنك تراه لذلك قلت إياك. (وإياك نستعين) تستعين به وكأنك تراه ثم بعد ذلك تسأله "ولئن سألني لأعطينه". (اهدنا الصراط المستقيم) (هديت) "صراط الذين أنعمت عليهم) أنعم عليك "غير المغضوب عليهم" رضي عنك (ولا الضالين) علّمت وفهّمت وسدّدت.

أيضا هذه السورة فيها من الفوائد الإيمانية أنها تعلمنا الإخلاص لله سبحانه وتعالى. في قوله تعالى "إياك نعبد" قد قدمت لفظة (إياك) على (نعبد) مع أن الأصل في ترتيب اللسان العربي أن يقدم العامل وهو الفعل على المعمول وهو المفعول به، فهنا قدم المعمول وهو (إياك) على العامل وهو الفعل (نعبد) وهذا من باب أهمية إخلاص العبادة لله، لم يقل نعبد إياك لأنه لو قال ذلك لجاز أن يأتي بواو العطف بعد ذلك ويقول وغيرك لكن عندما يقدم ((إياك) نعبد) لا يستطيع أن يأتي بمعبود آخر بعده، فدل ذلك على محض الإخلاص لله عز وجل وهذا هو الذي أُمرنا به في قوله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) البينة)

أيضا من الدروس الإيمانية في هذه السورة درس التوكل على الله في قوله تعالى (وإياك نستعين) فالإنسان متوكل، المسلم المؤمن متوكل على الله عز وجل يعبده ويستعين به على عبادته وعلى جميع أحواله.

وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه ويجعلنا وإياكم من المخلِضين المخلَصين الذين أخلصهم الله وأخلص لهم دينهم الذي ارتضى لهم فلا رياء ولا سمعة حتى يلقونه وهو راض عنهم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل