دروس تربوية من القرآن الكريم - (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) القصص) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ الأخت الفاضلة رحاب محمد – موقع إسلاميات

الحلقة الثامنة: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) القصص)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد.

ولا يزال الحديث موصولًا حول الأم وما ينبغي أن تكون عليه حتى تقوم بتربية الأجيال على الوجه الأكمل المنشود. قال الله تعالى في سورة القصص (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أم موسى بعد أن أخبر الله عنها بأنها كادت أن تبدي به لولا أن ربط الله عز وجلّ على قلبها لتكون من المؤمنين لا بد من بذل الأسباب حتى لو كان هناك وعد من الله فإن الأسباب مطلوبة ولذلك أم موسى عليه السلام بذلت الأسباب وأرادت أن تعرف أين ولدها؟ ما مصيره؟ أين هو الآن؟ فأرسلت ابنتها التي هي أخت موسى عليه السلام فأخبر الله عنها بقوله (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) آية في سياق القصة ماذا يمكن أن يستفاد منها في جانب تربية الأمهات على تربية الأجيال؟

يمكن أن يقال بأن أم موسى عليه السلام كان عندها حرص على جميع أبنائها وواضح من سياق الآيات أنها كانت أمًا عاقلة مربية فطنة فهنا يأتي موقف ابنتها التي هي أخت موسى عليه السلام وكما هو معلوم ومشهور في الروايات أن فرعون الطاغية كان يستحيي النساء أي يبقيهن على الحياة لا يقتل البنات كما يقتل الأولاد كما قال الله عز وجل في السورة نفسها (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) القصص) أي أنه يبقيهن على الحياة، لا يقتل النساء.‏

أخت موسى عليه السلام جاءت في الحدث هنا، ما دور الأم؟ واضح من الأم أنها بذلت السبب الذي من شأنه أن يحمي ولدها وأن تعرف من خلاله أين هو، الأم قالت لأخت موسى (قصّيه) أي تتبّعي أثره، هذا يؤخذ منه أن الأم عليها أن تبذل كل سبب للوصول إلى هدف في التربية، أيّ هدف في التربية يحتاج إلى بذل فإن الأم عليها أن تحرص عليه، لم تستسلم أم موسى مع أن الله قال (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) لم تنتظر وإنما بذلت السبب، وهذه قضية كبرى جدًا في ديننا أيّ شيء وعد الله به فإنه لا يتحقق إلا بسبب منا فنجاتنا بصنع أيدينا بعد توفيق الله، نجاحاتنا تتحقق بأفعالنا بعد توفيق الله، حتى ولو وعدنا الله بشيء فإنه لا يصل إلينا إلا ببذل الأسباب هذه قاعدة كبرى ينبغي أن نعيها وأن نكون على بينة منها ونربي أبناءنا عليها.

الله وعد موسى أنه سينجيه ولكن الله قال (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ‏(63) الشعراء) فضرب هذا سبب، الله وعد نوحًا عليه السلام أنه سينجيه ومن معه ولكن نجاتهم كانت بصنع أيديهم حيث صنعوا السفينة فنجوا بهذا الأمر، الله عز وجل وعد أم موسى عليه السلام بأنه سيرد ابنها إليها وسيكون له مستقبل لكن لا يعني هذا أن تستلم وانتهت المسؤولية لا، لو أن المسألة مسألة انتظار للموعود وبقاء لكان هذا معناه دعوة إلى الكسل والدَّعة، أنا وعدني الله تعالى أنه سيرزقني إذاً أبقى في البيت أنتظر الرزق الذي وعدني به، لا، لا بد أن أخرج لأطلب الرزق هذه سنة مهمة جداً.

أم موسى قالت لأخته (قصّيه) إذاً بذل الأسباب التي من شأنها أن تحفظ الأبناء، أن تغرس القيم والمبادئ، قد يكون السبب حسياً قد يكون مادياً قد يكون معنوياً قد يكون السبب تعلّم قد يكون خروج، أياً كان السبب لا بد أن نبذل الأسباب، حفظنا لأبنائنا لا بد أن نأخذ بالأسباب.

(وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) يفهم من الآية كذلك أن الأم تربي البنات كمن تربي الأبناء وتحرص على البنات كما تحرص على الأبناء والدليل على ذلك أن هذه الأخت واضح من سياق الآيات بأنها كانت فتاة عاقلة ذكية حذرة عندها قيم ومبادئ تربت عليها لا يمكن أن يأتي شخص مبدع ذكي متفوق يأتي بنجاحات إلا بتربية وراءه فأم موسى عليه السلام مع انشغالها بابنها كانت تقوم بتربية إخوان موسى هارون قبله وأخته كانت تنشئهم جميعاً تكامل في التربية لا تهتم بواحد وتترك الآخرين ما تهتم بالأولاد وتترك البنات، والبنات لهن أثر كبير في استقرار الأسرة وفي نجاح التربية لأن الابن مهم والبنت مهمة كل لابد من الاهتمام به، وقد يقال أن الاهتمام بالبنات أحياناً في زمن ما ينبغي أن يكون أكثر لكثرة الأشياء التي تفسد وتشغل البنات.‏

إذاً أخت موسى كانت حاضرة في سياق القصة، في حياة إعداد المصلح موسى عليه السلام أخته كانت حاضرة. من وراء هذه الأخت؟ لو تأملنا القرآن لوجدنا بأن الأب لم يذكر إطلاقاً أبو موسى أبو هذه البنت لم يذكر وإنما كانت الأم هي الحاضرة في السياق إذاً هذا يدل على أهمية دور الأم في إعداد الأخت، في إعداد الإبن (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) كذلك بذل الأسباب.‏

تأتي الآية لتبين ماذا فعلت هذه الأخت (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أمر أم موسى كان بالقصّ لكن هناك أمر آخر فعلته الأخت وهو الحذر (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أي أن هذه الأخت لما أرادت القيام بهذه المهمة خرجت بذكاء وذهبت لتحقيقها بحذر حتى إنها بصُرت به عن جنب في مكان وهم لا يشعرون بها ولا يعلمون بأنها تتابع الحدث من بعيد. أحياناً يقال إن الأم ينبغي لها وهي تربي أبناءها أن تراقب الأبناء عندما يخرجون ترسل من يراقبهم تحرص على متابعتهم متابعة دقيقة لأنها لا تدري ماذا يحدث لهم في خارج البيت وهذا أمر مهم جداً في التربية الآن. بعض الأمهات حريصة على الابن في البيت لكن إذا خرج مع من؟ ماذا يصنع؟ هنا يأتي الحرص (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) الأم تأمر من تستطيع أن تأمره ممن حولها وتحت يدها بأن يتتبع أثر الابن أين هو؟ أين ذهب؟ ماذا يصنع؟ مع من هو؟ (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ينبغي أن يعلم الابن بأن هناك من يتابعه، من يراقبه، من يحرص عليه وهذا له أثر كبير في أن يحافظ على نفسه فلا يزلّ لا يشطح، لا يبتعد، ولا يقع في أمور لا تليق به ولا بأسرته لأن المتابعة مهمة جداً، ومن لم يجد في نفسه القدرة على المتابعة فلا يستحق أن يكون مربياً بحال من الأحوال. انظروا إلى هذه الأم التي هي في البيت وتقرّ في بيتها ولا تخرج إلا عند الحاجة مع ذلك لا تزال حريصة على المتابعة.‏

إذاً من أهم معالم تربية القرآن للأمهات تربية الأمهات على المتابعة، تابعوا أيتها الأمهات أبناءكم، والآن وسائل المتابعة متوفرة ولله الحمد تستطيع أن تتصل به، تستطيع أن ترسل من يتابعه، هذه الأم الصالحة الموفّقة التي جعلها الله عز وجل في سورة القصص لتكون مضرباً للمثل في إعداد الأبناء من أهم صفاتها أنها تتابع ابنها حتى ولو كان بعيداً عنها حتى لو كان خارجًا عن البيت، فعلينا أن نستشعر هذا المعنى. قال أهل التربية إن من أهم الأشياء التي ينبغي أن تتوفر في المربي القدرة على المتابعة. إذاً الأم لا بد أن تكون قادرة على المتابعة الدقيقة حتى لو انشغلت وحتى لو كان عندها أشياء فإنها لابد أن تكون متصلة بابنها، على معرفة أين هو وماذا يصنع، من الذي معه هل هم أعداء هل هم صادقون هل يضرون به أيّاً كان هذا الشيء لا بد أن تتابعه حتى لو كان مع أقرب ‏الناس إليه أقاربه وأبناء عمومته ونحن نسمع أخطاء كثيرة ومصائب تقع أحيانًا من الثقة العمياء، لا بد أن نأخذ حذرنا لا بد أن نقول لمن حوله: قصّه، تتبّع أثره، لا بد أن يكون أبناءنا تحت أيدينا، أحياناً موقف واحد يقع للابن في بداية حياته يدمر حياته ومستقبله مثل التحرشات والأشياء التي لا تليق والسبب غفلة الأم عن المتابعة غفلة الأب عن المتابعة هذه قضية مهمة جداً وهذا معلم مهم جداً من معالم التربية التي لابد أن تراعيها الأمهات.

أسأل الله جلّ وعلا أن يوفقنا وأن يعيننا وأن يلهمنا الصواب والرشد وأن يجعلنا قادرين على المتابعة والتربية والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 رابط الحلقة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل