دروس تربوية من القرآن الكريم - (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

الحلقة السابعة: (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص: 10]

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. الحمد لله الذي علمنا القرآن وجعلنا من أهله ونسأل الله عز وجلّ أن يثبتنا على ذلك وأن يجعلنا من أهله حقًا وأن ينفعنا بهذا القرآن العظيم الذي كلما ازداد الإنسان تعلقًا به وقربًا منه وتدبرًا لآياته وتفكرًا فيها انتفع انتفاعًا عظيمًا وأيقن بأن هذا القرآن العظيم كتاب هداية ورحمة وشفاء وهو نور وفرقان لمن تمسك به واهتدى به نسأل الله عز وجلّ أن يعيننا على التمسك بهذا القرآن العظيم الذي هو ذكرنا وشرفنا في الدنيا والآخرة (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) الأنبياء) أي فيه شرفكم.

ولا يزال الحديث موصولًا حول معالم قرآنية في تربية القرآن لبناة الأجيال ولا زال الحديث عن الأم، وحق للأم أن نطيل الكلام عنها وأن نفصل القول فيها لأنها هي الأصل في التربية ولو أنها صلحت لكان حال الأمة يختلف عن حالها الآن (الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق) صدق من قال هذا القول.

كان آخر ما تكلمنا عنه وأشرنا إليه هو ما دلّ عليه قول الله تعالى (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) وذكرنا أن هذه الجملة تفيدنا وتربي الأمهات على أن يكون الاهتمام الأول لهن بأبنائهم لأن هذا هو الذي ينبغي وهذا هو المطلوب الأول منها، الأم مسؤولة مسؤولية تامة عن تربية الأبناء وعن القيام بشؤونهم وإصلاحهم.

ثم يأتي قول الله عز وجل بعد هذه في نفس الآية (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) تبدي به يعني تخبر بموسى وأنه ابنها على قول وإذا عُرف أنه ابنها فإن مصيره القتل لأن فرعون كان يقتل الأبناء وخاصة إذا كانوا من بني إسرائيل. كادت من شدة الشوق عليه والرغبة في الوصول إليه كادت أن تبدي به وتخبر بأن موسى هو ابنها لأجل أن تحصل عليه ولكن الله سبحانه وتعالى ثبتها وربط على قلبها قال الله (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) والربط على القلب معناه التثبيت كما قال الله عز وجلّ (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا) [الكهف: 14] ثبتهم الله عز وجلّ أعانهم الله على التمسك بمبادئهم وعلى التمسك بما ينبغي لهم أن يتمسكوا به. يمكن أن يؤخذ من هذا معلم مهم جدا في تربية الأم لأبنائها وهو أنها بحاجة إلى التثبيت ممن حولها لأن الأم فيها ضعف النساء، فيها الضعف الذي يكون بسبب العاطفة التي تغلب في كثير من الأحيان التفكير والمنطق فالأم في كثير من الأحيان تغلّب جانب العاطفة لأن العاطفة عند الأم قوية وهذا من حكمة الله لأن الأم تحتاج حاجة ماسة إلى العاطفة. أحيانا لما يكون هناك موازنات بين ما يقتضيه العقل وبين ما تقتضيه العاطفة قد يغلب جانب العاطفة عند الأم فتحتاج من يربط على قلبها ويثبتها ويعينها على تذكر المبادئ التي لا بد من الحرص عليها وتذكرها في القيام بمسؤولية التربية، التربية أحيانًا تحتاج إلى شدة، التربية تحتاج إلى جهد، التربية قد تحتاج أن يبتعد الابن عن أمه لأن مقتضى التربية والإعداد في ذلك وقد كان العرب يفعلون هذا أحيانا يرسلون أبناءهم إلى البوادي القريبة وإلى الأماكن التي من شأنها أن تعين على تنشئة هذا الطفل تنشئة صالحة. قد يقتضي الأمر أن يبتعد الابن للتعلم، للدراسة في مكان آخر فلا بد أن يكون عند الأم نظرة بعيدة وأن مقتضى تنشئة هذا الطفل قد تقتضي أن تغلب جانب العقل جانب المصلحة ولو كان شديدًا عليها ولو كان هذا يقتضي فراقها لابنها أو بعده عنها فهنا يأتي (لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا) وهذا التثبيت من الله سبحانه وتعالى لأنه يصنع نبيًا من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ولكن يمكن أن يقوم بهذا التثبيت من حول الأم: الأب، الإخوان، الأبناء إذا كانوا كبارا ينبغي إذا شعروا أن الأم بدأت تضعف أو تميل إلى تغليب جانب العاطفة في التربية أن يذكروها أن مقتضى العقل يتعارض مع مقتضى العاطفة والتوازن بين العاطفة والعقل مطلب ملحّ جدًا في التربية لأن العاطفة تقتضي أحيانًا أن نحرص على أبنائنا، أن لا نوقظهم للصلاة في شدة البرد، أن لا نرسلهم إلى الأماكن التي تعلمهم الشدة وتربية الأبناء خاصة الرجال تحتاج إلى الشدة كما مر في قوله تعالى (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) الإلقاء في مصاعب الحياة فأحيانًأ الأم تغلب جانب العاطفة تمنعه من كثير من الأشياء التي هي صعبة وتشق عليه لأنها تحبه وتخاف عليه. أيها الأم المباركة اصبري فإن تربية الأبناء تحتاج إلى صبر وإن إعدادهم يحتاج إلى جهد وإلى بذل، ليخرج الابن ليتعب، ليعمل يكدح لا مانع أن يخرج وهو صغير ليعاني مصاعب الحياة، لا تقولي إنه ابني وأخاف عليه  يأتي دور من يكون مع الأم ويثبتها ويعينها ويذكّرها بالمبادئ (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا)

ثم يقول الله عز وجلّ (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) المصدقين الموقنين بوعد الله سبحانه وتعالى وبما يترتب على هذا الفعل منها من الأجر وبما يحصل بعد ذلك من العواقب الحميدة فنحتاج على أن نربي الأمهات على قضية الوصول إلى اليقين، الوصول إلى الإيمان الراسخ لأن التربية مبادئ لا بد أن يكون عند الأم وهذا يمكن أن يكون معلما مستقلا فصار عندنا في هذه الآية المعلم الأول (فأصبح  فارغا   قلبها) أهمية ربط الأم وتثبيتها وتعليمها والوقوف معها.

ثم (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الإيمان بالمبادئ مهم جدًا فالأم حتى توقن بأهمية هذا الشيء لأن الإيمان مرتبة عليا من التصديق، ولذلك مراتب الدين ثلاثة: إسلام فإيمان فإحسان لا نصل إلى درجة الإيمان الذي هو مرحلة عالية من التصديق إلا بعد التعلم وبعد جهد وبعد اختبارات كما قال الله عز وجلّ (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 14] فحتى تصل الأم إلى مرتبة الإيمان بالمبادئ التي تؤمن بها لا بد أن تمر بمراحل ومن أعظم المراحل التي تحتاج إليها التعليم المستمر، التثبيت المستمر (لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وهذا معلم مهم جدًا حتى في تربية الإنسان لنفسه لا تصل إلى درجة الإيمان، لا تصل إلى درجة الرسوخ، إلى درجة اليقين إلا بعد صبر ويقين كما قال الله عز وجلّ (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴿٢٤﴾ السجدة) فالأم نحتاج في مقام التربية أن تصل إلى مستوى الوعي اليقيني الذي تؤمن به تماما فإنها إذا وصلت إلى هذه المرحلة فإنها ستقوم بمهمتها على أفضل وجه.

كيف تصل الأم إلى الإيمان بهذه القضايا؟ من أهم الأشياء كثرة التثبيت وكثرة التعليم وهذا ينقصنا في مجتمعنا - كما أشرت سابقا وكما ينبغي أن نكرر لأهمية هذا الأمر -، تعليم الأمهات، تثبيت الأمهات، الربط على قلوب الأمهات قليل، كلنا يضعف، أي إنسان في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى وسلوكه للطريق المستقيم سيمر به مراحل، يعتريه ظروف، يقابله مكاره فما لم يكن عنده من يثبته وما يعينه من الرفقة الطيبة من المعينات المثبطات الأشياء التي تحفزه يذكَّر بين الفينة والأخرى وإلا فإنه سيفتر ويضعف وقد يتلاشى. التربية مهمة طويلة، ومن ضروريات التربية أركان التربية الرئيسية ولا يمكن أن يكون مربيًا من لم يتمكن من هذا الشيء الذي هو القدرة على المتابعة المستمرة، التربية ليست عملية إنتاج في يوم وليلة وتنتهي، لا، الترية عملية دائمة ومستمرة فإذا لم يكن عندنا مثبتات ومعلومات تعيننا على الاستمرار توصلنا إلى اليقين بأهمية هذه التربية وخاصة الأم وإلا فإننا سننقطع، سنفتر، قد يصل بنا الحال إلى أن نقول: إلى متى؟! أنا أصلح، أنا أربي، أنا أغرس قيم أغرس مبادئ لكن الشارع يفسد، الإعلام يخرّب، المدرسة قد لا يوجد ما نريد من تحقيق الطموحات وغرس المفاهيم، لا نقف ولا نستسلم وإنما لا بد أن نكون مؤمنين تماما بأن واجبنا الاستمرار وأن المبادئ التي آمنا بها وكنا على قناعة ويقين بها لا بد أن نواصل في الاستمرار حتى نصل إلى المراد بإذن الله تعالى أو يأتينا الموت ونحن على الطريق سائرون (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾ الحجر) (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. فعلينا وخاصة الأمهات أن نلاحظ ونراعي هذا المعلم (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) إذا وصلنا إلى مرحلة غرس هذه المبادئ والقيم والقناعات عند الأم وأن دورها الأصلي هو تربية الأبناء وأنه ينبغي أن تصبر وتحتسب وأن هذا سيكون له شأن في المستقبل وأن هذا هو دورها الأهم فإننا بإذن الله سننجح (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) آيات عظيمة فيها معالم لطيفة وجميلة وتنبيهات مهمة نحتاج أن نقف معها وأن نستهدي بها نسأل الله جلّ وعلا أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا وأن يوفقنا لما يعيننا على تدبره وتفهمه والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 رابط الحلقة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل