دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة الثامنة

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة الثامنة: تفسير سورة النبأ - 4

توقفنا عند قول الله تبارك وتعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾) وقلت إن الله تبارك وتعالى يمتن على العباد بتلك النعم التي تبين كمال قدرته مما يؤكد أنه قادر على البعث. وقلت إن المعصرات من أعصرت والسحب عصرت وليست أعصرت لكن دخلت الهمزة على عصرت فأصبحت أعصرت ومنها اسم الفاعل المعصرات وتلك الهمزة قلت إنها همزة الحينونة والتوقيت بمعنى أن الله تبارك وتعالى يشير إلى أن تلك السحب لا تملك بذاتها أن تعصر الماء وإنما هي موقتة بميقات معلوم وبمكان معلوم وبزمن معلوم فإذا حان الوقت في المكان الذي حدده الله لها فإنها تعصر الماء وتنزله.

والماء كما قال الله تعالى هنا ماء ثجاج والثجاج هو الماء المنصب بقوة دلالة على امتنان الله على العباد بإنزال الماء. والله تبارك وتعالى في ذكر الماء في القرآن عندما يمتن على العباد يسميه ماء (كل آية فيها نزل ماء فهو امتنان على العباد) (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) [إبراهيم: 32] (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا)

وإذا ذكره الله في سياق العذاب يسميه مطرا (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ (173) الشعراء) أيضًا الموضع الذي كان يتحدث فيه عن المطر وليس موطن عذاب سماه الله أذى قال (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ) [النساء: 102]

أما إذا كان رحمة فيسميه غيث (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) الشورى)

إذن سماه الله هنا ماء لأنه في سياق الامتنان على العباد.

ثم قال بعد ذلك (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾) لنخرج به، عندما يتحدث الله عن إنزال الماء أحيانا يعبر بالإنبات فيقول (فأنبتنا) وأحيانا يعبّر بالإخراج ويقول (فأخرجنا) وهذه من قواعد التدبر التي ينبغي أن نعرفها جميعًا. متى يقول الله لنخرج أو فأخرجنا؟ إذا ان يستدل على البعث والحساب والجزاء يقول الله سبحانه وتعالى (فأخرجنا) (لنخرج) وهنا يتحدث الله عن البعث والحساب والجزاء فأتى بالإخراج، ولذلك في الآيات التي في سورة ق قال الله تعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿٩﴾) أنبتنا لأنه يمتن على العباد فيأتي بالإنبات (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴿٩﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴿١٠﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴿١١﴾) بعد أن ذكر الله الامتنان في صدر الآيات ختمها هاهنا ليكون في البداية امتنان من الله على العباد بإنزال الماء وبالإنبات ثم هنا ليستدل على كمال قدرته على البعث قال (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ). إذن من القواعد إذا كان الله يتحدث عن الماء امتنانا عى عباده فيقول (أنبتنا) (ينبت) وإذا كان يتحدث ليستدل على كمال قدرة الله على البعث يقول (لنخرج) (أخرجنا)

(لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا) هذا تصوير لكيفية بعث الناس. الحبّ هو ما يقتاته الناس، أكل البشر والنبات ما ينتفع بذاته وهو ما يكون أكلًا للدواب والأنعام (أعواد النبات التي يستخدمها الإنسان في أكل الدواب والأنعام) (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا) النبات اسم للمصدر وليس مصدرا لأن المصدر (إنبات) وهذا اسم للمصدر وله أسرار عند التعبير به ليدل على مدى رعاية الله لهذا النبات وليس مجرد إنباته فقط، لا، وإنما هناك رعاية وعناية إلى أن ينبت نباتا.

(وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾) الجنات هي ما فيها من التنعم للإنسان في الدنيا بالظلال وبالثمار لأن الجنات فيها كثير أشجار وملتفة حول بعضها وتكاد تكون مترابطة متماسكة ولذلك الألفاف قيل إنه اسم جمع لا واحد له من لفظه يعني ليس له مفرد من لفظخ فكلمة (ألفاف) لا توصف إلا للشجرة، الأشجار هي التي تلتف لكن لقوة التفات تلك الجنات وصف الله تلك الجنات أنها ألفاف أي يلتف شجرها بعضها ببعض فالله تبارك وتعالى يتحدث على سبيل الامتنان أنه أنشأ الجنات الألفاف فيها تمتّع بالظلال وفيها تمتع بالثمار.

ينتقل الله تبارك وتعالى بعد ذلك إلى الحديث عن يوم القيامة بعد أن بيّن الله تبارك وتعالى تلك النعم التي هي محسوسة لكل الناس قال الله تعالى (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴿١٧﴾) قيل إن تلك الجملة استئناف بياني وقلت سابقًا عن الاستئناف البياني في البلاغة، الاستئناف البياني أن يكون هناك سؤال يثار من الكلام السابق فيتساءله الإنسان فيأتي الجواب دون أن يُسأل، ولذلك الاسئناف البياني جواب على سؤال مقدّر لم يُسأل لكنه تردد في الذهن بناء على الكلام السابق.

الاستئناف البياني: إجابة على سؤال مقدّر لم يُسأل، أنتم تستعملونه في تعاملاتكم دون أن تأخذوا بالكم، لو أحد الزملاء قال لي أحضر لي معك كتابا في اليوم الثاني أقول له ما أحضرت الكتاب قبل أن يسأل لأني عرفت أنه سيسأل بمجرد رؤيته: أين الكتاب، وأنا أبلغته أنا ما أحضرته هذا استئناف بياني.

الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾) كأن هنا سؤال إلا يشير الله بقوله (لنخرج به)؟ ولماذا يعبّر بالإخراج؟ فجاء الجواب (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) لأن في هذا اليوم الذي سيخرج الله فيه العباد من قبورهم أحياء ليسألهم في هذا اليوم، ليس مجرد الخروج وإنما خروج يعقبه فصل بين العباد ولذلك يسمى يوم الفصل. الفصل في الأصل التمييز بين الأشياء المختلطة وشاء في الاستعمال في التمييز بين المعاني أكثر بمعنى أنه فصل بين الحق والباطل في هذا اليوم كما قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١٧﴾ الحج) سيكون هناك فصل بين أهل الحق وبين أهل الباطل، هذا هو الفصل وسماه الله يوم الفصل. وسمى القرآن فصلًا (إنه لقول فصل) لأنه يفصل بين الحق والباطل حتى في فطام الطفل الرضيع يسميه الله فصالًا (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) [البقرة: 233] فصالًا يعني فطامًا لأنه يفصل الطفل بين الرضاعة وبين الفطام، فصل للطفل. إذن الفصال وهو الرضاع بالنسبة للطفل، هو رب العباد يذكر امتنانه بالرضاع أم بالفصال في آية (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) [لقمان: 14]؟ لماذا يذكر الفصال؟ ما قال وإرضاعه في عامين، لأن الله تبارك وتعالى قال (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ) مشقة على مشقة، الرضاع بالنسبة للأم لا يعد مشقة وإنما هو من أجمل الأوقات بين الأم ورضيعها لكن المشقة الحقيقية في الفصال، المشقة النفسية على الأم وإيلام الأم يوم فصال طفلها، كانت الأم يوم الفطام تعاني بل إنها تنام بعيدا عن الولد ولا تنام من بعدها عن طفلها ومن بكاء الطفل حتى إني أدركت من ترجع عن الفطام مرة أخرى وترضعه لأنها ما تتحمل لأجل ذلك كان ذكر الفصال دون الإرضاع (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا). هل التشاور أولا ويأتي بعده التراضي أم التراضي ويأتي بعده التشاور؟ بحسب فهمنا التشاور أولا لكن القرآن قال (عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا) ثم التشاور أولًا هذا في شأن الزوجين المختلفين وقت الاختلاف لأن وقت الاتفاق الأم والأب أحرص الناس على مصلحة الطفل لكن في وقت الاختلاف ربما تكون هناك أمور أخرى فالله تبارك وتعالى يشير إلى أن التراضي هو الذي يوصل إلى التشاور بين الزوجين، سيصلون إلى التشاور إنما إن لم يكن هناك تراض هو يقول يمين وهي تقول شكال حتى لو كانت تعلم أن اليمين هو الحق وحتى لو كان يعلم هو أن غير اليمين هو حق ولذلك بيّن التراضي قبل التشاور في الآية الكريمة.

التمييز بين الأشياء استعمل الله تبارك وتعالى فيه بعض الألفاظ الأخرى: استعمل التمييز نفسه (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [الأنفال: 37] وفي قرآءة (ليميز الله الخبيث من الطيب) بالتخفيف، يميّز من التمييز بين الشيئين ويميز بالتخفيف من ماز يميز وهو الفصل بين الأشياء.

وأيضا استعمل الله يوم القيامة في قضية التمييز والفصل بين الشياء وخاصة ما سيميزه في صدور العباد قال الله تبارك وتعالى (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴿١٠﴾) هذا في سورة العاديات عندما قال الله تعالى (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴿٦﴾ العاديات) جحود، وما علاقة الكنود بالجحود؟ وما علاقة الكنود بعدم ذكر النعم؟ الكنود هي الأرض التي يهيؤها صاحبها للزراعة والإنبات تمام التهيئة ويتخير لها أفضل البذر ويرويها بالماء ويضع فيها البذر إلا أنها لا تُنبت فكذلك الإنسان الله تبارك وتعالى خلقه وأعطاه أسس الهداية وأعطاه حواس الهداية التي بها يهتدي، أعطاه السمع والبصر وأعطاه العقل وأنعم عليه تبارك وتعالى ومع ذلك كان جاحدا لله مع صلاحه للاهتداء، هو صالح لأن يهتدي إلا أنه لم يهتدي فكانت هناك علاقة بين الكنود وبين الجاحد لكونه منكر الخير والنعمة فالأرض أنكرت، الأرض تعب فيها صاحبها وهيأها وأعدها ووضع فيها البذر الصالح للإنبات ومع ذلك لم تنبت الأرض فتلك هي الأرض الكنود التي كان هناك علاقة بينها وبين الجحود. قال الله (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴿٩﴾ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴿١٠﴾) ما معنى حُصّل ما في الصدور؟ أصل حُصّل تمييز بين شيئين مختلطين أيضًا وأصلها تستعمل في التمييز بين قشرة اللُبّ وما بداخلها أي شي عليه قشرة والإنسان يفصل ما بين القشر وما بداخله، هذا الفصل اسمه التحصيل، إذن وحصل ما في الصدور يعني يميز الله ما في صدور العباد من خير ومن شر ولذلك في قول الله سبحانه وتعالى (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴿٩﴾) في سورة الطارق (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴿٨﴾ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴿٩﴾) تبلى بمعنى تُختبر، الله تبارك وتعالى يوم القيامة سيختبر سرائرنا بماذا؟ هل ما تحدثنا به النفس يحاسبنا الله عليه؟ مع أن الله تبارك وتعالى قال في سورة البقرة (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) فشق ذلك على الصحابة فأنزل الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) أن يبين الله تبارك وتعالى ما فعله الإنسان في الدنيا وما نواه بمعنى الإنسان يصلي هل يصلي لله أم يصلي رياء؟ أم أنه أصابه الغرور وأصابه الإعجاب بالنفس؟ الله تبارك وتعالى هو الذي يعلم ذلك: نوايا الأفعال للعباد هي التي تُبلى في ذلك اليوم، سيبين الله ما فعلته بإخلاص وما فعلته رياء للناس وما فعلته قصدت به وجه الله فالله تبارك وتعالى هو الذي يعلم وهو الذي سيجعل للسرائر هذا الابتلاء.

أما في قوله (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ما الفرق بين كسبت واكتسبت؟ كسب هو الكسب هو الذي يكون بلا كثير جهد أما اكتسب صيغة افتعل وصيغة الافتعال هذه معناه أنه بذل جهدا كبيرا مع هذا الاكتساب ولذلك لها ما كسبت في الخير وعليها ما اكتسبت في الشر لأن النفس بطبيعتها لا تفعل الخير إلا إذا كانت الأمور ميسرة تيسيرا كاملا بمعنى الغالب من الناس يصلي الفجر إذا نام وارتاح في النوم واستيقظ قبل الأذان وسمع الأذان فقام يصلي لكن هل يتعب نفسه ويبذل المشقة للاستيقاظ لأجل الصلاة، بينما في الجانب الآخر لو قيل له هناك مكسب دنيوي أو أمر دنيوي حتى لو كان حضور مباراة أو مشاهدة مباراة يستيقظ وينام مبكرا حتى يتمكن من الاستيقاظ للمباراة وربما تنتهي المبارة قبل الأذان بعشر دقائق فينام ويترك الصلاة. إذن صيغة الافتعال في القرآن (افتعل مثل اكتسب) معناه فيها بذل جهد ومشقة في كسب الفعل. الكفار عندما قالوا (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٥﴾ الفرقان) ما قالوا كتبها، بذل جهدا في كتابتها لأنهم يعلمون أنه لا يقرأ ولا يكتب فلو قالوا كتبها سيكون كلامهم غير صادق مع أنه غير صادق لكنهم حريصون أن يكونوا صادقين. إذن هناك فرق بين كسبت واكتسبت. وتسطع وتستطع أيضًا، تسطع فيها جهد أقل، تستطع فيها بذل جهد.

إذن (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) (كان) تفيد أن توقيته متأصل في علم الله، ومعنى ميقاتا أنه مؤقت بميقات لا يتأخر ولا يتقدم وهو في علم الله تبارك وتعالى، اليوم الآخر موقت في علم الله تبارك وتعالى وموجود في علم الله كما قال الله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) [الأعراف: 187] هي موجودة لكن الله يجلّيها للعباد في وقتها، فيوم الفصل موقت بميقات معلوم عند الله تبارك وتعالى ولذلك قال الله تعالى (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿١٧﴾ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿١٨﴾ الشورى) ما معنى مشفقون منها؟ الخوف أنواع:

هناك خائف لكنه لا يعمل لإزالة الخوف

وهناك خائف يعمل لإزالة الخوف إلا أنه لا يزال خائفًا

ونحن على أبواب الاختبارات كل الطلاب خائفون، هناك طالبا خائف من الاختبار إلا أنه لا يعمل لإزالة الخوف هذا خائف

أما الخائف الذي يعمل لإظالة الخوف فهو المشفق لأن المشفق مأخوذة من الشفق والشفق هو اختلاط ضوء النهار بظلمة الليل فالمشفق خائف لكنه يعتني بإزالة الخوف، خوف مع اهتمام، هو خائف ومهتم يذاكر لكنه خائف هذا هو شأن المجتهد، طالب يجتهد ويذاكر ويحصل دروسه إلا أنه لا زال خائفا أخذ بالأسباب فهو مشفق ولذلك (وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا) متخوفون مع الاعتناء والاهتمام. إذن (وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا) وفي سورة الطور (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴿٢٦﴾) أهل الجنة يتحدثون، مشفقين يعني خائفين مع الاعتناء والاهتمام.

(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴿١٨﴾) ينفخ في الصور كما نعلم نفخة الصور الأولى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ) [الزمر: 68] ونفخة الصور الثانية (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) وبعد القيام وخروج الناس من قبورهم فيسمعون صوت الداعي فيتجهون لصوت الداعي يقول الله تبارك وتعالى (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) أفواج يعني جماعات لأن الله تبارك وتعالى يبين الأهم ويختصر الأسلوب إلى الأهمّ، لأن يوم ينفخ في الصورة فتُحيون (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) فتسيرون فتأتون أفواجا لكنه عطف بالفاء التي تفيد السرعة فقال (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) لأنه هو الأهم إشارة إلى سرعة حضورهم حتى وكأنه يحدث عند النفخ في الصور أنهم يأتون أفواجا. الأفواج طوائف وجماعات بحسب الأحوال الكافر والمؤمن أفواج أفواج وجماعات ولذلك الأفواج جمع فوج والفوج هو الجماعة من الناس فهم مقسمون إلى أفواج لكن هناك تعبير آخر وهو تعبير الوفود والوفد، الوفد لا يكون إلا لمن حضر للتكريم ولرفعة شأنه ولذلك قال تعالى (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴿٨٥﴾ مريم) فالوفد هم المتقون الذين حضروا للتكريم ويُرحّب بهم. (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴿٨٦﴾) ما علاقة الورد بسوق المجرمين إلى جهنم؟ الورد لا يستعمل إلا في سوق الحيوانات إلى مورد الماء للشرب فهم سيساقون كسوق الحيوانات، انظروا إلى الحيوانات التي يسوقها صاحبها إلى محل الماء لتشرب ولذلك قال الله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) [القصص: 23] فالورد هاهنا إشارة إلى أنهم يساقون كسوق الحيوانات (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴿٨٦﴾).

(يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴿١٨﴾ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴿١٩﴾) فتحت السماء، بناء الفعل لما لم يسمى فاعله (هذا هو التعبير الأصح عند الكلام على بناء الفعل لما لم يسمى فاعله في القرآن) بالطبع يكون الفاعل معلوما، هاهنا من الذي فتح السماء؟ إنه الله تبارك وتعالى فيبنى الفعل لما لم يسمى فاعله ليلفت الله نظرك إلى الأهم، اُنظر إلى المفتوح ولا تسأل إلى الفاتح لأن الفاتح معلوم، فتأمل ما يذكره الله من أهوال كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [البقرة: 183] الله تبارك وتعالى كتب الصيام، الفاعل معلوم ولكن الله عبر بالتعبير بالذي لم يسمى فاعله لتتأمل وتنظر في الأهم وهو المكتوب وتنفذه (كتب عليكم الصيام) فالصيام هو الأهم هاهنا وليس من كتب. إذن (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا) ويعبر الله تبارك وتعالى عن فتح السماء بالفعل الماضي للإشارة إلى تحقق وقوعه حتى وكأنه قد وقع وحصل فقال (وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا) لأن السماء فتحت بمعنى انشقت لتتنزل الملائكة كما قال الله تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا (25) الفرقان) (فَكَانَتْ أَبْوَابًا) أي كانت كالأبواب وفي قرآءة (وفتّحت) بالتشديد والتشديد يفيد التكسير والتكسير هاهنا إما لتعظيم أمر الفتح وإما لقوته، أي تفتّ؛ أبواب فتفيد قوة الفتح أو عظمة الفتح بقرآة التشديد.  

(وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾) الجبال نتوقف معها قليلا لأن هؤلاء المكذبين بالبعث كانوا يرون عظمة الجبال ويرون أن تلك الجبال شيء عظيم عندهم ولذلك (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ طه) وهذا موضع السؤال الوحيد الذي أتى فيه مع (قل) بالفاء قيل لأن هذا السؤال لم يكن قد وقع وإنما قال الله له إن سألوك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا. فالجبال ذكرها الله تبارك وتعالى في مواطن متعددة وذكر فيها أهوالا عظيمة تحدث يوم القيامة، تلك الأهوال وتلك الجبال إلى آخره هذا ما سنتكلم عنه في لقائنا القادم بحول الله وقوته وسنتوقف هاهنا.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل