دورة تدبر القرآن - د. محمود شمس - أكاديمية جمعية تاج - المحاضرة السابعة

دورة تدبر القرآن

د. محمود شمس

أكاديمية جمعية تاج للتعليم عن بعد.

تفريغ سمر الأرناؤوط - موقع إسلاميات حصريًا

المحاضرة السابعة: تفسير سورة النبأ - 3

كنت قد تكلمت في ختام اللقاء السابق على أمر التشبيه وكنت توقفت عند آية، وكنت أتكلم أن التشبيه إلحاق أمر مجهول بأمر معلوم في وجه شبه ما حتي يتبين المجهول وقلت أن هناك من يرى أن في القرآن الكريم تشبيه مجهول بمجهول وهو في قول الله تبارك وتعالى (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) الصافات) المشبّه طلع الشجرة، المشبّه به رأس الشيطان ويرون أن طلع الشجرة مجهول وكذلك رأس الشيطان مجهول مما دعا البعض إلى أن يصد عن القرآن تلك الشبهة إلا أنه فعل شيئا أخطر وكان على رأسهم الزمخشري المفسِّر فهو يقول بأن هناك في كلام العرب ما هو تشبيه مجهول بمجهول وطالما أن في كلام العرب تشبيه مجهول بمجهول فهذا في القرآن من هذا الباب وأتى بقول بعضهم:

أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ومسنونة زرقٌ كأنياب أغوال

واحد يتحدث عن سيفه فيقول هل يستطيع أن يقتلني وسيفي ينام معي في حضني وهذا السيف مسنونة زرق كأنياب أغوال، فقد شبه هذا السيف بأنياب الغول والغول كما نعلم شيء مجهول خيالي غير موجود أصلًا، الغول ليس هناك حيوان اسمه الغول وإنما هذا التشبيه قائم على الوهم والخيال لأن الناس متوهمون أن هناك نوع من الحيوانات يسمى الغول وهذا النوع أسنانه فيها قوة، لم يرد نص صريح نعتمد عليه أن الغول نوع من الجنّ لكنه حتى كانوا يخيفوننا بهذا الغول ونحن صغار، كانوا يقولون نَم وإلا سآتيك بأمّنا الغول، هو حيوان لا وجود له. إذن هذا الحيوان أو هذا التشبيه قائم على الوهم والخيال فيقولون إذن طلعها كأنه رؤوس الشياطين نجعله قائما على الوهم والخيال وحاشا للقرآن الكريم أن يكون فيه شيء قائم على الوهم والخيال. ما الإشارة في هذا الموضوع؟

أولا المعلوم في الشيء على نوعين: إما أن يكون معلوما حقيقة وإما أن يكون قد استقر الذهن علي، هناك معلوم نسميه المعلوم الذي استقر الذهن عليه. مثلا معلوم أن الشيخ فلان هو الشيخ الأول على العالم كله في علم القرآءات قم أذكر لكم أحد العلماء في القرآءات فتقولون لي: هو كالشيخ فلان؟ الشيخ فلان أنتم لم تدرسوا عليه ولم تعرفوه لكنه أمر استقر في ذهنكم أنه أعرف الناس فالذي استقر في الذهن يكون معلوما أيضًا لذلك النسوة اللاتي قطعن أيديهن في قصة يوسف عليه السلام (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف: 31] ما الذي جعلهم يعرفون أن الملك كريم؟ لأن الذي استقر في ذهن الناس أن الملك كريم واستقر في ذهن الناس أن أقبح المخلوقات إنما هو الشيطان ولذلك عندما أراد الله أن يشبه طلع الشجرة في قبحها وتناهيها في القبح فلم يجد إلا رأس الشيطان الذي أجمع الناس على قبحه وتناهي قبحه على مر الأزمان وعلى مختلف الأماكن، في كل زمان وفي كل مكان الناس متفقون على أن أقبح مخلوق هو الشيطان فلما أراد الله أن يصور طلع تلك الشجرة بأقبح شيء مستقر في أذهان الناس فشبهه برأس الشيطان إذن هو من المعلوم الذي استقر في الذهن وليس من الأمر المبني على الوهم والخرافة كما يزعمون وليس تشبيه مجهول بمجهول إنما هو تشبيه مجهول بمعلوم مما استقر الذهن عليه، هذا معلوم لأن الذهن استقر عليه.

نأتي لقضية التشبيه، التشبيه له أركان: المشبه، المشبه به، أداة التشبيه، وجه الشبَه. عندما أقول فلان كالقمر في استدارة الوجه، محمد كالقمر في الضياء مثلا، محمد هو المشبه والقمر المشبه به والكاف هي أدلة التشبيه، و(في الضياء أو استدارة الوجه) هو وجه الشبه. وقلت أن الله تبارك وتعالى لم يذكر وجه شبهٍ في القرآن أبدًا، يذكر التشبيه ويحذف منه وجه الشبه حتى يكون التشبيه صالحا لكل زمان ومكان بحسب مفاهيم الناس حول هذا التشبيه.

أحيانا يذكر التشبيه وفيه أركانه الأربعة، هذا يسمى التشبيه المفصّل. المفصل هو التشبيه الذي ذكرت فيه جميع أركان التشببيه.

إذا حذفنا وجه الشبه يسمى التشبيه المجمل، حذف فقط وجه الشبه لكن المشبه والمشبه به والأداة مذكورة

إذا حذفنا وجه الشبه والأداة فهو التشبيه البليغ (الْأَرْضَ مِهَادًا) يعني الأرض كالمهاد لكن حذفنا وجه الشبه وحذفنا أداة التشبيه وهو موجود في القرآن الكريم بشكل كبير وسيقابلنا كثيرا في الآيات.

إذن (الْأَرْضَ مِهَادًا) تشبيه بليغ لأنه لا يصح أن أخبر عن الأرض بكونها مهاد، إنما هو تشبيه بليغ، هذا معنى قول الله تبارك وتعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾) وقلت بأن الاستفهام هاهنا تقريري ودخلت (لم النافية) لتأكيد هذا التقرير لأن المقصود من هذا الاستفهام هو إثبات جعل الأرض مهادا وليس النفي.

ولما ذكر الحق تبارك وتعالى بعد ذلك (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾) أي جعل الله الجبال أوتادا. الوتد عود يدق في الأرض لتشد به الخيمة، هو الذي تقوم عليه الخيمة التي يصنعها الإنسان. إذن الجبال أوتاد الأرض أي تلك الجبال بها استقرار الأرض ولذلك قال الله في آيات أخرى (وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) [لقمان: 10] أي أن لا تميد بكم، أن لا تضطرب بكم. إذن الجبال أوتادا.

إذن الله تبارك وتعالى ما خلق أيّ مخلوق عبثا أبدًا وإنما خلق كل مخلوق لحكمة. لماذا ذكر الله بأن الجبال أوتادا بالنسبة للأرض؟ لأن قول الله تعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) قد يفهم البعض أنه قد يتناقض مع وجود الجبال؟ هل الجبال يتناقض وجودها مع كون الأرض مهاد؟ لا، لا يتناقض لأن للجبال مهمة خاصة والجبال ليست في كل الأرض وإنما وضعها الله بحكمة معينة حتى تجعل الأرض مستقرة للناس إذن (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا).

من نعم الله التي يمتن بها على العباد أنه يقول (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾) خلقناكم معطوف على (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا). (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) هناك أسلوب فيه استفهام ونفي، هناك أراد الله أن يثبت أن الأرض مهاد ويثبت ذلك بأسلوب الاستفهام التقريري حتى يُخضع الناس للإقرار بذلك. الاستفهام التقريري معناه لا يمكن أن يهرب منك المخاطَب. إذن الله تبارك وتعالى يلزم المخاطب بالإقرار بذلك فيأتي بهذا الاستفهام التقريري.

الاستفهام التقريري يقابله الاستفهام الإنكاري. الاستفهام التقريري يميزه الأسلوب والسياق. عندما أقول أأنت فعلت كذا؟ السياق يحدد إذا كنت قاصدا أنك ينبغي أن تقرّ بذلك أو أني قاصد أن أُنكر عليك، السياق يحدد لي هل الاستفهام للتقرير أم الاستفهام للإنكار. فعندما نقرأ (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) لا أحد يقول أنه استفهام إنكاري لأن الله تبارك وتعالى يريد من المخاطب أن يقرّ بأنه قد جعل له الأرض مهادا.

(وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾) كيف عطفنا (خلق) وهو فعل ماض على (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ) وهو فعل مضارع منفي؟ لأنه وإن كان مضارعا منفيا إلا أنه بمعنى الماضي لأن (لم) عندما تدخل على المضارع فإنها تحوّل زمنه من الحال والاستقبال إلى الماضي ولذلك يسمونها (لم) حرف نفي وجزم وقلب لأنها تقلب زمن المضارع إلى الماضي وبالطبع يريد الله تبارك وتعالى هاهنا أن يثبت أنه خلقهم أزواجا لكنه ما أراد التقرير بهذا لأنه أمر مقرر لا يحتاج لتقرير وعبّر هاهنا بالخلق لأنه تكوين ذواتهم من الأصل يعني لم يخلقهم ثم جعلهم، لا، تكوين خلق الإنسان في ذاته أنه ذكر وأنثى وتكوين المخلوقات كلها كما أخبر الله تبارك وتعالى.

أيضًا (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾) سباتا من السبت والسبت هو القطع عن الحركة والسُبات هو أيضًا يعطينا معنى النوم، لكن هل أراد الله تبارك وتعالى أنه جعل نومنا نوما؟ لا، هو يريد أن يقول أني جعلت نومكم قطعا عن الحركة وعن الجهد الذي تبذلونه فأنت عندما تنام فقد انقطعت، هو بمعنى الراحة، جعلنا نومكم راحة لأنه يقطعكم عن حركة الحياة. والنوم سبحان الله من آيات الله فيه أنه إذا زاد على حدّه يتعب الإنسان وإذا قلّ يُتعب الإنسان وإذا هجرك النوم لا تستطيع أن تأتي به مهما فعلت وإذا أتاك لا تستطيع أن ترده مهما فعلت (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ) [الروم: 23] ولذلك أثبت العلماء أن أنفع النوم للإنسان هو الذي يكون بمقدار الحاجة ولذلك أنت تنام سواء ساعات متعددة أو اقل أو أكثر وفجأة تجد نفسك قد استيقظت لأنك قد أخذت كفايتك. النوم سبات أي أنه نوم نافع لك لأن دوامه من أضر الأشياء وكونك تنام ولم تنقطع عن الحركة معناه ما ارتحت ولذلك يقولون الإنسان يتعب ويشقى ينام يقوم بقوة جديدة سبحان الله مهما كنت في تعب يعطيك ربي قوة جديدة عند الاستيقاظ من النوم (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا)

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾) هذا أيضًا تشبيه بليغ. كلمة لباس تعطي معنى الستر والوقاية والحفظ والرعاية والعناية فهذا كله تحت كلمة لباس ولذلك رب العباد مما امتن به على العباد أنه أخبرهم أنه أنزل عليهم نوعين من اللباس (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: 26] هو الأهم. لباسا يواري سوءاتكم أي يستر عوراتكم وريشا ما يلبسه الإنسان زيادة فوق ستر العورة، الإنسان يلبس ملابسا لستر العورة ثم بعد ذلك يلبس الملابس الزائدة للتزين هذا ذكره الله في (وريشا) والأهم (لباس التقوى) جعل الله التقوى لباسًا للإنسان لأنها تستره وتقيه وتحفظه وهي الأهم ولو تدبرنا لأدركنا أنها هي المرادة هاهنا في الإنزال (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا) هل هناك إنسان يقصّر في هذا اللباس الحسّي؟ أبدا، كل الناس تلبس لكن لباس التقوى هو الأهم، لباس التقوى هو الذي ينبغي أن ينتبه له الإنسان. فالله جعل الليل لباسا بمعنى جعله سترا ووقاية وحفظًا لأن الإنسان في الليل الجو مظلم وكل إنسان يجلس في بيته ويتهيؤ لنومه إلى آخره. إذن (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) والله تبارك وتعالى قال هاهنا (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا).

(وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾) النهار معاش يريد الله أن يدلل على دقة صنعه وإحكامه في أن جعل النهار حركة وسعي للمعاش، الإنسان يتحرك بالنهار ويسعى على معاشه ومعاش أولاده فهي حياة. إذن (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) قيل تحتمل معنيين اثنين:

·         أي جعلنا النهار حياة لكم

·         وجعلنا النهار معيشة لكم

إذن الله تبارك وتعالى يمتن على عباده أنه جعل النهار معاشًا.

من نعم الله على العباد ولذلك رب العباد عندما ذكر أمر قيام الليل في سورة المزمل قال الله تعالى (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) [المزمل: 6] أي أن النفس التي تقوم من فراشها ليلا هي أشد إخلاصا لله لأنه ما ترك فراشه الدافئ ولا ترك النوم المريح إلا ليقوم لله تبارك وتعالى متعبدا حقيقة (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴿٦﴾) الله تبارك وتعالى عندما ذكر ذلك في سورة المزمل وقال (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) لأنهم يتركون النوم المريح ويتركون الفراش المريح ويقومون لله متعبدين ولذلك عندما ذكر الله صفات المتقين المحسنين في القرآن في سورة الذاريات (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٥﴾ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿١٦﴾ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ الذاريات) أول صفة لهم. ما معنى تلك الآية (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴿١٧﴾ الذاريات) يعني كانوا كثيرا من الليل ما يقومون فيتعبدون. الأولى أن يمدحهم الله بكثرة تعبدهم في الليل أو بقلة نومهم في الليل؟ عندما يريد الله أن يمدحهم أما كان يمدحهم بكثرة القيام والتعبد؟! لا، لأن الله يريد أن يخبرنا بأمر أنك إذا أردت أن تنجح في مجاهدة نفسك فعليك التنازل عن رغباتها، فليجبرها على أن تتازل عن المباحات التي تحبها، معنى ذلك أنهم تنازلوا عن رغبة النفس بالنوم. (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴿٦﴾) تأملوا الجملة التعليلية بعد ذلك (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴿٧﴾) هذه جملة تعليلية يعلل الله الأمر السابق فيقول أنت ايها الإنسان لك في في النهار سبح طويل، ما السبح؟ السبح هو الجري السريع في الماء ومنه السباحة. إذن الله يخبرنا أن الإنسان بالنهار عنده مشاغل كثيرة، أنت طول النهار تجري وتبحث عن أكل عيشك أنت وأولادك يكفيك أن تصلي الفرائض والسنن الرواتب، لكن اين وقتك مع ربط؟ إن لم تجعل لنفسك وقتا مع ربك ليلا فلن تنجح في مجاهدة نفسك أبدًا. إذن (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾) أي معيشة أو حياة لكم.

(وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾) بعض الناس يتحيرون في ذكر كلمة (فوقكم) قال الله (وبنينا) ما كان هناك ضرورة أن يقول (فوقكم) لأن البناء منه ما هو حسي ومنه ما هو معنوي، بناء حسي وبناء معنوي فبناء السماء وإن كان مشاهدًا حسيًا إلا أنه دون عمد نراها ونعرفها في حياة البناء فكلمة (فوقكم) هي التي حددت هذا المفهوم أن بنينا ليس البناء الذي تعرفونه القائم على أعمدة والقائم على قواعد القائم على أسس الله تبارك وتعالى رفع فوقكم تلك السماء التي هي سبع شداد. إذن (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) سبعا وشدادا، السبع عدد السموات، المعدود محذوف وشدادا صفة لسبعا وهنا حذف الله الموصوف وهي كلمة سموات أي سبع سموات شدادا حذف الموصوف وأبقى الصفة وهذه لها قاعدة عندنا تنفعنا جميعا في التدبر وهي: متى يحذف الموصوف وتبقى الصفة تدل عليه؟ هل نحذف الموصوف في كل الأحوال والأمور أو كما نشاء؟ لا، له ضابط. متى نحذف الموصوف ونبقي الصفة دالة عليه؟ إذا أصبحت الصفة سجية وعادة وطبيعة في الموصوف لا تفارقه لغيره يعني لو أن لكم شيخا واحدا ليس بالضرورة أن تقولوا الشيخ فلان وإنما من الممكن أن نقول الشيخ لم يحضر الشيخ حضر الشيخ سيتأخر وكلنا يعلم من هو الشيخ لأن صفة الشيخ لزمته لا تطلق على غيره ولذلك سننتقل إلى التدبر بهذا المفهوم.

الله تبارك وتعالى دائمًا يذكر (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الصالحات هذه صفة لموصوف محذوف وليست هي المفعول، بعض الناس يخطئون ويظنون أنها مفعول للفعل (عمل) لا، هي صفة لموصوف محذوف "وعملوا الأعمال الصالحات" لكن لما كان عملهم صالحا صلاحا كاملا واصبح سمة في أعمالهم فحذف الله المصوف وابقى الصفة دالة عليه كأن هذا يعطينا مفهومًا هو أن الله يريد منا العمل الصالح صلاحًا كاملًا وعندما استثنى صفات الناجين في سورة العصر قال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الناس يقرأونها ويمرّون، نقول عملوا الصالحات يعني كانت أعمالهم كلها صالحة لا يعرفون إلا العمل الصالح لكي تكون من الناجين. إذن العمل الصالح حذف الله المعمول المفعول هاهنا الموصوف وأبقى الصفة دالة عليه ولذلك لم يذكر الله العمل كموصوف مع الصلاح في القرآن الكريم إلا في موضعين اثنين: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا) في القرآن (عمل صالحا) وهنا (وعمل عملا صالحا) لأن هذا التائب عنده شرك وعنده قتل وعنده زنا فبما أنه تائب من كبائر لا يمكن أن يتصف عمله بالعمل الصالح دفعة واحدة وإنما يحتاج إلى تدرج ولذلك هذا ينفعنا في الدعوة إلى الله بمعنى أنك إذا انتشلت صديقا مما كان ينغمس فيه (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿٦٨﴾ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴿٦٩﴾ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) [الفرقان] (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ) إذن هذا تائب من كبائر فالله تبارك وتعالى يشير إلى أنه لا بد من ذكر المفعول معه لأن عمله لا يمكن أن يصل إلى درجة الصلاح الكامل لذلك قال بعدها (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴿٧١﴾ الفرقان) لأنه أصبح كغيره من الناس يدخل في دائرتهم بعد ذلك، هو أولا تاب وآمن وعمل عملا صالحا ثم بعد ذلك تاب وعمل صالحا.

الموضع الثاني في آخر سورة الكهف (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110] لا بد أن يتحرى في كل عمل أنه صالح وطالما أنه يرجو لقاء ربه وهذا الرجل سيخرج من دائرة الشرك فأيضًا لا بد أن يعمل عملا صالحا لأن عمله لن يتصف بالصلاح الكامل. التائب من الذنب يجاهد نفسه بقوة في تلك التوبة قد تميل نفسه إلى العودة إلى هذا الذنب ولو قليلا وقد تميل نفسه إلى بعض الأمور التي تتعلق بهذا الذنب وقد يتخيله وقد يسارع في الصلاة حتى يتفرغ، لا يمكن أن يتصف عمله بالصلاح الكامل لأنه يحتاج إلى تدرج. كيف نستثمر هذا في قضية الدعوة: لو انتشلت أخًا من أمر ما من المعاصي وأخذته معك يحتاج منك إلى متابعة ويحتاج منك إلى أن تعينه على نفسه بمعنى أنه قد تجره نفسه إلى تلك المعصية مرة أخرى وكثير من الناس من يعود إلى ذنوبه وغلى معاصيه وإلى ا كان عليه فهو يحتاج إلى مساعدة وإعانة ومصاحبة. إذن حذف الله الموصوف هاهنا في قوله (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) لقوة السموات السبع ولشدتها ولوصفها بالشدة والقوة ووجود الشدة والقوة فيها بقوة.

(وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾) السراج الوهاج هو طبعا الشمس جعلها الله في السماء وهي مناسبة هاهنا وسراج وهاج لأنها تعطينا ضوءا وحرارة فهي السراج الوهاج ولذلك تجد في كل مواضع السراج دلالة على أن المراد الشمس إلا الموضع الذي وصف الله نبيه صلى الله عليه وسلم قال (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴿٤٦﴾ الأحزاب) النبي صلى الله عليه وسلم سراج منير وليس وهاجا وهذا يعتبر من دقة التعبير القرآني أيضًا.

(وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾) المعصرات هي السحاب، السحب عاصرة أم معصرة؟ السحب عاصرة فلم قال الله المعصرات؟ عاصرة تكون من عَصَرَ ومعصرة من أعصَر. هذه الهمزة التي دخلت على عصر فجعلتها أعصر يسميها العلماء همزة الحينونة والتوقيت يعني أن السحب لا تملك أن تنزل الماء وحدها ولا تتخير هي المكان ولا تتخير الزمان بل هي مؤقتة بميقات محدد رب العباد وقّتها بميقات في التوقيت الفلاني تنزل الماء في المكان المائي وتنزله لفترة كذا، وهذه الأيام سبحان الله تنزل عندنا أمطار كثيرة من الممكن أن تنزل في حيّ من الأحياء ولا تنزل في حي آخر. الله سبحانه وتعالى يوقّتها (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) بهمزة الحينونة والتوقيت أي أن السحب لا تملك أن تعصر وحدها. عاصرة من عصر أي أنها تعصر وحدها دون تدخل من أحد، معصرة من أعصر يعني هناك من يجعلها تعصر في هذا التوقيت، هناك من يجعلها تنزل الماء في هذا التوقيت إذن هي معصرة لأنها مؤقتة بميقات محدد من رب العباد لا يمكن أن تتخلف عنه حتى الأماكن محددة هذا من اسرار التعبير القرآني (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) ولم يقل عاصرات.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل