دروس تربوية من القرآن الكريم - (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) 2 - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ الأخت رحاب محمد – موقع إسلاميات

الحلقة السادسة: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) - 2

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) معلم نحتاج أن نقف معه من المعالم القرآنية في تربية بناة الأجيال ماذا يمكن ان يستفاد من هذا اللفظ الذي أحد معانيه - وهو ما رجّحه خاصة الذي عليه المتقدمون والسلف من المفسرين - أن المراد أن فؤاد أم موسى عليه السلام ورحمها الله أصبح فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام لتعلقها به وخوفها عليه وعلى مصيره وإن كان الله عز وجل قد وعدها بأنه سيعود إليها ولكن يبقى أن الأم شديدة التعلّق بالولد فتخاف عليه وتحرص على أن يكون بين يديها وأمام ناظريها.‏

يمكن أن يقال في تنزيل هذه الآية وما دلت عليه في تربية الأمهات أنه ينبغي للأم الحريصة الشديدة الحرص على ابنها أن تفرغ قلبها لابنها وأن يكون همها وشغلها وتفكيرها دائماً في هذا الإبن، كيف تربيه؟ كيف تنشؤه؟ كيف تصلحه؟ كيف تعتني به؟ كيف تحافظ عليه من كل شيء من شأنه أن يؤثر على تربيته وعلى تكوينه وعلى سلامته.‏

وهذا المعلم ابتداء قد يكون هو الأصل في الأم لكننا عندما ننظر إلى واقع الأمهات الآن سنجد أن الشواغل كثيرة والاهتمامات متنوعة خاصة مع تعقد أمور الحياة وكثرة المشاغل فيها فصارت الأم تنجب ولا شك أن ابنها هو أهم شيء بالنسبة لها لكنها في خضم الحياة وفي معترك هذه الحياة تشتغل بأشياء كثيرة فيصير عندها اهتمام بعملها بوظيفتها - وهذه قد تكون أشياء أحياناً لا بد منها - لكن عندما تعطى أكبر من حجمها أحياناً مع الأسف الشديد بسبب جهل الأمهات وقلة علمهن ووعيهن يصير عندهن اهتمام بأشياء قد يقال أنها أشياء شكلية أشياء تافهة أشياء لا تليق بالأم العاقلة!.‏

نحن نتكلم عن واقع، والواقع إذا أردنا أن نعالجه لا بد أن نكون صريحين في الحديث عنه، لا بد أن نضع اليد على الجرح. لما نذهب إلى الأسواق مثلاً أو نتابع أحوال الأمهات فإننا سنجد أن الكثير من الأمهات مع الأسف الشديد يشغلن أنفسهن بأشياء كثيرة يعني قد تشغل المرأة نفسها ببيتها من حيث الشكل والأثاث وما تعدّل فيه وما تغيّر أكثر من إهتمامها بابنها هذا واقع. قد ‏تشغل نفسها بالذهاب إلى الأسواق وتتبع الموضات وتغيير أشياء كثيرة من الشكليات من الأمور التي تحتاج إليها وقد تكون الحاجة غير ماسة أكثر من اهتمامها بابنها حتى إننا نسمع ان من الأمهات من تخرج يمكن أن تكون موظفة في الصباح ولا تأتي إلا في الظهر ثم تنام إلى العصر وقد يمتد النوم إلى المساء ثم تخرج المساء إلى هنا أو هناك، ونسمع أن بعض الأمهات يمكن أن تذهب إلى السوق في الأسبوع أكثر من مرة مع الأسف الشديد وقد تتواعد مع زميلاتها في استراحة أو في مكان ما أو في السوق ليلتقين وقد يذهبن إلى بعض الصديقات أو بعض الجارات ويكون اهتمامن بأشياء كثيرة وآخر شيء تفكر فيه هو هذا الابن للأسف الشديد وهذا واقع إلا من رحم الله من النساء الأمهات العاقلات اللآتي يجعلن اهتمامهن الأول بالأولاد -وهذا سنهتم به في معلَم آخر-.

لكن نقول أيتها الأم المباركة الحريصة العاقلة اِجعلي فؤادك فارغاً من كل أمور الدنيا إلا ما يرضي ربك ويكون له صلة بأبنائك لأن هؤلاء الأبناء هم شغلتك الأولى ومهمتك الأولى فلا تنشغلي عنهم بالأشياء الأخرى، خذي هذا قاعدة: اجعلي همك في ابنك كيف تربينه؟ كيف تحرصين عليه كيف تطورين نفسك في التربية؟ كيف تتلافين الأشياء التي يمكن أن نخطئ فيها في التربية؟ هذا معلم مهم جداً. ويؤسفني أن أقول أن كثير من الأمهات حتى وإن كانت متعلمة وعندها مستوى عالي إلا أنها في مقام التربية تجهل كثيرًا من الأشياء مع الأسف، وقد تعلم ولكنها لا تجيد مهارة التطبيق لأنها كثيرة التضجر سريعة الانفعال فلا تطيق التربية ولذلك تظهر ‏عندنا مع الأسف الشديد إيكال التربية إلى غيرنا: إلى العاملات في المنزل، إلى المربيات، إلى الشارع، إلى الإخوة، الأم تشرف من بعيد لكن ابنها ليس هو همها الأول!

فنقول إن من أهم المعالم في تربية الأبناء وإنشاء الأجيال تنشئة صالحة ليكونوا على مستوى عالي من الوعي والفهم والتأثير في المستقبل أن تهتم الأم بابنها اهتماماً كبيراً، الاهتمامات الدنيوية أوكليها إلى الأب هو سيقوم بهذه الأمور، والله عز وجل قد جعل لكل أحد مسؤولية فالأب مسؤول عن ما خارج البيت وهو الذي يتكفل بجلب الأشياء التي نحتاج إليها، هو الذي يطلب الرزق، هو الذي يهتم بأمور المعيشة والمعاش خارج البيت، لكن أمور البيت وتربية البناء هي مسؤوليتك الأولى خاصة في المرحلة الأولى من عمر الطفل.‏

إذاً (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) هذا ما أخبر الله به وان أم موسى صارت مهتمة بابنها حريصة على معرفة أحواله مهتمة بشؤنه فكذلك ينبغي لكل أم أن يكون همها الأول بعد رضا الله سبحانه وتعالى كيف تنشئ هؤلاء ‏الأجيال كيف تربيهم؟ كيف تطور نفسها؟ لأن هناك كثير من الأمهات مستواهن ضعيف جداً، فكيف يتصور من هذه الأم التي مستواها ضحل معرفتها قليلة لو ناقشتها في كثير من مبادئ التربية ما تتقن هذه المبادئ؟! هل تتصورون أن هذه الأم ستنشئ رجلًا له شأن في المستقبل أو امرأة لها شأن في المستقبل؟! لا أظن ذلك. فلو أن فؤادها أصبح فارغاً من كل شيء إلا من الاهتمام بأولادها لصار لها شأن كبير وطورت نفسها وقرأت ما ينفعها حضرت من الدورات ما يعينها على تربية ابنها، استمعت، سألت، لأن الإنسان لما يهتم بالشيء سيكثر من ذكره والحديث وسيكثر من السؤال عنه. تأملوا أسئلة الأمهات يسالن عن أشياء كثيرة إلا ماذا أفعل مع ابني؟ كيف أربيه؟ كيف أصنع به؟ يعني هذه المسألة مهمة جداً نحتاج إليها مع أنها موافقة للأصل لكن في خضم الحياة وفي خضم اشتغالنا بالأمور المشغلة حتى من الغرائب أن الأم قد تكون مشغولة بجوالها بين يديها وبالشاشة التي أمامها أكثر من ابنها! همّها في برامج المحادثات والابن جالس، لا اهتمام ولا تربية مع الأسف الشديد!.

نختم هذا المعلم ونؤكد أن هذه الآية هذا التعبير القرآني العظيم الوجيز البليغ (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) هو في مقام الثناء على الأم في مقام ذكر حال هذه الأم العظيمة التي انشأت وربت هذا الابن العظيم الذي صار أكبر مصلح في زمانه عليه السلام موسى من أولي العزم من الرسل كان وراءه امرأة أخبر الله عنها بأن فؤادها فارغ من ذكر كل شيء إلا من الاهتمام بابنها موسى عليه السلام.

أسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأن يصلح الأمهات وأن يوفقهن للقيام بمسؤولية تربية الأبناء وأن يجعلهن يقمن بتربية أبنائهن على أكمل وجه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  

رابط الحلقة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل