دروس تربوية من القرآن الكريم - (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) 1 - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

الحلقة الخامسة: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) - 1

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، أسأل الله جلّ وعلا أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا وهمومنا.

ولا يزال الحديث موصولًا عن تربية القرآن لبنُاة الأجيال. وبناة الأجيال أصناف مختلفة أولهم كما مر معنا هي الأم لأن الأم حتى من حيث الدلالة اللغوية هي الأصل، فأول مربية بالنسبة للإنسان منذ نشأة هذا الإنسان وولادته –كما لا يخفى على الجميع - هي الأم وقد تكلمنا في لقاءات سابقة حول بعض المعالم التي استقيناها من القرآن العظيم تتعلق بكيف تقوم الأم بمسؤولية التربية على أكمل وجه وذكرنا منها ما دلّ عليه قول الله تعالى في سورة القصص (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧﴾ القصص) فذكرنا أهمية تهيئة الأم وتعليمها أصول التربية ومبادئ التربية وتذكيرها بهذا الأمر وبأهميته ثم تكلمنا عن المعلم الثاني وهو (أن أرضعيه) وأهمية الرضاعة – ومن باب التذير بما مضى وإضافة ما يتعلق بهذا المعلم فإنه لا شك أن إرضاع الأم لولدها له الأثر الكبير في تنشئته وفي نجابته في المستقبل وفي استقراره واطمئنانه وتكامل شخصيته. حتى أنه من لطيف الفوائد في هذا المجال أن العرب كانوا يقولون إذا استحسنوا شيئًا وأُعجبوا به من أحد فيقولون "لله درّه" وهذه كلمة مدح وإعجاب واستحسان والمقصود بالدرّ هنا "اللبن" يعني "لله دره" لله اللبن الذي رضعه هذا الرجل فصار بهذه النجابة وبهذا المستوى من الذكاء والمدح. وهذا يدل على أن العرب كانوا يعون أهمية تأثير اللبن على سلوك الإنسان وعلى عمله لأن الدرّ يطلق على العمل وعلى اللبن الذي هو الأصل فالدرّ هو اللبن فيقصد العرب أن الأم لها الأثر الكبير في نجابة هذا الرجل وفي وصوله إلى ما وصل إليه من المدح حتى يقولون في المدح "لله دره". وهذا له أثر كبير وهو نظرة المجتمع أهمية الأم في بناء الرجال خلافًا لما يشاع عند بعض الجاهين أو بعض الذين عندهم سوء نظر في هذا الباب فيقولون أحياًنا إذا أساء الرجل أو كان عنده خلل يقولون باللهجة الدارجة: تربية حريم أو تربية نسوان وكأنهم ينتقصون التربية التي تقوم بها النساء وهذا لا شك من الجهل بينما العرب كانوا يقولون لله دره يثنون على الأم التي أرضعته وربته هذه التربية المهمة. فعلينا أن نستشعر هذا الأمر وأن له الأثر الكبير وأن نعود إلى هذه الأمور التي دل عليها القرآن وهي التي توافق الفطرة وتوافق طبيعة الإنسان أن يكون هناك علاقة كبيرة جدًا بين الأم وابنها حتى إن من الطرائف في هذا أن الشيخ صالح الفوزان وفقه الله وهو يعلق في أبواب الفقه على ما نبه عليه الفقهاء من تأثير لبن الأم على نجابة الطفل - فكان يقول معلّقًا وهذه لفتة تحتاج إلى وقوف - قال ولما كان أكثر الناس الآن يرضعون من الحليب الصناعي الذي هو في الأصل مستمد من البقر – هذا إذا كان مستمدًا من البقر - صارت في أكثرهم طباع الحيوانات ولا حول ولا قوة إلا بالله لأن للحليب أو اللبن الذي يُرضع الأثر الكبير على تكوين الإنسان ولذلك يأتي أهمية استشعار الوالدة لإرضاع ولدها وكان العرب يحرصون على ذلك أشدّ الحرص.

وكان المعلم الثالث الذي ذكرناه هو (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) أهمية إلقاء الطفل في الحياة ليعارك بنفسها مصاعبها. وأخيرًا (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) يمكن أن يقال أيضًا تتمة لهذا المعلم (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) أن نربط بين ما ينبغي أن تقوم به الأم وما توصلت إليه التربية الحديثة ومناهج التربية الحديثة في بناء التكوين العلمي والتكوين التربوي للإنسان من الأشياء التي يذكرونها في التربية أن العملية التربوية تنجح إذا حددنا الهدف النهائي أو ما يسمونه بالوصف النهائي لهذا الإنسان أو وصف المنتج. عندنا (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) هذا يمكن إن صحّت التسمية وصحّ الربط بينه وبين المبادئ التربوية الآن هو الوصف النهائي للمنتج يعني ماذا يريد المربي عندما يربي رجلًا أو يربي إنسانًا؟ لا شك أنه يريد هدفًا نهائيًا يسمونه في التربية الكفاية أو الوصف النهائي لهذا الشيء. وصف المنتج وُصِف في القرآن (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) فلا بد أن يُراعى عند تربيته المعايير التي لا بد من تحققها فيه حتى يكون من المرسلين. الأم لما يكون عندها وصف نهائي لهذا الابن، ماذا تريده أن يكون، أن يكون عالمًا، أن يكون قائدًا، يكون أي مهمة تحرص الأم أن يصل ولدها إليها فإنها سيكون هذا داعيًا لها للبحث عن المعايير الضرورية حتى يصل إلى هذا الأمر. فيحسُن بأهل التربية أيضًا أن يحرصوا على تأصيل أو استمداد كثير من القضايا التي هي صحيحة ولها أثر كبير في نجاح العملية التربوية من القرآن الكريم.

سأذكر معلَمًا آخر من المعالم القرآنية في تنبيه الأم على القيام بالمسؤولية التي أنيطت بها وهي أعظم مسؤولية قال الله تعالى في سورة القصص بعد أن ذكر ماذا حصل لموسى عليه السلام (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴿٨﴾ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾) قال الله عز وجلّ (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠﴾ القصص) هذه الآية الثانية في أم موسى، ماذا يمكن أن نأخذ من هذه الآية الكريمة من المعالم؟ وأنبّه بأن هذه المعالم ليست تفسيرًا حتى نقول لا بد أن نضبط هذه الآيات بما قاله العلماء نحن نستمد ما نقول من إيحاءات الآية ومما أشارت إليه الآية وأحرص أشد الحرص على أن لا آتي بشيء يخالف تفسير الآية وإنما نستمد من هذه الآيات ما يمكن أن نوظفه في هذا الموضوع المهم.

(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) لما نعود إلى أقوال المفسرين سنجد أنهم يذكرون معاني لهذه الآية منها أن فؤاد أم موسى الذي هو القلب أصبح فارغا من كل شيء إلا ذكر ابنها موسى عليه السلام. أم موسى عليه السلام لما حصل ما حصل لابنها لشدة تعلقها بابنها وحرصها عليه وخوفها عليه وهذا من طبع الأم أصبح فؤادها فارغًا من كل شيء، خاليًا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهذا المعنى نبّه بعض المفسرين إلى أنه الأولى الأرجح في تفسير الآية أي أن موسى عليه السلام لما فارق أمه اهتمت أمه به وتعلق قلبها به فأصبح فارغًا من كل شيء ليس هناك ذكر لشيء في قلبها إلا موسى عليه السلام لحرصها عليه. ماذا يمكن أن يستفاد من هذا في تربية الأم وإعداد الأم من حيث دلالة القرآن؟ هذا ما سنذكره إن شاء الله في لقاء آخر.

أسأل الله جلّ وعلا أن ينفعنا بالقرآن العظيم وأن يوفقنا للانتفاع به على الوجه الذي يقربنا إليه ويرضيه عنا في الدنيا والآخرة والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رابط الحلقة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل