دروس تربوية من القرآن الكريم - (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

الحلقة الرابعة: (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اما بعد، فمن أهم المعالم القرآنية في تربية القرآن لبناة الأجيال، في تربية القرآن للأم التي هي الأصل في تربية الأجيال هي أول مربية هي أهم مربية ما دلّ عليه قول الله جلّ وعلا (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ولا يزال الحديث عن قول الله عز وجلّ في سورة القصص (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧﴾ القصص).

(إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) هذا الأمر مهم جدًا في تربية الأم لابنها وفي تربية الأب كذلك، في تربية أيّ مربي لمن تحت يده لكن الأم على وجه الخصوص هي المعنية بهذا الأمر ابتداءً. ما المقصود أو ماذا يؤخذ من معلَم (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)؟ حقيقة من أهم عوامل نجاح أيّ رجل في الحياة وتحقيقه للطموحات ووصوله إلى أعلى الرتب في الدنيا ومنازل الخير في الآخرة من أهم الأشياء التي تساهم في هذا أن أمه أو من يقوم على تربيته في المستقبل يؤمّل فيه آمالًا كبيرة وينتظر منه أن يكون له شأن في المستقبل الأم الله عز وجلّ يقول لأم موسى (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) فأنت أيها الأم وأنت ترضعين ابنك وتربينه وتهيئينه استشعري ماذا سيكون عليه في النهاية، فإذا كانت الأم تستشعر هذا وتسعى إليه وتعلم بأن ابنها هذا سيكون له شأن في المستقبل فستحرص عليه أكثر لأنها ستعرف أن لها الأثر الكبير عليه وأن لها الفضل والمكانة في تهيئة إنسان سيكون له شأن في المستقبل.

حتى تتضح الصورة تخيلوا أمًا تربي ابنها بشكل عشوائي، هي أم رزقت بابن عنده مقومات كثيرة جدًأ أكثر الأبناء يلدون بمقومات وقدرات متساوية لكنها ليس لها هدف غاية ما في ذهنها أن تربيه وأن تحافظ عليه وأن يكبر ويعيش كما يعيش أكثر الناس وهذا موجود بكثرة، وأم منذ تزوجت ومنذ أن بدأ هذا الطفل يتشكل في بطنها في الحمل وهي تتخيل في ذهنها أن هذا الابن سيكون أعظم رجل في المستقبل، سيكون من أعلم العلماء، من كبار المجاهدين، من أعظم المؤثرين المصلحين الذين سيكون لهم شأن، سيكون ابني في المستقبل كذا، هذا له أثر في التربية. ولو رجعنا إلى قصة أم مريم (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾ آل عمران) ما في بطنها وهو في بطنها نذرته لربها ليكون قائمًا إما بالقيام على المسجد الأقصى أو أنه لله نذرته لله ليكون له شأن في العبودية لله في تحقيق مراد الله فلما كان هذا الأمر مستقرا في ذهنها وهي تحمله وهو في بطنها (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) كانت تظن أنه لن يقوم بالمهمة التي كانت تتصور لأن الولد سيقوم بشيء لا تقوم به البنت ولله الحكمة (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لكن هنا نظرة الأم لابنها، لو كانت الأم تنظر على أن ابنها هذا سيكون من كبار القواد والشجعان في المستقبل فإنها ستحرص على بنائه بناءً جسديًا وبناء سيجعله يكون في المستقبل بهذه الطريقة. لو كانت الأم تظن أن ابنها كما تقول بعض الأمهات تريد أن يكون ابنها عالمًا مثل الشيخ عبد العزيز بن باز فإنها ستحرص على أن يتعلم من الصغر ويكون لها دور كبير مع أبيه لتوفير وسائل التعلم حتى يكون له شأن في المستقبل، أن يكون قائدًا، أن يكون إمامًا، يكون مصلحًا، أن يكون أيّ شيء من الوظائف المهمة التي تحتاجه الأمة فعلى قدر نظرة الأم بابنها سيكون في الغالب خاصة إذا وفِّقت وكان عندها قدرة على  تهيئة الأسباب حتى يصل إلى ما وصل إليه.

أم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهي في الجاهلية كانت تأخذ بيد ابنها معاوية وهو طفل صغير وكانت فيه ملامح الذكاء والدهاء فكان كل من رآه يقول هذا الابن سيسود قومه. معاوية وأمه تأخذ بيده وتسير معه يقولون: هذا سيسود قومه. لو كانت هذه المرأة من أكثر نساء هذا الجيل لفرحت بهذا الكلام ولكنها امرأة صاحبة همة عالية، عادة البيوت الأشراف والذين لهم همم ينظرون نظرة عالية فقالت: ثكلته إن لم يسد إلا قومه! يعني إن كان لا يسود إلا قومه فقدته، لا أريده! تريد هذا الابن أن يسود الناس كلهم وصار أمير المؤمنين وحاكم المسلمين كلهم معاوية بن أبي سفيان وهو من دهاة العرب ومن حكماء العرب ومن أشجعهم رضي الله عنه. هذه النظرة عند الأم عند الصغر تُنشئ رجلًا له شأن عظيم في المستقبل فالله يقول لأم موسى (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) أيتها الأم ابنك ربّيه على أن يكون في المستقبل من الصالحين من المربّين، من المصلحين من العظماء الذين لهم أثر كبير في مجتمعاتهم له شأن عظيم واحذري أشد الحذر من أن يكون اهتماماتك مع الأسف الشديد أن يكون لاعبًا أن يكون مغنيًا أن يكون ممثلًا، هذه همّة في السوء وقد يصل حسب اهتمام الأم. ونحن نسمع بالقصة التي تنشر كثيرًا أن أحد الأطفال كان في مدرسة غربية وكانت إحدى المدرسات تقول للأولاد: تمنّوا، ماذا تريدون أن تكونوا في المستقبل؟ فكانوا يقولون: أنا طيار، أنا مهندس، لما وصلت إلى هذا الطفل قال أريد أن أكون صحابيًا وهي لا تدري ما معنى صحابي فلما أوقفتها هذه الإجابة سألتها فقال: أمي تحدثنا عن الصحابة فأريد أن أكون صحابيًا فتعجبت المعلمة من هذه التربية ومن هذه النظرة الكبير للأم التي كانت تحدثه عن عظماء الأمة فكان هذا الطفل لما تحدثت أمه عن العظماء صار يريد أن يكون صحابيًا، ما أجمل هذه الهمة العالية! أمة عاقلة أم تعرف ما معنى تهيئة الابن وتربية الابن وما يكون عليه في المستقبل. للأسف الشديد لو سألنا أكثر أبناء المسلمين ماذا تريد أن تكون؟ قد يسمي لاعبًا أو مغنيًا أو شخصًا عاديًا لا قيمة له ولكن أعطي شهرة في الإعلام الذي لا يشهر في الغالب إلا من لا يستحق الشهرة. أما الأم العاقلة فإنها تعرف ماذا ينبغي أن يكون عليه ابنها في المستقبل. هناك قصص كثيرة لكني لا أستطيع أن أجزم بها، نسمعها عن أحد الأئمة المشهورين قال أمي منذ كنت صغيرا كان تقول سيكون ابني إمامًا، سيكون قارئًا، سيكون طبيبًا مشهورًا، سيكون مهندسًا فيكون كما كانت أمه تنظر. فانظروا إلى قول الله تعالى (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ماذا سيكون لهذا الوعد والخبر من الله لأم موسى بأن ابنها سيكون من المرسلين؟ لا شك أنه سيعطيها مزيدًا من الاهتمام به ويحثها على رعايته لأن ابنها هذا سيكون له شأن في المستقبل وسيكون مصلحًا رسولًا من رب العالمين. فعلينا أن نتفاءل وأن ننظر نظرة إيجابية أن أبناءنا الذين بين أيدينا: ابني هذا أربيه سيكون محمد بن عبد الوهاب زمانه، ابني سيكون شيخ الإسلام ابن تيمية، سيكون صلاح الدين، فلما نربيه بهذه الطريقة ويكون الأم في ذهنها أن ابنها هذا الذي ترعاه سيكون له شأن في المستقبل عندئذ ستنجح التربية.

أسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى وأن يجعلنا هداة مهتدين صالحين مصلحين والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

رابط الحلقة:



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل