دروس تربوية من القرآن الكريم - (فألقيه في اليمّ) - د. محمد جابر القحطاني

دروس تربوية من القرآن الكريم

د. محمد بن جابر القحطاني

تفريغ سمر الأرناؤوط – موقع إسلاميات

الحلقة الثالثة: (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ولا يزال الحديث موصولًا في تربية القرآن للأم التي هي الأصل في بناة الأجيال، مربية الأجيال هي أول من يربي ومن أهمّ من يربي وقد ذكرنا معلمين (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) والمقصود به تثقيف الأم وإيصال المبادئ والقيم وما يجب عليه وتثقيفها بدورها المهم جدًا في التربية حتى تكون متهيئة لذلك والمعلم الثاني (أَنْ أَرْضِعِيهِ) يتعلق بالاهتمام بالإبن ولا شك أن هذا مهم جدا في تربية الأجيال والأبناء.

المعلَم الثالث يمكن أن يؤخذ من الآية نفسها (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) صناعة الأجيال وبناء الأولاد الأطفال بناءً متكاملًا نافعًا لهم في المستقبل يحتاج إلى شيء أحيانًا من مغالبة العاطفة بحيث نلزمهم بأشياء في الظاهر أنها متعبة وأنهم يجدون مشقة فيها، الآن أم موسى عليه السلام وهذا وحي من الله وهذا من حفظ الله لموسى وله مقاصد ولكن نريد أن نوظف هذا التوجيه القرآني توظيفًا تربويًا (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) إذا خفت عليه من القتل أو مما يؤذيه فخذيه وضعيه في التابوت ثم ألقيه في اليم في البحر أو في النهر هذا التوجيه في الظاهر يكاد يكون مظنة للهلكة، سيهلك هذا الإبن لأنه سيلقى وهو طفل رضيع لا حول له ولا قوة في يمّ يُهلك من وقع فيه وطبعًأ هذا من حفظ الله لموسى عليه السلام وفيه دلائل كثيرة جدا على أن قدرة الله نافذة وإرادته هي الماضية مهما كاد الأعداء ومهما أرادوا ولكن هنا تربويًا نأخذ معلمًا نحتاج إليه خاصة في الأجيال الأخيرة في أوقات الترف في أوقات الرخاء وهي أن الأم لا بد أن تتعب ولدها أحيانًا أن تقلل من الرفاهية الزائدة من الاهتمام الزائد بهذا الطفل حتى تهيؤه للمستقبل الحياة صعبة والحياة فيها مشاكل وفيها مخاطر (لقد خلقنا الإنسان في كبد) فينبغي للأم وهي تربي هذا الإبن الضعيف الذي بين يديها يتقلّب ولا حول له ولا قوة أن تربيه للمستقبل، ماذا سيكون في المستقبل، ستواجهه مصاعب، ستواجهه مشاكل قد يتعرض لأشياء كثيرة جدا في حياته وقد لا يستمر الوضع الذي نعيشه إذا كنّا في ترف أو في رخاء، فالأم العاقلة هي التي تنظر بعيدا لا تحرص فقط على أن توفر لابنها كل ما يحتاج إليه وترعاه رعاية فائقة وتعطيه كل ما يحتاج إليه، لا يبكي، لا يتأذى، وتلبسه الملابس الفارهة، وتخاف عليه من أدنى شيء حتى إن بعض الأمهات يبالغن في الرعاية للإبن حتى يصير هذا الطفل كالزجاجة تكسر في أي لحظة لا بد أن نعده حتى يكون كالحجارة أو الحديد قابل لأشياء كثيرة تعتريه في حياته. الأم نقرأ في سير بعض الأمهات أنها كانت تخفف من بعض العناية الزائدة للإبن تعطيه جرعات من الشدة حتى يعتمد على نفسه في المستقبل، كيف تغرس الشجاعة أصلًأ؟ لا بد أن يقاوم هذا الطفل من صغره المتاعب وأن يواجه بالمشاكل بنفسه لكن أن تكون معه في كل صغيرة وكبيرة وأن تحيط به من كل جانب لا تسمح لأحد أن يمسك به ولا تسمح له حتى يتعدى عن عتبة الباب، هذا من الجهل وقلة الوعي. كنت أقرأ أن الزبير بن العوام زوجه صفية بنت عبد المطلب بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم كانت تربي أبناءها من أبنائها عبد الله بن الزبير الذي كان من أشجع العرب وعروة بن الزبير فكانت تربي عبد الله في الصغر كانت تضعه أحيانا وهو طفل بعدما صار يعي ويعقل تضعه في الليل في مكان موحش وتتركه وتذهب حتى يتربى على التحمّل حتى يتربى على الشجاعة تتركه في وادي أو في مكان موحش حتى يكتسب أشياء كثيرة بهذه التربية. أما الآن فالأم أحيانًا لا تسمح لابنها أن يمشي حافيًا تقول أخاف عليه مما يؤذيه فإذا تقدم به العمر وكبر فإذا به لا يستطيع أن يقوم بأية مهمة، يسقط من أول مقابلة لأي صعوبة! نعيش فعلًا مع الأجيال الجديدة أزمة وجود رجال يتحملون المصاعب ويقومون بالتكاليف الباهظة ما يستطيع، لا يكاد أحدهم أن يأتي بشيء خفيف ترسله ليقوم به أنه لم يتعود على الشدة من الصغر.

هنا (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) الأم صعب عليها جدًأ أن تلقي ابنها، من أصعب الأشياء لكنه توجيه الله وأمر الله وهذا أمر الله وأمر خارق للعادة ولا نقول للأم ألقي ابنك وإنما عوّديه على المصاعب لا تعطيه كل ما يطلب، الطفل لا يعي ولا يعقل، لا تعوديه أنه إذا بكى يُعطى كما هو حال كثير من أبنائنا اليوم فصار أولادنا كثيرو البكاء لأنه يجد إذا بكى تحركت مشاعر الرحمة والعاطفة عندنا فقلنا نسكته بأي شيء فصار البكاء سلاح أبنائنا، حتى يقول أحد المفكرين مالك بن نبي أو غيره قال: تعودنا من الصغر أننا إذا أردنا شيئًا فمُنعنا منه نبكي فإذا بكينا أُعطينا وجاء اليهود وأخذوا فلسطين والقدس فصرنا إذا أردنا أن نطالبهم بشيء قلنا أرجعوا لنا حقوقنا فإذا لم يفعلوا نبكي وماذا ينفع البكاء؟ الآباء في القديم مع قلة ثقافتهم لكنهم كانوا يعون وبشكل لا يختلفون فيه أن من أهم مقومات هذا الطفل ليكون رجًلا في المستقبل يرمى في الميدان أحيانا ويصارع الحياة يتربى، يجد الصعوبات في حياته فيواجهها بنفسه، المشاكل والعقبات. كان الطفل وعند خمس أو ست سنوات ورأينا هذا في حياتنا يذهب ليرعى الغنم وترعفون ما في رعي الغنم من مشاق وصعوبات، يرعى الغنم الصغيرة، هذه تربية كبيرة جدا، يذهب إلى المزارع ويعمل الأعمال ويحمل الأحجار على ظهره وثد يأتي بالحطب من بعيد، هذه الأشياء التي نمنع أولادنا منها الآن، نقول لماذا نعذب أبناءنا؟ لما نُتعب أبناءنا؟!  هذه نظرة قاصرة نظرة تدل على جهل بعض الأباء والأمهات بحقيقة التربية، فلا بد أن نلقي أبناءنا في يمّ الحياة، في صعوبات الحياة، أن نكلّفهم بتكاليف، أن نلزمهم بأشياء ليتربّوا حتى إذا كانوا في المستقبل صاروا رجالًا قادرين على تحمل المسؤوليات. هذا النعيم الذي نحن فيه لا يُضمن وقد لا يستمر حتى ولو استمر ينبغي أن يكون أبناؤنا على قدر المسؤولية مسؤولًا عن نفسه وهو سيصير مسؤولا عن أسرة وعن آخرين غيره تحت يده فإذا لم يكن قادرًأ على تحمل المسؤولية وإذا لم يربى منذ الصغر على أنه مسؤول عن تصرفاته وأنه لا بد أن يواجه مصاعب الحياة فإننا سنجني عليه من حيث لا نشعر. تأملوا في الكتب التي تتحدث عن التربية فإنها تركز على هذه القضية: ينبغي أن يجد الطفل شيئًًا من الصعوبة، ينام على الأرض، يمشي حافيًا، يكلّف بأعمال فيها مشقة، يحمل الأغراض من السيارة ، لكن الآنكل شيء يقوم به غيره حتى فراشه الذي ينام عليه يقوم ويرمي بكل شيء وغيره ينظف مكانه، يأكل ما يأكل ويشرب ما يشرب  يترك كل شيء ويقوم، لماذا كل هذا التقصير؟ حتى لا نتعب أبناءنا! يقولون: هل ابني عامل؟ أو ابنتي شغّالة؟! هذا جهل مع الأسف الشديد لا أدري كيف سرى إلى بعض العقول مع أننا إذا قمنا بهذه الأشياء فإنه في المستقبل قد يتحسر علينا أبناؤنا ويقد قولون لا جزى الله خيرا من عوّدنا على الدّعة وعلى الترف حتى إننا لا نستطيع القيام بما نحتاج إليه في حياتنا مبدأ مهم وهو أن تلقي بابنها في مصاعب الحياة تعوّده على التكاليف، تأمره بما تأمره به من أشياء فيها مشقة وهي تحبه وتحرص عليه لذلك أم موسى جعلته في التابوت والتابوت يمثّل الإحاطة  هذا معلم أحسب أنه مهم جداً خاصة في الزمن الذي نعيشه فاسألوا الله جلّ وعلا أن يعنيننا على تربية أبنائنا على أكمل وجه وأن يعين الأمهات على أخذ هذه المعالم والتوجيهات والاستفادة منها في حياتهن وفي تربيتة أبنائهن والله أعلم.

رابط الحلقة:

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل